الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الوجود الفرنسي في النيجر يتضاءل.. والفراغ ينذر بالأسوأ

يبدو أن فرنسا الآن بصدد خسارة محتملة لآخر معاقلها في منطقة الساحل بعد انسحابها من مالي وفقدانها ظهيرها في بوركينا فاسو

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بينما تتصاعد العمليات الإرهابية في جمهورية النيجر؛ إذ نفذ جهاديون، السبت 22 أكتوبر، هجوماً على ثلاث شاحنات بالقرب من منطقة تيلابيري المتاخمة لمالي، أسفر عن مقتل 11 مدنياً على الأقل، وَفق صحف محلية ومصادر متطابقة، تتوالى المظاهرات المنددة بالوجود العسكري الفرنسي ممثلاً في برخان وتاكوبا، والمسيرات المؤيدة لروسيا.

 يبدو أن فرنسا الآن بصدد خسارة محتملة لآخر معاقلها في منطقة الساحل بعد انسحابها من مالي وفقدانها ظهيرها في بوركينا فاسو عقب الانقلاب العسكري الأخير، حتى غدا شعار “تسقط فرنسا” و”تعيش روسيا وبوتين”، سائداً ليس في النيجر فحسب بل في دول الساحل ووسط إفريقيا كافة.

 اقرأ أيضاً: أعلام روسية في بوركينا فاسو.. واشنطن تحذر واغادوغو من جلب (فاغنر)

 وتناهض أحزاب سياسية وتجمعات مدنية عديدة في النيجر، على رأسها  حركة “إم 62″؛ وهي تجمع منظمات مجتمع مدني يرأسها السياسي الكاريزمي، عبدالله سيدو، الوجودَ العسكري الفرنسي؛ حيث تمكنت الحركة خلال الشهر الماضي من تنظيم مظاهرتَين في العاصمة نيامي ومدينة دوسو (جنوب غرب) تحت شعار “حماية سيادة وكرامة الشعب”، ودعا رئيسها، الذي يبدو مؤيداً لموقف المجلس العسكري الحاكم في مالي وتوجهات رئيس الانقلاب في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، في أكثر من مناسبة، إلى رحيل قوة برخان، متهماً إياها بزعزعة استقرار الساحل.

سانكارا واليورانيوم

متحدثة باسم حركة (M30 Naaba Wobgo) البوركينية المناهضة للوجود الفرنسي- وكالات

في مايو الماضي، حاولت حكومة النيجر الحصول على عضوية الناتو؛ بسبب شعورها بالتهديد من روسيا، الأمر الذي تسبب في إثارة الكثير من الجدل بين مؤيد لهذا التوجه؛ يجادل بأن الحلف يهدف إلى تمكين دول شمال الأطلسي، التي تضم فرنسا، من الدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا، وأن النيجر عندما تم إنشاء الناتو 1949، كانت مستعمرة فرنسية، لذلك فهي عضو بحكم الواقع في هذا الحلف، وآخر مناوئ له يدفع بالسؤال: كيف لبلد إفريقي على بعد آلاف الكيلومترات من روسيا، ويطلب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي؟

تتسارع الأحداث في النيجر وكأنها على وشك التسرب من بين أصابع الرئيس محمد بازوم وحكومته الهشة، فكلما مرّ الوقت رسَّخت حركة “إم 62” رؤيتها بين الجمهور، ووجدت مطالباتها برحيل برخان وقعاً في نفوس الشعب؛ خصوصاً أن القوة الفرنسية لم تَحُل حتى الآن دون تمدد العمليات الجهادية.

اقرأ أيضاً: بوركينا فاسو.. انقلاب جديد يقوض جهود مكافحة الإرهاب

ويبدو أن وصف عبدالله سيدو وجود برخان في بلده بغير القانوني وأنه ينتقص سيادة البلد ويزعزع استقراره، وما كان سيحدث لولا تواطؤ وخضوع حكومة محمد بازوم، لإملاءات باريس، يجد صدًى كبيراً في الشارع النيجيري.

وتأخذ الحركة سطوتها وقوتها أيضاً من تبنيها أفكار الرئيس البوركيني الثوري الأسبق توماس سانكارا؛ إذ دائماً ما يظهر سيدو وأنصاره في قمصان عليها صورته ويخطبون في الشعب متهمين فرنسا نفسها بدعم الجهاديين ونشر الإرهاب في المنطقة من أجل استغلال البلبلة والقلاقل ونهب ثرواتها الكامنة؛ إذ تعد من أغنى دول إفريقيا وأفقر شعوبها، حيث تمتلك احتياطيات ضخمة من اليورانيوم في جبال آير ، والفوسفات والذهب في ليبتاكو، والفحم في أنو- أرارين، والقصدير في المكي. وتتولى شركة “آريفا” الفرنسية تشغيل منجم اليورانيوم العملاق في إيمورارين؛ ثاني أكبر منجم في العالم. ويعيش 1500 فرنسي في النيجر، يعمل جلهم في شركة “آريفا”.

لافتة في إحدى المظاهرات تطالب بخروج برخان- وكالات

عصر يتلاشى

بالنسبة إلى آمال صالح، الصحفية المتخصصة في الشؤون الإفريقية، فإن عصر فرنسا الإفريقي على وشك الانهيار؛ فالعداء ضد باريس لن يتوقف ومناوءتها لإخراجها ستصل مرحلة استخدام الأيدي العارية؛ فقد تم أواخر 2021 صد قافلة عسكرية تابعة لبرخان رشقاً بالحجارة في بوركينا فاسو، وتكرر الأمر في النيجر نفسها، بينما ترسَّخت الاتهامات التي أطلقها المجلس العسكري في مالي بأن باريس هي من أنشأت وتدعم الجماعات الجهادية.  

آمال صالح

وتشدد صالح في إفادتها لـ”كيوبوست”، على أن خروج فرنسا من منطقة الساحل أصبح حتمياً، بغض النظر عما سيؤول إليه ملف الإرهاب الذي لم تتقدم فيه فرنسا كثيراً، لذلك فإن نشوء وانتشار الحركات الجماهيرية المناوئة لها لا ينبغي أن يُفسر خارج هذا السياق بالترافق مع البعد التاريخي باعتبار فرنسا دولة استعمارية أيضاً.

وتردف صالح: ليس غريباً إذن أن تبدو حركة (إم 62)، متأثرة بنظيرتها البوركينية (M30 Naaba Wobgo) التي تعتبر فرنسا “عراب الإرهاب” في منطقة الساحل.

اقرأ أيضاً: حروب الرعاة والمزارعين في إفريقيا.. خدمة مجانية للإرهابيين

إن تنامي الشعور المناهض للفرنسيين في منطقة الساحل ليس صنيعة موسكو كما يصور البعض، وإنما تستغله روسيا من أجل المناورة لترسيخ قدمَيها في هذه المنطقة المهمة والغنية، كما أن فرنسا لم تنسحب تماماً من الساحل كما يزعم البعض، بينما تتوفر على نحو 3 آلاف عنصر، جلهم في النيجر التي تمتلك أحد أكبر احتياطيات اليورانيوم في العالم، بجانب النفط والفوسفات والغاز.

مسار تنموي غائب

آليات عسكرية فرنسية في قاعدة نيامي الجوية- وكالات

ورغم تصويت كل نواب البرلمان النيجيري، أبريل الماضي، لصالح مشروع قانون يسمح بنشر قوات أجنبية للمساعدة على درء خطر الجهاديين؛ فإن الهبات الشعبية المناوئة للوجود الفرنسي لم تتوقف، بل وصل الأمر -كما حدث في مالي وبوركينا فاسو وتشاد- حد أن رفع بعضهم الأعلام الروسية بجانب شعارات معادية للجيش الفرنسي الذي وصفوه تارةً بالمجرم وأخرى بالاستعماري.

مسار تنموي

إلا أن الباحث السياسي والصحفي محمد عبدالباقي فضل السيد، يرى أنه على الجماعات السياسية والمدنية المعارضة للوجود الفرنسي في النيجر  أن تتمهل قليلاً ريثما ترى ماذا برخان فاعلة إزاء الهجمات المنتظمة التي تشنها الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة والدولة الإسلامية في المنطقة، وإن كانت النيجر لم تسلم منها في وجود الكثير من القواعد العسكرية الأجنبية؛ الفرنسية والأمريكية على وجه الخصوص، المكرسة لمحاربة الجهاديين.

محمد فضل السيد

ويرى فضل السيد أنه رغم فشل باريس الذريع في مالي؛ فإن وجودها في النيجر كافٍ لإخافة بعض الجماعات الإرهابية وردعها، لكن حال انسحابها ستتمكن الجماعات الإرهابية من السيطرة على النيجر التي لا تمتلك جيشاً مهنياً محترفاً، كما تعيش وضعاً اقتصادياً شبه منهار، وبالتالي عليها أن تعقد صفقة مع فرنسا لتأهيل وتدريب وتسليح الجيش، وإعادة تأهيله أولاً، ومن ثم تنظر في موضوع انسحابه.

يضيف فضل السيد: ربما لن تتمكن حكومة بازوم من صد التيارات الجارفة المناوئة للوجود الفرنسي في الساحل، لذلك عليها أن تخاطب الرأي العام وتقنعه بوجهة نظرها، أما أسلوبها الراهن في العمل من خلال البرلمان عبر تمرير قوانين تُشرعن الوجود العسكري الفرنسي؛ فلن يجدي مع تصاعد الغضب على باريس في الجوار.

من جهة أخرى، يستطرد فضل السيد، لا بد لباريس أن تطلق مساراً تنموياً بجانب المسار العسكري وتعزيز الأمن، وتضعه في خدمة السكان المحليين الفقراء؛ حتى تتم تهدئة شوارع النيجر التي تعج بالعداء لما يسمونه هناك بالاستعمار الجديد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة