الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الوجود التركي في غرب إفريقيا بين ضربات القراصنة والرفض الشعبي

يعزي مراقبون الاستهداف المتكرر للاستثمارات التركية في بلدان الساحل والصحراء إلى تدخلات أنقرة في عمق الشؤون الداخلية للدول الإفريقية.. ما خلق حالة من التذمر والعداء الشعبي الرافض لوجودها

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بينما كانت تُبحر من ميناء لاغوس النيجيري إلى وجهتها؛ مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا؛ رافعة علم جمهورية ليبيريا، تعرضت سفينة الشحن (موتسارت- منروفيا) التابعة لشركة (بودن) التركية، صباح الأحد 24 يناير الجاري، إلى قرصنة مسلحة على بُعد 100 ميل بحري (185) كيلومتراً شمال غرب جزيرة ساوتومي وبرنسيب؛ قُبالة خليج غينيا، على ساحل المحيط الأطلنطي في غرب إفريقيا.

اقرأ أيضاً: التغلغل التركي الناعم في إفريقيا بين الاقتصاد والمسلسلات المدبلجة

ولقي المهندس الأذري فرمان إسماعيلوف، أحد أفراد الطاقم البالغ عدده 19 شخصاً، حتفه، على يد القراصنة، بينما أخذوا 15 آخرين رهائن. وأشارت صحيفة “واشنطن بوست“، إلى أن الحكومة التركية تبذل جهوداً حثيثة عبر استنفار طواقم سفارتها في دول غرب إفريقيا، فضلاً عن إجرائها اتصالات مُكثفة مع الدول والجهات المعنية؛ من أجل الإفراج عن الرهائن. بينما أكدت وسائل إعلام رسمية تركية أن القراصنة أجروا، الخميس، أول اتصال مع شركة الشحن لطلب فدية.

ست ساعات من المقاومة

خريطة توضح نطاق القرصنة المسلحة على السفن حول العالم- المكتب البحري الدولي

أقرأ أيضاً: الوجود التركي في الصومال.. مصالح متبادلة أم زواج كاثوليكي؟

خليج القراصنة

يُعتبر خليج غينيا، قُبالة سواحل نيجيريا وغينيا وتوغو وبنين والكاميرون، أخطر البحار في العالم؛ إذ يعج بأنشطة القراصنة. ووفقاً للمكتب البحري الدولي وموقع مرصد السفن (SHIPPINGWATCH)، فإن الخليج شهد خلال العام الماضي عمليات اختطاف مماثلة طالت نحو 128 بحاراً. وقال المرصد، بناءً على معلومات وردت ضمن تقرير القرصنة السنوي، إن حوادث القرصنة والسطو المسلح في خليج غينيا ارتفعت في الـ(9) أشهر الأخيرة من عام 2020 بنسبة 40% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019. وأضاف التقرير أنه عدا تلك الحوادث العديدة التي لم يُبلغ عنها؛ فإن العام الماضي شهد نحو 132 حادثة قرصنة حول العالم، بزيادة عن سابقه بلغت 119 حادثة. ومن بين 85 بحاراً احتُجِزوا جراء هذه الحوادث حول العالم، تم اختطاف 80 من خليج غينيا خلال 14 عملية نظمها القراصنة على سواحل نيجيريا وبنين والجابون وغينيا الاستوائية وغانا بغرب إفريقيا.

خريطة توضح موقع قرصنة “موتسارت” في خليج غينيا- “المرصد البحري”

ومع بروز تركيا كقوة مؤثرة في السياق الإفريقي، أصبحت مصالحها رهن التهديد؛ ولم تكن حادثة السفينة (موتسارت منروفيا) الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة؛ ففي يوليو 2019، اختُطِف 10 بحارة أتراك قبالة سواحل نيجيريا، وأُطلق سراحهم بعد أقل من شهر من تاريخ احتجازهم.

اقرأ أيضاً: تركيا أردوغان.. والإخوان المسلمون في إفريقيا

النفوذ التركي

ويقول مراقبون للأوضاع في دول غرب إفريقيا، إن النفوذ التركي في المنطقة أخذ في النمو منذ أن أطلقت “حركة الخدمة” التابعة لرجل الدين التركي المقيم بالولايات المتحدة فتح الله غولن، خدماتها التعليمية عام 2006 في بعض دول غرب إفريقيا، إلا أن تأثير تلك المدارس بدأ يخبو بعد اتهام أردوغان مالكها بتدبير انقلاب عسكري ضده عام 2016. بينما توسعت أنقرة في أنشطتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في غرب إفريقيا والساحل، عبر شركات عديدة؛ مثل (كارباورشب) التابعة لمجموعة (كاردينيز للطاقة) التي حصلت على أول عقد لها من حكومة غانا عام 2014، ومن ثمَّ توسعت الأذرع التركية في أنشتطها بوتيرة متسارعة في مختلف المجالات، فأصبحت أنقرة خلال أعوام قليلة شريكاً تجارياً كبيراً لعدد من دول المنطقة؛ مثل السنغال، حيث تقوم الوكالة التركية للتنمية (تيكا) وشركات أخرى بتنفيذ بعض مشروعات البنية التحتية الكبرى؛ مثل مركز عبده ضيوف الدولي للمؤتمرات، وقصر داكار الرياضي، وفندق راديسون. كما تتولى تشغيل مطار بليز ديان الدولي لـ25 عاماً، فضلاً عن استحواذ شركات تركية أخرى على نحو 29 مشروعاً بقيمة تزيد على 700 مليون يورو عام 2018.

الرئيس التركي السابق عبدالله غُلْ يشهد افتتاح إحدى مدارس الخدمة في كينيا- شرق إفريقيا

أما في الكاميرون، فبعد أن أكملت شركة (يني قون) التركية للمقاولات والإنشاءات، بناء مجمع (جابوما) الرياضي الحديث في العاصمة دوالا، بتمويل من (بنك إكسي) التركي، بقيمة 116 مليار فرنك إفريقي، حصلت على عدة عقود حكومية وخاصة لإنشاء مشروعات أخرى للبنية التحتية. وقعت أنقرة أيضاً مع مالي، كما وقعت مجموعة (كاليون) التركية، مذكرة تفاهم مع حكومة مالي بشأن إنشاء شبكة (مترو بص) في العاصمة باماكو. وفضلاً عن نحو 250 مليون دولار خصصتها حكومة أردوغان لتنفيذ مشروعات للبنية التحتية في النيجر، تمكَّنت مجموعة شركات تركية من الفوز بعقود ضخمة لإنشاء مطار جديد في العاصمة النيجيرية نيامي، بتكلفة 154 مليون يورو. ولم يكن الحضور التركي حصرياً على هذه الدول؛ بل تجاوزها إلى نيجيريا التي تمتلك أكبر اقتصاد إفريقي، إذ حصلت أنقرة في أغسطس 2019 على عقود مقدرة من مؤسسة البترول الوطنية النيجيرية (NNPC) لتطوير البنية التحتية لمشروعات النفط هناك.

اقرأ أيضاً: تميم وأردوغان في إفريقيا: فك العزلة عبر سياسةالشيكات

رفض شعبي

ليس ذلك فحسب؛ بل وسَّعت تركيا علاقاتها مع معظم دول غرب إفريقيا والساحل، ولم تستثنِ دولاً شديدة الهشاشة؛ مثل تشاد ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا التي تعاني بجانب الفقر والمجاعات والصدامات العرقية، انتشارَ ظاهرة الإرهاب بتمدد الجماعات الإرهابية؛ خصوصاً حركة بوكو حرام التي وسَّعت رقعة أنشطتها، فاستغلت حكومة أردوغان هذه المشكلات كبوابة لتعزيز وجودها في هذه الدول. وخلال السنوات الأربع الماضية، كثَّف المسؤولون الأتراك زياراتهم إلى المنطقة، ليختتمها الرئيس التركي في يناير 2020 بزيارة إلى كل من غامبيا والسنغال.

إلا أن انخراط أنقرة في استراتيجية طويلة الأمد لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في دول ساحل غرب إفريقيا، واتساع نطاق نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في القارة، أدى إلى مضاعفة الغُبن الشعبي الرافض لوجودها؛ باعتبار أن علاقتها بالحكومات الاستبدادية أو الفاسدة التي تتولى إدارة هذه الدول لا تحقق مصالح الشعوب الفقيرة؛ بل تهدر مواردها وتُبدد مقدراتها، فلا أحد يعرف طبيعة العقود والشراكات والاستثمارات التركية في المنطقة؛ عدا حلقة ضيقة من المسؤولين في تلك الدول.

الجنرال عدنان تانريفيردي مستشار أردوغان مالك منظمة صادات

كما أن إعلان تركيا أنها بصدد المساهمة بخمسة ملايين دولار لتمويل قوة الساحل “G5″؛ بهدف مكافحة الإرهاب في المنطقة، أرسل إشارات سلبية بأنها تنوي التأثير على القرار السياسي لحكومات دول منطقة الساحل والصحراء؛ خصوصاً أن أنقرة تواجه العديد من الاتهامات برعاية تنظيمات إرهابية تنشط في المنطقة، من أجل تعزيز وجودها والسعي للسيطرة على الموارد الطبيعية والثروة. وقد صرَّح الجنرال عدنان تانريفيردي، القائد السابق للقوات الخاصة ومستشار الرئيس التركي، بأنه يجب على تركيا دعم المنظمات الإرهابية ضد ما سماه إرهاب الدولة في بعض الدول الإفريقية، وسمَّى منها: إفريقيا الوسطى ومالي ونيجيريا. كما كشفت تقارير استخبارية عن إرسال أنقرة نحو 900 عنصر بغرض الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية (IS) المتمركز في شمال غرب مالي تحت قيادة عبدالحكيم الصحراوي، وأن السفارة التركية في العاصمة النيجيرية أبوجا، تتجسس على بعض مؤسسات الدولة، بجانب مشاركة تركيا عام 2017 في إرسال بعض شحنات الأسلحة من أراضيها إلى موانئ نيجيريا تم شحنها عبر شبكة تهريب بين ميناءي لاغوس وإسطنبول، قيل إن وجهتها المنظمات الإرهابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى.

اقرأ أيضاً: لماذا تُهدِّد أنقرة والدوحة دول القرن الإفريقي؟

إلى ذلك، يعزي مراقبون الاستهداف المتكرر للاستثمارات التركية في بلدان الساحل والصحراء إلى تدخلات أنقرة في عمق الشؤون الداخلية للدول الإفريقية؛ ما خلق حالة من التذمر والعداء الشعبي المناوئ لوجودها، ووضع مصالحها ومشروعاتها التجارية والاستثمارية كأهداف مشروعة لهؤلاء، متى ما وجدوا فرصة سانحة وجهوا إليها ضربات موجعة، ويفسر كثير من المراقبين حادثة القرصنة الأخير بحق سفينة الشحن التركية (موتسارت- منروفيا) في هذا السياق.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة