الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الوساطة الهجينة والأدوات الجديدة لحل النزاعات في نظام دولي غير مستقر

كيوبوست – ترجمات

رامون بليكوا

بدايةً، تجدر الإشارة إلى أن النسيج المتزايد التعقيد للسلام والصراع، وتعدد الجهات الفاعلة المعنية، جعلت حلَّ الصراعات أكثر تعقيدًا، كما جاء في المذكرة المفاهيمية للاتحاد الأوروبي التي اعتمدها الاتحاد مؤخرًا بشأن دول الوساطة. يأتي هذا في وقتٍ أصبح فيه الإرهاب والتطرف تهديدًا أمنيًا أكثر إلحاحًا، وأصبحتِ التوترات المتعلقة بالتدهور البيئي، والهجرة غير النظامية، والتشريد القسري، تؤثر على النسيج الاجتماعي في الدول الهشة بطريقةٍ غير مسبوقة. وفي إطار جهودها الرامية إلى التصدي للتحديات المتعددة الأوجه التي يطرحها علينا حل النزاعات وإدارة الأزمات، أدرجتِ الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية؛ وهي وزارتا الخارجية والدفاع المشتركتان في الاتحاد الأوروبي، التراثَ الثقافي، وبناء السلام البيئي، والمساواة بين الجنسين، والحوار بين الأديان، وغير ذلك من القضايا التي كانت غائبة في السابق عن تحليلِ الوساطة، بوصفها بعض الأدوات الجديدة تُضاف إلى مجموعة أدواتها لحل النزاعات.

النظام الدولي كما نعرفه في حالة تغيّر مستمر، والتحولات السريعة التي تحدث حاليًا نتيجة التصدي لجائحة كوفيد-19 ستكون لها آثار بعيدة المدى، ليس فقط على كيفية إدارة العلاقات الدولية، ولكن على كل جانب من جوانب حياتنا الاجتماعية والاقتصادية. تقليديًا، تُعتبر الجهات الفاعلة من غير الدول شذوذًا أو اضطرابًا للنظام الدولي القائم، ويُطبق هذا المصطلح في الغالب لتعريف الجماعات الإرهابية أو الميليشيات التي تعتبر تهديدًا للاستقرار الإقليمي، سواء كانت فعلًا جهاتٍ فاعلة من غير الدول أو تعمل بإيعازٍ من رعاة الدول كوكلاء.

بيد أن تأثير الجهات الفاعلة من غير الدول أصبح قويًا جدًا، ويلعب دورًا مهمًا في تشكيل السياسة في مثل تلك الدول، لدرجة أن النموذج الكلاسيكي للتنافس على القوة بين الدول لم يعد يعمل بشكل جيد. قدّم أول تصوّر منهجي لهذا الواقع الجديد في فترة التسعينيات من قبل مؤلفين صينيين في كتاب «الحرب غير المقيّدة»، (1999)، المثير للجدل، حيث حدد الكولونيل تشياو ليانج والمؤلفين المشاركين، القوة المالية والإرهاب الديني، والجريمة المنظمة، وتكنولوجيا البيانات، كساحاتِ قتال جديدة للصراع الحديث.

غلاف كتاب “الحرب غير المقيدة”

التغيير الحقيقي في قواعد اللعبة يتمثل في أن الدول لم تعد الفاعل الرئيس الوحيد في النظام العالمي: فعليها أن تتعامل مع القوة والتأثير المتزايدين للشركات عبر الوطنية، التي تعد التكنولوجيا الكبرى النموذج النهائي لها؛ والقوات العسكرية الخاصة والميليشيات؛ والمنظمات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية؛ والثراء المذهل للجماعات الإجرامية وعصابات المخدرات. وربما كانت خصخصة تكنولوجيا المراقبة والخدمات العسكرية أوضح تجليات ضرورة اعتماد القوى العالمية على هذه الشركات الخاصة في شنِّ الحرب، وهو أمر يغيّر طبيعة العلاقات الدولية بلا شك.

في هذا الصدد، تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 60% من الصراعات قد انتكست في العقد الماضي، وهو رقم ضخم يشهد على صعوبة حل النزاعات في هذا السياق. وشهد أكثر من 80% من الصراعات على مدى السنوات الثلاثين الماضية تورط ميليشيات، إما موالية للحكومة أو جماعات متمردة، في حين أدَّى الارتفاع الأخير في عدد الجماعات المتطرفة العنيفة العابرة للحدود الوطنية إلى زيادة الاعتماد على هذه الجماعات.

اقرأ أيضاً:  مكيافيلي وكيسنجر.. والواقعية في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين

وقد لعبت هذه القوى أدوارًا حاسمة في مساعدة الحكومات على استعادة الأراضي أو تعزيز القوة في ساحة المعركة؛ وفي الوقت نفسه، تستغل حالات الصراع لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية خاصة بها. وقد تصبح عوامل إفساد لأي عملية سلام حيث تحد من تلك الفوائد، لا سيما عندما تُستبعد من المحادثات السياسية وصفقات الدمج. وفي هكذا بيئة، ستصبح مبادرات الوساطة و”دبلوماسية المسار الثاني” (Track II diplomacy) أدواتٍ متنامية الأهمية لحل الصراعات. ومن الواضح أننا بحاجة إلى نهجٍ جديد لكيفية تحوّل هذه المنظمات إلى أصحاب مصلحة في الدول الهجينة بشكلٍ أكثر شيوعًا، وغالبًا ما ينتهي بها الأمر إلى أن تكون أكثر صانعي القرار أهمية في قطاع الأمن، وحتى في السياسة الاقتصادية والخارجية. وفي عالمنا المتعدد الأطراف، لا يمكن معالجة إدارة الأزمات، وحل النزاعات بفعالية، دون إيجاد نماذج جديدة تشمل تلك الجهات الفاعلة.

صورة أرشيفية للحرب الأهلية في لبنان

وعلى الرغم من التحديات المذكورة أعلاه، فإن آليات الوساطة وتسوية النزاعات الفعّالة تزداد أهمية، وذلك مع تزايد عدد الأشخاص المتضررين من الصراع والعنف. وتؤدي الحروب الأهلية إلى صراعاتٍ أطول أمدًا في ظل العناصر العرقية-الثقافية التي تُعقّد النهج السياسي التقليدي. وعلاوة على ذلك، تؤدي المنافسة بين القوى العظمى، والصراعات الإقليمية من أجل الهيمنة، وانتشار الجهات الفاعلة من غير الدول إلى صراعات متشابكة ومتعددة المستويات تؤثر على السلام والاستقرار الدوليين. وفي الوقت نفسه، تتحدى هذه العناصر النُهج التقليدية، كما تعترف بها الخطة الاستراتيجية الجديدة لإدارة الأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام للفترة 2020-2022. ويجري التشكيك في النظام الدولي المتعدد الأطراف من مختلف الجهات، فيما تظهر موجة الاحتجاجات العالمية استنفاد النماذج الاقتصادية والسياسية الحالية، فضلًا عن الحاجة إلى عقدٍ اجتماعي جديد.

اقرأ أيضًا: هكذا تطوّر مفهوم الدبلوماسية عبر الزمن

وهكذا، فإن الدبلوماسية التقليدية والمؤتمرات الحكومية الدولية أصبحت غير فعّالة على نحو متزايدٍ في معالجة المشكلات الراهنة المتعلقة بحل الصراعات. وقد ضعف دور الأمم المتحدة بسبب الجهود المشتركة للدول التحريفية (revisionists states) وبعض القوى العظمى التقليدية. ومن ثم، يتعين إقامة تحالفات جديدة، وتطوير عمليات أكثر توجهًا نحو تحقيق النتائج لتجسير الفجوة بين المبادئ الدولية، ومطالب المجتمع المدني، والجهات الفاعلة الدولية الجديدة. وتُستخدم حاليًا دبلوماسية المسار الثاني ومبادرات الوساطة بشكل متنامٍ، من خلال تحالفات وكالات الأمم المتحدة، والجهات الفاعلة الدولية في الوساطة، والاتحاد الأوروبي، والدول ذات التفكير المتماثل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إعادة تعريف الإطار المفاهيمي، ومجموعة أدوات الوساطة، التي تشارك فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حاليًا، هي عملية ذات أهمية خاصة في تأسيس نظامٍ متعدد الأطراف جديد.

سيتمحور هذا المقال على هذه الأدوات الجديدة، مع التركيز بشكل خاص على الشرق الأوسط، تلك المنطقة من العالم التي يحدث فيها عدد غير متناسب من الصراعات المذكورة أعلاه. ومن المفارقات أن هناك اختلالًا صادمًا بين عدد مبادرات الوساطة في المنطقة والمدخلات المحلية. ومن الملاحظ أن بناء القدرات المحلية قد أهمل إلى حد كبير، وكثيرًا ما يتم تجاهل الأدوات ذات الجذور الثقافية. ويمكن أن يكون التراث الثقافي والمادي وغير المادي، فضلًا عن بناء السلام البيئي والحوار بين الثقافات والأديان، مداخل فعّالة لكسر دورة الصراع، من خلال نهج جديد يتضمن عناصر أكثر تعاطفًا في عملية بناء السلام.

اقرأ أيضاً: الأمن الأوروبي يتطلب نهجاً جديداً للتعامل مع الصراعات الدولية

الذكاء الاصطناعي والدبلوماسية التكنولوجية وحل النزاعات

خلافًا للسابق حيث كانت معظم الصراعات تقتصر على “طرفين”، تشمل الصراعات حاليًا جهاتٍ فاعلة متعددة، ما يزيد من تآكل النظام الدولي، ويخلق بيئة معولمة مشوشة. وقد حلَّتِ التعددية محل علاقات القوة المنظمة للنظام الثنائي القطبية. فالدول ذات السيادة المنقوصة، والجهات الفاعلة القوية من غير الدول، تنخرط في علاقات جديدة من شأنها، إلى جانب تأثير الذكاء الاصطناعي، والأدوات الرقمية الجديدة، أن تغيّر طبيعة الديناميات الدولية.

الأشكال الجديدة للحرب تجلب منصات تكنولوجيا المعلومات إلى صدارة الصراعات الإقليمية كأطرافٍ مؤثرة. وأكثر اللاعبين حداثة في هذا العالم الجديد هم شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعية. وتتخصص هذه الشركات في المراقبة، سواء كانت طوعية أو غير طوعية. تستخدم شركات مثل “فيسبوك” و”جوجل” و”لينكد إن” المراقبة الطوعية، حيث تستغل البيانات التي يسمح لها المستخدمون بالوصول إليها طواعية. ومع ذلك، كما يتضح في مناسباتٍ عديدة، يمكن أيضًا استخدام هذه البيانات للتلاعب بالمستخدمين من خلال توفير معلومات محرّفة أو خاطئة. وعلى الطرف الآخر من الطيف التكنولوجي توجد شركات تستخدم المراقبة غير الطوعية، باستخدام البيانات دون علم المستخدم، سواء كانت تلك البيانات عامة أو خاصة، ويمكن الوصول إليها بصورةٍ قانونية أو غير قانونية.

حرب المعلومات الإلكترونية أخطر أسلحة الصراعات- أرشيف

ورغم وجود فوارق بين الطوعية وغير الطوعية، فإنه يمكن استخدام أي نظام من أنظمة “البيانات الضخمة” (big data) لإجراء تحليلاتٍ تنبؤية، وكشف أنماط السلوك اللا واعي. وحتى من دون القرصنة، فإن الصورة المتكاملة عبر ربط البيانات المتداولة علنًا يمكن أن تعطي رؤى من شأنها أن تزعج في كثيرٍ من الأحيان الأفراد المعنيين. ولعل تأثير أنظمة التتبع المتعلقة بكوفيد-19 للبيانات الشخصية ليس سوى أحدث مثال على إمكانات تقنيات المراقبة هذه. وسيتم تعظيم الاستفادة من هذا السيناريو بشكلٍ كبير من خلال التوسع في تدفقات البيانات في الوقت الحقيقي باستخدام أجهزة الاستشعار القائمة على تقنيات اتصالات الجيل الخامس والمدن الذكية التي تستفيد من أنظمة جمع البيانات الضخمة.

اقرأ أيضاً:  مستقبل الحروب

الذكاء الاصطناعي آخذ في الظهور كمجال له تأثير كبير محتمل على السياسة والمجتمع والاقتصاد، تأثير يمتد في نهاية المطاف إلى العلاقات الدولية والدبلوماسية. ونظرًا لتأثير الذكاء الاصطناعي المعترف به على نطاقٍ واسع على الدبلوماسية العالمية، يجب زيادة الوعي بما يسمى بـ”الدبلوماسية التكنولوجية”، وخاصة تأثير الذكاء الاصطناعي على جهود الوساطة وصنع السلام وحل النزاعات. وقد ازدادت أهمية استكشاف أوجه التآزر المحتملة والنُهج التعاونية بين الأوساط الدبلوماسية والتكنولوجية. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يستخدم بشكلٍ متزايد في شن الحروب وعمليات الاستخبارات والتضليل، لكنه يمكن أن يصبح أيضًا أداة قوية لرصد تأثير تلك الحملات التي حوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة معركة جديدة في عصرنا، وتوجيه رسائل إيجابية من شأنها أن تسهم في الحيلولة دون نشوب الصراعات وحلها.

يعتمد نجاح حل الصراعات على فهمٍ حقيقي لاحتياجات ورغبات الآخرين، وعقليتهم، والسياق الثقافي. وهذا ما يتعرض للخطر اليوم بسبب القيود المعرفية البشرية، وسرعة وتيرة التغيير في سيناريوهات الصراع المعقدة، حيث يصعب على صناع القرار اكتساب الخبرة المطلوبة. ويمكن للحكومات والمنظمات غير الحكومية استخدام الذكاء الاصطناعي لمحاكاة الحلول الإنسانية القائمة على المعرفة الثقافية المتخصصة وحل النزاعات. كما يمكن أن يوفر الذكاء الاصطناعي أدوات دعم لعمليات حفظ السلام للمستجيبين لحالات الطوارئ على أرض الواقع. ويمكن للمستجيبين أيضًا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التدريب، وإدارة التعقيد، وتبادل المعارف، وضمان تقديم استجابات إنسانية فعّالة خلال الصراعات، واتخاذ قرارات عادلة (وبالتالي مستدامة) بعد ذلك.

اقرأ أيضاً: هكذا سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل البشرية

ولا تزال الحوكمة التكنولوجية العالمية في مراحلها الأولى، والأسئلة تفوق بكثير عدد الإجابات اليوم. ذلك أن الذكاء الاصطناعي يطرح تحدياتٍ للديمقراطية والأمن السيبراني والدبلوماسية-السيبرانية وحقوق الإنسان. الذكاء الاصطناعي يغيّر بالفعل وجه الصراع. وفيما يتعلق بالأمن والدفاع -بما في ذلك إدارة حركات التمرد والجهات الفاعلة المنظمة من غير الدول- يمكن أن تغيّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تكاليف الصراع، وتسرّع وتيرة العمليات، وتزيد من خطر التصعيد، وتزيد من المخاطر المتصورة للهجمات المفاجئة، وتعزِّز الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية بين الأطراف المتحاربة، وتحوّل الرأي العام حول التورط في الصراعات. كما أنها تجلب أصحابَ مصلحةٍ جددًا إلى عملية إدارة الأزمات التي لديها الخبرة الفنية اللازمة لتطبيق منهجيات الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما قبل الصراع، أو خلال الصراع، أو الرصد بعد الصراع. بالإضافة إلى ذلك، سيكون لدى الدول الاستبدادية، حيث القيود المفروضة على جمع البيانات أكثر تراخيًا، المزيد من إمكانيات الوصول إلى البيانات الضخمة المتسقة، وستكون قادرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الحرب. ولذلك، قد تنشأ صراعات جديدة بشأن من له القدرة على السيطرة على جمع البيانات والوصول إليها.

الذكاء الاصطناعي يُستخدم بشكل متزايد في شن الحروب وعمليات الاستخبارات

إضافة إلى ذلك، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تغيّر ظروف تدفق المعلومات، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على ديناميات الصراع، وغالبًا ما يكون لصالح الطرف الذي يتحكم في البيانات. ومع ذلك، فإنها يمكن أن تساعد أيضًا في تصحيح عدم تكافؤ المعلومات، وهو أمر أساسي للوساطة في الصراعات التي يكون فيها لدى الجهات الفاعلة معلومات ناقصة عن ثقافة الطرف الآخر وموارده وتصميمه. ويمكن أن تساعد زيادة الشفافية بعد ذلك في بناء الثقة بين الأطراف. ويحتاج الوسطاء إلى الحصول على صورةٍ دقيقة عن المعلومات المتاحة لأطراف النزاع ومقدارها، وكذلك عما إذا كانوا يطبقون أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي للوصول إلى المعلومات الاستخبارية.

اقرأ أيضاً:  “سايبر تيك” ينطلق في دبي.. شراكة إماراتية- إسرائيلية في الأمن السيبراني

علاوة على ذلك، تغيّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المكان الذي يدور فيه الصراع، وشكل ووسائل وتوقيت الاستجابات لمثل هذه النزاعات، من خلال استخدام برامج الكمبيوتر التي تحلل كمياتٍ هائلة من البيانات لاكتشاف المعرفة في شكل أنماط. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يولّد سيناريوهات للتنبؤ بالسلوك البشري و/أو توضيحه، وهي إمكانية تستخدمها المؤسسات بالفعل لإدارة الشركات وتشكيل الأسواق. وقد رأينا أن لديها أيضًا تطبيقات لكسب النفوذ السياسي، وشن الحرب النفسية، والمساعدة في السيطرة على السكان. ومع ذلك، حتى لو كان من المفيد بالقدر ذاته تجنب الصراعات أو استباقها أو إعادة تشكيلها، فإنها لا يمكن أن تحل محل القدرات الشخصية في بناء الثقة وخلق روابط عاطفية والتي تقع في صميم الوساطة.

لذا، يتعين على خبراء السياسة الخارجية، والعاملين في مجال الوساطة، وضع إطار مفاهيمي وقواعد واضحة لهذه الأداة الجديدة قبل أن يؤدي استخدامها غير المنظم إلى تشويه البنية الكاملة لحل الصراعات وبناء السلام. هناك حاجة إلى استكشاف تطبيقات الذكاء الاصطناعي الأخلاقية والبنّاءة والشفافة، وتحديد الجوانب السلبية المحتملة لهذه الأساليب.

ويمكن تحديد التطبيقات المستخدمة للذكاء الاصطناعي من قبل الوسطاء على النحو التالي: (1) إدارة المعارف والبحوث الأساسية؛ و(2) تحسين فهم الممارسين لنزاعاتٍ وأطراف فاعلة محددة، على سبيل المثال من خلال تحليل المشاعر عبر بيانات وسائل التواصل الاجتماعي على أساس تحليل اللغة الطبيعية؛ و(3) توسيع شمولية عملية السلام من خلال رصد آراء السكان على نطاق أوسع.

اقرأ أيضاً: عن الحرب الباردة التكنولوجية القادمة مع الصين وهواوي

ورغم أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يزال يثير قضايا أخلاقية وعملية، فإن استخدامه في الصراعات النشطة وعمليات السلام قد بدأ بالفعل. نحن نعرف عددًا قليلًا فقط من تلك الجهات الفاعلة التي تستخدم هذه التكنولوجيا، مثل الأمم المتحدة، ولكن هناك العديد من الجهات الفاعلة الأخرى التي لا تتحدث عن ذلك علنًا عندما تتحرك في هذا العالم الغامض. وفي هذا الصدد، أطلقت “وحدة الابتكار والتكنولوجيا” التابعة لقسم التكنولوجيا الميدانية التابعة للأمم المتحدة مشروعًا لتحليل البيانات الضخمة، ودعم وسائل الإعلام الرقمية في الصومال، وتعمل “شعبة الشرق الأوسط” التابعة للأمم المتحدة بالفعل مع نظامٍ قائم على التعلم الآلي للكشف عن الرأي العام وتحليله في العالم العربي. وبصرف النظر عن القضايا الأخلاقية، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحسِّن فهم ممارسي السلام للصراعات، وتتيح الوصول إلى السكان الأوسع الذين لا يستطيع الوسطاء الوصول إليها. ومع ذلك، سيركز النقاش على حقيقة أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطين قد لا يكونون ممثلين للسكان كافة، ما يشكك في صحة المخرجات القائمة على الذكاء الاصطناعي في العملية والآثار المشوهة التي قد تنجم عن استخدامها.

الدول الهجينة والوساطة الهجينة في الشرق الأوسط

يعيش الشرق الأوسط حالة من الاضطراب منذ عام 2011 نتيجة الانتفاضات التي عصفت بالهياكل السياسية القائمة في العالم العربي. ذلك أن سلسلة الأحداث التي تلَت ذلك أعمق بكثير من تغيير النخب السياسية أو استبدال الحكام ، بل هي أزمة منهجية هزّت أسس النظام الإقليمي وشرعية مؤسسات الدولة. الوضع في الشرق الأوسط يقدم مثالًا صارخًا بشكل خاص على الكيفية التي يمكن بها لهذه الأزمة أن تعجّل بتشظي السلطة، والانهيار المؤسسي، وسوء الإدارة، والفساد المستشري، وفشل الحكم. يمكن اعتبار سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن حالات اختبار لهذا النموذج من “القرون الوسطى الجديدة” للسلطات المجزأة والولاءات المتداخلة، حيث تكون الجهات الفاعلة من غير الدول، هي بالفعل صناع القرار الرئيسيين.

يتسم السياق الذي تنشط فيه الجهات الفاعلة من غير الدول حال تفكك العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة نتيجة للتغيرات الاجتماعية-الاقتصادية المعقدة. فقد قاد فشل الأنظمة الاقتصادية في عدد من الدول العربية في توفير فرص العمل والخدمات، بالإضافة إلى تضخم عدد السكان نتيجة نمو ديموغرافي لا يمكن السيطرة عليه، قاد إلى تغذية السخط والمطالبة بتغييّر الديناميات السياسية. والعامل الآخر الذي ساهم في الحد من قدرة الدولة على التصدي لتلك التحديات، هو حالة التكلس التي أصابت النظم السياسية القائمة في عددٍ من الدول التي يحكمها نظم استبدادية. لقد كان تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز حركات الاحتجاجات الأخيرة في المنطقة مفاجأة للنخب التقليدية في الدول المتضررة، التي تعاملت معها بالطريقة الوحيدة التي تعرفها، أي من خلال نظريات المؤامرة القديمة للتدخل الأجنبي، وعمليات زعزعة الاستقرار.

في هذا الوضع الجديد، تسعى الجهات الفاعلة من غير الدول لشغل المساحة التي تُركت شاغرة في المجالات السياسية والأمنية والاجتماعية، ما يخلق هياكل ومنظمات موازية. وحتى في النظم السياسية العربية التي نَجَت من صدمات عام 2011، فإن القوة المتنامية للجماعات القبلية والطائفية والملهمة أيديولوجيًا حدث بها تغيّر في طرائق عملها الداخلية. وفي الدول التي انهارت فيها الدولة، مثل ليبيا واليمن، سوف يُشكّل النفوذ المتنامي لأمراء الحرب القبليين والميليشيات ذات الدوافع الأيديولوجية الديناميات الإقليمية لفترةٍ طويلة قادمة.

الأزمة الليبية مستمرة- أرشيف

وهكذا، في ظل الحالة الدينامية وغير المستقرة في الشرق الأوسط اليوم، لم يعد النهج التقليدي في صنع السياسات والأمن الإقليمي يعمل بالطريقة التي كان يعمل بها من قبل. وقد جرى تهميش المنظمات والكيانات الحكومية الدولية، من جامعة الدول العربية إلى مجلس التعاون الخليجي. ومن ناحيةٍ أخرى، لا يمكن ببساطة تجاهل الجهات الفاعلة من غير الدول؛ باعتبارها حالات شاذة مؤقتة أو مفسدين خطيرين يعرقلون الحكم الفعّال. ذلك أن كثيرًا من هذه الجماعات أضحت تشعر بالقوة عبر احتلالها للفراغ الذي خلّفته مؤسسات الدولة المختلة. كما أن قدرتها على حشد الدعم بين الدوائر المحلية تمنحها نوعًا من الشرعية، وقدرتها على السيطرة على إقليم معين توفر لها طابعًا شبه دولة. ورغم وجود اختلافاتٍ مهمة بين المنظمات التي تكتسب سلطتها من التقاليد القبلية القديمة أو السلطة الدينية والجماعات الإرهابية أو الأجهزة الإجرامية، فإن الحدود بينها غالبًا ما تكون غير واضحة بسبب المشهد السياسي المتضارب والتحالفات المتغيّرة في الشرق الأوسط، ما يجعل من الصعب تطوير نهج “يناسب جميع” الحالات.

إن ما نشهده في بعض النماذج هو تحويل الدولة التقليدية إلى ما يعرف الآن بـ “الدولة الهجينة” التي لا تحتكر فيها الهياكل الأمنية الرسمية القوة. ورغم أن اتخاذ القرارات يوجّه من خلال مؤسسات الدولة، فإنه يُصنع في أماكن أخرى من قبل جهات فاعلة خارج النظام القانوني الرسمي. صحيح أن مؤسسات الدولة لا تزال قائمة، لكن “نظام التشغيل” قد عدّل لمراعاة مصالح الجهات الفاعلة المؤثرة التي تفضل البقاء في الظل. وعند محاولة فهم الجهات الفاعلة الهجينة في الدول الهجينة، مثل وحدات “الحشد الشعبي” في العراق، من غير المفيد التفكير من حيث الثنائيات الجامدة بين الدولة وغير الدولة، الرسمي وغير الرسمي، القانوني وغير القانوني. تزدهر الميليشيات المسلحة، والجماعات الإرهابية، والمنظمات الإجرامية، في المناطق الرمادية من اقتصاد الحرب، الذي ينجم عن مزيجٍ من العقوبات والصراع المسلح والاقتصادات التي تسيطر عليها الدولة، التي ابتليت بها منطقة الشرق الأوسط لسنوات.

 اقرأ أيضًا: “نهاية اللعبة” تلوح في الأفق مع التقدم الجدي في مفاوضات فيينا

لعل أفضل مثال على الأنشطة الاقتصادية غير القانونية التي تموّل مشروعات سياسية هو تنظيم داعش، تنظيم فعّال وقاسٍ، نهب وتاجر بجميع الموارد المتاحة له، من خلال استخدام الشبكات القائمة التي تتهرب من العقوبات، وخلق شراكاتٍ مربحة جديدة. في سوريا، مهّد الصراع الطريقَ أمام مجموعاتٍ ونخب جديدة للسيطرة على الأراضي وتوليد الإيرادات. وفي اليمن وليبيا، تمكّنتِ الجماعات المسلحة من الاستيلاء على موارد الدولة والبنية التحتية، ومن ثم طوّرت مصادر دخل مربحة. وفي العراق، لا تزال المنطقة الرمادية بين الجماعات المرتبطة اسميًا بالدولة، واقتصاد الظل الراسخ، تشكِّل التطورات السياسية.

عناصر تابعة لتنظيم داعش – أرشيف

التراث الثقافي وحلّ النزاعات: نهج وساطة جديد يعتمد على السياق

لقد أصبح التراث الثقافي جزءًا من ساحة المعركة المتسعة والحرب غير المقيّدة للصراعات في عصرنا هذا، حيث تسعى جهات فاعلة متعددة لإعادة تشكيل الروايات السياسية وخطوط الهوية في المجتمعات المتصدعة. لم تكن الأعمال الوحشية لداعش ضد الأقليات أو ضد التراث الثقافي عشوائية ولا غير منطقية، بل كانت استراتيجية محسوبة لتشكيل هوية سياسية جديدة. وإذا تجاهلنا ذلك أو تعاملنا معه على أنه حالة شاذة، ولم نوقف تلك الأعمال بشكل حاسم عبر مبادرات مصممة تصميمًا جيدًا، فإننا لن نفقد ذكريات ماضينا فحسب، بل سنفقد إلهام مستقبلنا أيضًا.

ومشروع “إحياء روح الموصل”، الذي تشترك في تنفيذه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والاتحاد الأوروبي، مثال جيد على الكيفية التي يمكن بها للتراث الثقافي أن يكون عنصرًا رئيسًا في بناء السلام والمصالحة المجتمعية. وفي إطار إعادة التحديد الشاملة لدور الأمم المتحدة وممارساتها في بناء السلام وحل النزاعات، أطلقت اليونسكو “مبادرة التراث الثقافي من أجل السلام” في شهر ديسمبر الماضي، بهدف صياغة جميع الاتفاقيات الدولية المختلفة بشأن هذه المسألة بطريقة أكثر قابلية للتنفيذ.

اقرأ أيضًا: صاروخ سوريا وانتقام إسرائيل ورسالة إيران

تشكّل التوترات حول القضايا الثقافية مؤشرًا جيدًا على الصراع الوشيك، وكثيرًا ما تصبح عاملًا محفزًا لانفجار الصراعات الكامنة. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، يحجبها أحيانًا حمام الدم اللاحق. فعلى سبيل المثال، كان الجزء الأكثر وحشية من عمليات القتل الطائفية العراقية ناجمًا عن تفجير ضريح في مدينة سامراء، وكان تدمير مسجد بابري في الهند أداة لإشعال العنف داخل الطائفة لا يزال مستمرًا حتى اليوم. وأصبح تدمير المواقع الدينية في ناجورنو- كاراباخ مصدرًا دائمًا للمظلومية سمح بإشعال الحرب من جديد. وفي هذا السياق، فإن الهجمات على المعابد اليهودية في الغرب، والديناميات التي تكمن وراء عودة معاداة السامية هذه، تنذر بالسوء إن لم يتم التصدي لها بشكلٍ صحيح.

لا شك أن منع نشوب الصراعات العنيفة أمر أساسي في التصدي للتحديات الأمنية التي تواجه أوروبا، في محيطها وخارجه، وفي الوقت نفسه يمكّن التقدم السياسي والاجتماعي والأمن البشري. فالدبلوماسية الوقائية تعمل على منع نشوب الصراع بين الأطراف، وتجنب تصعيد الصراع وانتشاره، بمجرد اندلاعه. ويمكن أن تكون إدارة العمليات والحوار عبر الوساطة سبيلًا رئيسًا إلى السلام من خلال معالجة الأزمات والصراعات الناشئة في مرحلة مبكرة، ولها ميزة التعامل مع التوترات قبل أن تصبح المواقف متصلّبة. لكن منع نشوب الصراعات هو أحد أصعب جوانب الوساطة؛ لأنه يتطلب درجة معينة من التبصر واستشراف المستقبل.

الصراع يضعف بالتأكيد البنية التحتية الثقافية للدول وقدرة الحكومات والمجتمعات والشعوب على التصدي للانهيار الثقافي. فهو يمزق السكان ويفصلهم عن البيئة التي يعيشون فيها، فضلًا عن تصدع المجتمع، ما يسبب عدم الاستقرار، والنزوح الداخلي، وتدهور الاقتصادات المحلية وسُبل العيش. يمكن أن تكون الخسارة المصاحبة للتراث الثقافي -الذي ينظر إليه هنا على أنه تجسيد للتنمية البشرية، ويتجلى في الأشياء الملموسة وغير الملموسة- خسارة دائمة، وما يترتب على ذلك من محو ثقافي يؤدي إلى تغييرات جوهرية في طابع الدول والمجتمعات.

اقرأ أيضًا: كيف يغير اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي خارطة التحالفات في المنطقة؟

ويتجلى ذلك في الشرق الأوسط عن أي مكان آخر، حيث يحدث تدمير التراث الثقافي و/أو تحويله نتيجة لتغير السياسة في المنطقة. إن النظم الجديدة لتنظيم الدولة والمجتمع، وصعود الجهات الفاعلة الجديدة من الدولة وشبه الدولة وغير الدولة تعيد تشكيل مستقبل المنطقة، ومع ظهورها تسعى إلى خلق روايات متمايزة لنفسها كشكل من أشكال الشرعية السياسية، سواء كان ذلك حول الهوية الثقافية أو العرقية أو الدينية، ولدعم هذه الأهداف السياسية، يتم استخدام التراث الثقافي كسلاح. وتنعكس صياغة الروايات الفردية وغير التعددية في سياسة الدولة وتدخلاتها في المجتمع، ما يؤدي إلى استلاب ثقافي غير مسبوق، وإهمال، وتحويل للمواقع الثقافية والثقافات غير الملموسة، بطرق من شأنها أن تشكّل مستقبل مجتمعاتنا.

اقرأ أيضًا:  الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

ومن شأن تطوير أجندة جديدة للاتحاد الأوروبي، تقوم على التقارب بين التراث وبناء السلام، ومنع نشوب الصراعات، والوساطة والحوار، أن تعزِّز الدعم الدولي للمساعدة في إعادة بناء المجتمعات. التراث الثقافي يبشّر بفرصة جديدة لإنعاش جهود السلام. وينبغي أن تحاول نُهج التراث الموجّه نحو السلام تعزيز الهياكل الأساسية للتراث الثقافي المتدهورة على أساس التنوع والكرامة الإنسانية.

ومن شأن ترسيخ الدعم الدولي للأولويات الأساسية للتراث أن يدعم الهياكل والأشخاص والمؤسسات القائمة، ويجلب فوائد ملموسة. وينبغي أن يتضمن نهج التراث الثقافي لبناء السلام مواضيع ومشاريع وأدواتٍ متباينة في نطاق إطار عمل إرشادي يسترشد به الاتحاد الأوروبي في حل النزاعات، كما هو مذكور في “الاستراتيجية الجديدة للتراث الثقافي في حالات الأزمات والنزاعات”.

الطائفية تُعيد اليمن إلى الحرب الأهلية- أرشيف

لقد ظهر الحوار بين الثقافات والأديان ردًا على الأحداث المأساوية التي وقعت في 11 سبتمبر 2001، عندما بشّرت هجمات الإرهابيين الإسلاميين بظهور صراع ثقافي كبديل للانقسام الإيديولوجي في الحرب الباردة. لقد ترسخت نظرية “صراع الحضارات”، وهو صراع لا نهاية له بين الحضارات غير المتوافقة، في بعض الأوساط، وكانت بالنسبة للبعض الأسس الحقيقية للحرب على الإرهاب. بيد أن هذا النهج لم يكن الوحيد. فلقد أطلقت مبادرات مختلفة في السنوات العشرين منذ 11 سبتمبر في محاولة لسد الفجوة الثقافية.

اقرأ أيضًا:  أنماط العلاقات العربية- الإسرائيلية ومستقبل السلام في ظل اتفاقات أبراهام

وتأسس “تحالف الحضارات” في عام 2005 كعنصر رئيس في أجندة جهود الأمم المتحدة للسلام والأمن. وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الجديدة لتحالف الحضارات 2019/2023 تركز على منع نشوب الصراعات والوساطة، ومكافحة التطرف والإرهاب، ولكنها لا تزال غير منفّذة بفعالية؛ وقد ازداد هذا سوءًا بسبب الجائحة، على الرغم من أنها كانت تفتقر للموارد الكافية والدعم السياسي قبل ذلك.

النهج المبتكر الجديد لإسبانيا في الوساطة

يتمتع الاتحاد الأوروبي بميزةٍ نسبية في مجال الاستراتيجيات الجديدة لتسوية النزاعات، ليس فقط بفضل موارده الوفيرة، والمجموعة المتنامية من أدوات الوساطة، ولكن في الغالب بفضل مصداقيته كوسيطٍ نزيه بدون أجندة خفية. وتلعب إسبانيا، بوصفها إحدى الدول التي جعلت من الحل السلمي للصراعات جوهر سياستها الخارجية، دورًا مهمًا في النهج المتكامل الذي يتسم به دور الاتحاد الأوروبي؛ بوصفه ركيزة وساطة في النظام المتعدد الأطراف الجديد.

اقرأ أيضًا: حرب قانونية إسلاموية ضد الاتحاد الأوروبي

وتعتبر المذكرة المفاهيمية الجديدة للاتحاد الأوروبي بشأن الوساطة، التي اعتمدها مجلس الشؤون الخارجية في 7 ديسمبر 2020، إطارًا مفاهيميًا رائدًا لمستقبل مبادرات الاتحاد الأوروبي لحل النزاعات. وبفضل اعتماد محاور جديدة مثل بناء السلام البيئي، والتصدي لتحديات تكنولوجيا المعلومات والمنصات الرقمية، ودعم الأجندة الدولية للمرأة والسلام والأمن، وإدماج التراث الثقافي كمداخل فعّالة في دورة الصراع، وصلت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية الآن إلى مرحلة متقدمة في إعداد دليل وساطة أكثر شمولية.

وبعد الانتقال إلى الديمقراطية في عام 1976، بنت إسبانيا سياستها الخارجية على مبادئ الحل السلمي للصراعات، وتعزيز القيم الديمقراطية، والحوار السياسي. وباستخدام قدرتها على التواصل عبر الانقسامات الثقافية والجغرافية، تخلت الدبلوماسية الإسبانية عن عقودٍ من العزلة والدفاع لتصبح فاعلًا مؤثرًا في عمليات السلام في أمريكا الوسطى، وتدعم المفاوضات العربية-الإسرائيلية، وتعزز مساحة للتعاون في البحر الأبيض المتوسط. ويمكن رؤية ذلك في مؤتمر مدريد في عام 1991 الذي بدأ عملية السلام في الشرق الأوسط، وإطلاق المشروع الأيبيري-الأمريكي في عام 1992، ومؤتمر القمة الأورومتوسطي لبرشلونة في عام 1995 الذي خلق مجالًا للتعاون الإقليمي، وتوقيع اتفاق السلام في جواتيمالا في عام 1996 الذي كان إيذانًا ببداية نهاية واحدة من أشد الحروب قسوة ودموية في أمريكا الوسطى. وفي عام 2004، أصبح “مركز توليدو الدولي للسلام” إحدى المنظمات الدولية الرائدة في مجال الوساطة والدبلوماسية الخاصة. وفي العام نفسه، بدأ تحالف الحضارات، الذي روّجت له إسبانيا وتركيا، خطواته الأولى كجزء من مبادرةٍ جديدة للأمم المتحدة لتجسير الفجوة الثقافية المتنامية.

اقرأ أيضًا: بين صموئيل وصوفي.. فرنسا تقف حائرة أمام التعامل مع الانفصالية الإسلامية

تتمتع إسبانيا بتاريخٍ طويل في تشجيع الحوار بين الثقافات والأديان. فلقد أصبحت “مؤسسة الثقافات الثلاث” (Three Cultures Foundation)، التي أنشأها المغرب وإسبانيا في عام 1998 بمشاركة “مركز بيريز للسلام” في إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، نقطة تجمع لأولئك الذين يؤيدون إحياء روح التسامح والتلاقح الثقافي بين الحضارات اليهودية والمسيحية والإسلامية التي أنتجت واحدة من ألمع الظواهر الثقافية في التاريخ الحديث. وكانت مؤسسة “باريمبوين سعيد” مشروعًا بارزًا آخر أيّدته الحكومة الإقليمية الأندلسية، ووزارة الخارجية الإسبانية في عام 2004، استنادًا إلى فكرة دانيال باريمبوين وإدوارد سعيد لاستخدام الموسيقى كجسرٍ بين العرب والإسرائيليين لبناء شراكة جديدة تسد الفجوات في العملية السياسية، وتعزز التفاهم والتعاون. وهناك أيضًا “مركز الملك عبد الله للحوار بين الأديان والثقافات”، الذي أنشئ في عام 2012، مبادرة من السعودية والنمسا وإسبانيا، لتشجيع الحوار وتعزيز السلام القائم على الحوار والتفاهم بين الأديان.

اقرأ أيضًا: كتالونيا ليست وحدها.. هذه 5 نزعات إنفصالية في أوروبا

يجب أن يكون منع نشوب الصراعات وحل الصراعات في العقد المقبل أكثر شمولية ومراعاة للحساسيات الثقافية. إن دمج الدروس المستفادة والتصدي للتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية لم يعد خيارًا، بل هو ضرورة. ومن المتطلبات الحيوية في هذا الصدد إدماج المرأة إدماجًا كاملًا في عملية تسوية الصراعات وبناء السلام. وقد أدرج هذا العنصر بالكامل في الإطار المفاهيمي الذي وضعته وزارة الخارجية الإسبانية، من “دليل السياسة الخارجية المعنية بالقضايا النسوية” إلى استراتيجيات الدبلوماسية المتعددة الأطراف والإنسانية. وتتضمن المقترحات التي تقدمها إسبانيا في الوساطة وحل النزاعات عناصر نسوية؛ باعتبارها قضية تمس مجالات عدة، فضلًا عن كونها هدفًا محددًا.

أثبتت تقنيات “الذكاء الاصطناعي” قدرتها على الاضطلاع بالكثير من المهام العملية

ومن شأن تطوير أجندة جديدة للاتحاد الأوروبي تقوم على التقارب بين التراث وبناء السلام، ومنع نشوب الصراعات، والوساطة والحوار أن تعزز الدعم الدولي للمساعدة في إعادة بناء المجتمعات. وينبغي لنهج التراث الثقافي في بناء السلام أن يجمع مواضيع ومشاريع وأدوات متباينة في إطار إرشادي لإثراء مشاركة الاتحاد الأوروبي في حل النزاعات. وفي هذه المرحلة، تنخرط إسبانيا بنشاط في العملية التي تقودها الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية، وتدعم الأجندة العمل المتعدد الأطراف في مجال منع نشوب الصراعات وحلها. ويمكن لإسبانيا، في ظلِّ ما تتمتع به من قدرةٍ فريدة على ربط النظم الثقافية المختلفة بفضل خلفيتها التاريخية متعددة الطبقات، أن تلعب دورًا رئيسًا في مبادرات الوساطة. وتُعد “شبكة طليطلة” رمزًا لذلك التاريخ الغني والمعقد الذي يعتبر حتى يومنا هذا مرجعًا لتلاقح الثقافات والتعايش بين اليهود والمسيحيين والمسلمين. لقد كانت “مدرسة طليطلة للمترجمين” بمثابة البذرة التي نمت منها النهضة الأوروبية، والآن يعيد مشروع شبكة طليطلة هذه الروح إلى الحياة مع “مركز التدريب الدولي للتراث الثقافي لحل النزاعات”.

إن الاحتفال بمؤتمرٍ دولي حول التراث الثقافي في طليطلة في أكتوبر 2021، كمتابعةٍ للخطوات الأخيرة التي اتخذتها الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية واليونسكو، سيكون فرصة لمناقشة الطرق التي يمكن من خلالها فهم دور التراث الثقافي بشكل أفضل في منع نشوب الصراعات وحلها، والتحديات والفرص التي يمثلها لبناء الثقة بين أطراف الصراع. وبناء على تجربة الاتحاد الأوروبي في العراق كدراسة حالة، يحلل تقرير أعدته الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية في العام الماضي المكونات الرئيسة لنهج استراتيجي محتمل للاتحاد الأوروبي لحماية التراث الثقافي وتعزيزه كأداة لمنع الصراعات وبناء السلام والحوار والوساطة، في الشرق الأوسط وخارجه.

اقرأ أيضًا: أسئلة على هامش هجوم “شارلي إيبدو” الثاني

وختامًا، اعتمد مجلس الشؤون الخارجية مذكرة مفاهيمية جديدة للاتحاد الأوروبي تتضمن التراث الثقافي كأداة تنفيذية في حلِّ النزاعات، سواء كمسألة متعددة القطاعات أو كأداة محددة ضمن مجموعة أدوات الوساطة، تليها “استراتيجية للاتحاد الأوروبي بشأن التراث الثقافي وحل النزاعات”. ويتطلب هذا النهج الجديد وضع إطار منهجي، وإقامة شراكات بين خبراء التراث وممارسي الوساطة، وتنقيح الأدوات اللازمة للعمل على أرض الواقع وتطوير مبادرات محددة لدعم العملية على المدى الطويل. وهذا هو أساس “منصة طليطلة للتراث الثقافي وحل النزاعات”، اقتراح مبتكر سيطلق في طليطلة، كمركز دولي يمكن أن يسهم في تعزيز الوعي الجديد الذي يتطلبه منع نشوب الصراعات وحلها.

 

دبلوماسي إسباني؛ سفير سابق للاتحاد الأوروبي في العراق، وسفير فوق العادة حاليًا للوساطة والحوار بين الثقافات. الآراء الواردة في هذه الدراسة هي آراء خاصة به ولا تمثل الموقف الرسمي لوزارة الخارجية الإسبانية. استعان هذا المقال بأبحاث وأفكار طورها الدكتور كلاوديو فيجو و الدكتور دوجلاس أوليفانت في مواضيع الذكاء الاصطناعي، ودور الجهات الفاعلة من غير الدول في السياق الحالي للشرق الأوسط.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة