الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الولايات المتحدة الأمريكية.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

ترجمات – كيوبوست

ستيفين والت 

يتوقع كثير من المعلقين من مختلف التوجهات حربًا باردة جديدة، لكنها ستنشأ هذه المرة بين الصين والولايات المتحدة، ولا يُعد الأمر غريبًا بالنظر إلى توتر العلاقات بينهما، وفي هذه الحالة لا ينبغي علينا تجاهل دروس التاريخ. هناك كثير من الأشياء التي يمكن أن نتعلمها من تاريخ الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، وعلينا أن نسأل: لما انتصرت أمريكا في حربها مع العملاق الشيوعي؟ ما الذي كان يميزها ويؤهلها للفوز؟ وكيف أدار قادة الولايات المتحدة هذه المعركة؟

5 دروس يمكن استخلاصها من تلك التجربة على النحو التالي:

الدرس الأول: مَن هم حلفاؤك؟

فازت الولايات المتحدة في الحرب الباردة الأولى لبعض الأسباب؛ من بينها التقدم الاقتصادي وامتلاكها سوقًا أكبر وأكثر كفاءة من الاتحاد السوفييتي، غير أن الأولوية كانت لنظرية الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان، وسياسة الاحتواء التي أسسها في ذلك الوقت. فإذا تأملنا هذه النظرية سنفهم لماذا حافظت أمريكا على تحالفاتها مع دول غرب أوروبا واليابان، وحرصت على إبقاء هذه التحالفات بعيدة عن يد الاتحاد السوفييتي. باختصار كانت أمريكا تختار حلفاءها، وفي هذه الحالة كان عمالقة الصناعة في العالم هم الأولى بالاهتمام.

ما يحدث الآن هو أن ترامب لا يحاول قراءة التاريخ، ولو كان هنالك دليل إرشادات لكيفية إفساد علاقات أمريكا الخارجية، فإن ترامب وبلا شك يتبع هذا الدليل ويحفظه عن ظهر قلب. فبعد 4 أيام فقط من توليه الرئاسة عبَّر عن عدم تقديره للشراكة مع حلفائه على الضفة الأخرى من المحيط الهادي. ولم يكتفِ بذلك؛ بل أضر بالموقع الاستراتيجي للولايات المتحدة في القارة الآسيوية، ولعل إخفاقات مثل هذه لم تكن سوى أهداف ناجحة في مرمى بلاده.

اقرأ أيضًا: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.. حرب باردة من نوع جديد

ما زالت واشنطن ملتزمة بدعم الأمن القومي لحلفائها في أوروبا؛ خصوصًا في ما يتعلق بتدخل أطراف أخرى مثيرة للمشكلات في الشرق الأوسط، لكن التزامها بحماية أوروبا يقل حين يكون مطلوبًا منها مواجهة التهديدات القادمة من الصين، وأيًّا كانت نيَّات ترامب، فإن طريقته في التفكير حيال العلاقات مع روسيا تبدو غير كفؤة، فهو بطريقة أو بأخرى لا يتسبب إلا في توطيد العلاقة بين موسكو وبكين. لقد كانت سياسة “فرّق تسُد” هي الأنجح في تاريخ الحرب الباردة، لكن أمريكا تتخلى عنها الآن لصالح روسيا.

الدرس الثاني: الاستثمار في تطوير العلوم والتكنولوجيا والتعليم

من المعروف عن الولايات المتحدة أنها تمتلك أكبر وأرقى ترسانة تكنولوجية؛ هذه الترسانة هي داعم قوي للاقتصاد الأمريكي. وقيمة هذه الترسانة لا تكمن في تحقيق النمو الاقتصادي فقط، لكنها على سبيل المثال منحت أمريكا التفوق العسكري على منافسها السوفييتي خلال الحرب الباردة. ونتذكر جميعًا كيف أثار إطلاق سبوتنيك (1) الرعب في نفوس الأمريكان عام 1957؛ حيث كان العالم ساعتها قد بدأ يتحدث عن أن أمريكا في طريقها لفقدان تقدمها التكنولوجي، لكن ما حدث هو أن القيادة الأمريكية أطلقت قانون الدفاع التربوي الوطني بعد ذلك بعام واحد، ونجحت بالفعل في تطوير البحث العلمي والتقني، وبالشكل الذي ضمن لها تفوقًا دائمًا على الاتحاد السوفييتي في معظم المجالات العلمية.

اقرأ أيضًا: تراشق دبلوماسي بين الصين وأمريكا وحامية الجيش الصيني في هونج كونج تلوِّح بالتحرك

أما الآن فالصين هي التي تنجح في تحقيق معدلات صعود ثابتة في الإنجازات العلمية، في الوقت الذي تحرص فيه على تدريب عدد كبير من الكوادر ذوي الخبرة؛ لتولي خططها الدبلوماسية، لكن ماذا تفعل أمريكا على الجانب الآخر؟ إنها تتخلَّى عن المؤهلين وأصحاب الكفاءة لصالح مجموعة من الهواة غير المدربين على أي شيء.

الدرس الثالث: الانفتاح على العالم والشفافية وتحمل المسؤولية

لا يوجد نظام سياسي بلا عيوب، حتى المسؤولين الحكوميين الذين قضوا أعمارهم في العمل السياسي لا يمكن اعتبارهم معصومين من الخطأ، وهذا ما يجعلنا نتمسك بالديمقراطية. فرغم الأخطاء الوارد حدوثها، تتميز الديمقراطيات بامتلاكها وسائل إعلام نشطة ومراقبة، بالإضافة إلى احترامها قيمة مهمة كحرية التعبير، ومن هنا تنشأ القدرة على تعديل الأخطاء بشكل تدريجي.

الرئيس الأمريكي رونالد ريغان يستعرض حرس الشرف للفوج الملكي بعد هبوطه في مطار تمبلهوف في برلين خلال احتفالات ذكرى مرور 750 عامًا على برلين- 1987

وقد انهار الاتحاد السوفييتي لغياب الأسباب السابقة نفسها، فتقييد حرية التعبير  لم تتسبب إلا في الفشل الاقتصادي والوقوع في أزمات اقتصادية عنيفة. ويبدو أن الولايات المتحدة تمضي في طريقها للوقوع في الفخ ذاته.

إن قيم الشفافية وتحمل المسؤولية أصبحت تحت الحصار مع إدارة ترامب، وهو ليس أول رئيس يحاول التلاعب لحماية نفسه من المساءلة؛ إلا أن ما يفعله الرئيس الخامس والأربعون في تاريخ الولايات المتحدة هو الانتقال بالتلاعب إلى مستوى غير مسبوق.

الدرس الرابع: تشتيت قوى الخصم في حروب هامشية

في عام 1974، كان الملاكم الشهير محمد علي كلاي، يواجه خصمًا أضخم وأقوى وأصغر منه سنًّا، وكان الجميع يتوقعون فوز جورج فورمان في هذا المباراة بالذات ضمن مباريات بطولة الملاكمة للوزن الثقيل التي استضافتها زائير، لكن كلاي المتمرس في اللعبة حطَّم كل التوقعات بفضل استراتيجية تشتيت قوى الخصم؛ حيث قام ببساطة بإسناد ظهره على حبال الحلبة مع حماية جسمه من ضربات الخصم، وهو ما دفع فورمان لتسديد عدد هائل من اللكمات عديمة الجدوى، وبعد أن تأكد كلاي من وصول فورمان إلى حالة من الإجهاد لن يستطيع معها المقاومة؛ خرج أخيرًا من محبسه الاختياري أمام الحبال ليسدد الضربة القاضية لخصمه.

هذا بالضبط ما فعلته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي السابق؛ ففي منتصف الخمسينيات كانت أمريكا قد وطَّدت تحالفاتها مع أهم القوى الاقتصادية في العالم في الوقت الذي كان فيه العملاق الشيوعي يبدِّد قوته في تحالفات مع دول شبه ماركسية وأنظمة اجتماعية جميعها من الدول النامية؛ أي مع دول ضعيفة لم تقدم إلى السوفييت مزايا استراتيجية كافية للتغلب على أمريكا.

وللمرة الرابعة يبدو أن ترامب لم يتعلَّم شيئًا من هذه التجارب، فمواجهة الصين في حرب باردة جديدة تتطلب السرعة، وأمريكا الآن لا تفعل شيئًا سوى تبديد الوقت والمال والتضحية بجنودها في حروب هامشية. لقد فشل ترامب في فهم أن مواجهة الصين تقتضي تكثيف الجهود في أماكن وتخفيضها في أماكن أخرى.

الدرس الخامس: الدبلوماسية الذكية

قد ينظر الأمريكان إلى بلادهم باعتبارها مجتمع الفضيلة، لكن الواقع يقول غير ذلك؛ فخلال الحرب الباردة لم توفر أمريكا أي جهد للاختباء خلف الشعارات الجذابة كالحرية وحقوق الإنسان. كما لم يغب عن قادة الولايات المتحدة في هذا الوقت أن تحقيق الإنجازات في مجال الحقوق المدنية سيساعدهم في حربهم الباردة ضد السوفييت.

وللمرة الخامسة يفشل ترامب في فهم الواقع والتاريخ، ففي الوقت الذي يدَّخر فيه المديح لمستبدين من أمثال كيم يونج أون، فإنه يوجه الانتقادات السخيفة إلى قادة الديمقراطيات العتيدة؛ مثل وصفه لرئيس وزراء كندا بـ”الضعيف”، ورئيس فرنسا بـ”الغباء”، إضافة إلى التقليل من شأن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في تغريداته على “تويتر”.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

ولم يفت الأوان بعد، فما زالت أمريكا تحتفظ بشعبيتها الكاسحة كنقطة قوة في مواجهة أعدائها، على الرغم من أن الرئيس ترامب يوشك بين الحين والآخر على التضحية بهذه الميزة أيضًا.


 الكاتب: أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة