الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الوجه الثالث للسلطة: التلاعب الأيديولوجي وتطيبقاته في تركيا

ماذا تعني عملية التلاعب الأيديولوجي؟

ترجمة كيو بوست –

“التلاعب هو الاستخدام الخفي والخبيث للسلطة من قبل الحكام على المحكومين، وشكل من أشكال التحكّم في العقول أيدلوجيًا وفكريًا”، هذا ما ذكره أستاذ العدل الجنائي في جامعة نيويورك الأمريكية، د. زاكير جول، محاضر مساقات الإرهاب والأمن وعلم الجريمة.

وقد كتب د. جول مقالته في مجلة “فورن دبلوماسي” الأوروبية، وضرب فيها تركيا كمثال “ناجح” في استخدام الوجه الثالث للسلطة.

هنالك ثلاثة وجوه للسلطة في الأدبيات، وسنركز هنا على الوجه الثالث – التلاعب الأيديولوجي. غالبًا ما يحدث التلاعب دون وعي أو اعتراض من قِبل المتلاعب بهم. على سبيل المثال، يستخدم الحاكم السلطة على المواطن لجعله يفعل ما لا يريد أن يفعله، بطريقة ذكية، إذ يحدد ويشكّل احتياجاته دون إدراك وتمييز هذا التلاعب.

إن الحاكم الذي يرتدي هذا الوجه من السلطة ينظر إلى التلاعب كأداة فعالة للتعامل مع الصراعات الداخلية في عقول المواطنين، ليمزج أيديولوجيتهم بأيديولوجيته الخاصة أو بطريقة تفكيره هو. وفي هذه الحالة، تكون قوة التلاعب خفية جدًا بحيث لا يمكن للجماهير إدراك ما يحصل، فيتبعون الحاكم بشكل أعمى، مقتنعين بأن الفعل الذي قيل لهم كان من أجل مصلحتهم، في حين أن الواقع ليس كذلك.

من الواضح أن الوجه الثالث للسلطة يتجلى بشكل واسع في تركيا، حيث يصدق الناس كل شيء، ويبدون الطاعة دون تساؤلٍ حول ما يقال لهم، أو حول القرارات المتخذة، حتى لو تعلق الأمر بمراسيم رئاسية مثل إعلان حالة الطوارئ التي تؤثر على حرياتهم وتضر بهم على المدى الطويل. وبفضل تقنية التلاعب، أصبح الناس في تركيا مقتنعين بأن الحكومة تفعل ما هو صواب، وما هو في مصلحة الشعب والبلاد. وبمرور الوقت، أصبحوا مخدرين وفاقدي الحس لأوجه عدم المساواة والظلم. ومن المفارقات، عندما يبدي الناس ردود فعلهم، فإن ردودهم تصبح ضد مصالحهم، الأمر الذي يعني نجاعة الوجه الثالث للسلطة في بلدان مثل تركيا.

إن الأمثلة على التراجيديات الكوميدية الناتجة عن تطبيق الوجه الثالث للسلطة في تركيا وافرة جدًا، وفيما يلي بعضها لتوضيح هذه النقطة.

قيل للناس أن كل من يرتدي قميصًا مزركشًا بكلمة “بطل” هو سيء، وإرهابي بنظر الحكومة. ومنذ إصدار هذا المرسوم، جرى اعتقال وحبس العديد من الأشخاص بسبب ارتدائهم قمصانًا “تتحدى” أمر الحكومة. يوضح هذا المثال الحقيقي أن حرية اختيار اللباس قد اغتيلت من الناس، دون أن يدركوا حجم الخسارة التي لحقت بهم. وهذه هي الحقيقة، فلا يزال موظفو إنفاذ القانون والعدالة الاجتماعية في تركيا يتصارعون مع كل من يلبس زيّ يحمل كلمة “بطل”.

شارك الناس في مسيرات ومظاهرات “مؤيدة للديمقراطية” من أجل إنفاذ الديمقراطية والدفاع عنها. وقد حصل آخر تجمع في الذكرى الأولى للانقلاب العسكري الفاشل. ولكن، هل من الديمقراطية أن يتجمعوا ويحتشدوا لما تظاهروا من أجله؟ الإجابة لا، وإليكم السبب: جرى تمديد حالة الطوارئ التي أعلنت منذ فشل الانقلاب مرات عدة باسم الديمقراطية، وجرى تنظيم استفتاء دستوري –وسط حالة الطوارئ– الأمر الذي يمهد الطريق أمام نظام استبدادي أكثر صرامة في المستقبل القريب.

كما وشملت الإجراءات اعتقال وتعذيب وفصل عشرات الآلاف من الناس، ولم يستطع أحد تعيين محام لأن المحامين المنخرطين بهذه القضايا يواجهون تهم دعم الإرهاب. فكيف يمكن لنا وصف تلك المظاهرات والتجمعات بـ”داعمة الديمقراطية”؟ لا يمكن وصف هذه الحالة إلا بـ”التلاعب الأيديولوجي” الذي سيق به الناس إلى مبتغى الحاكم، بفضل الوجه الثالث للسلطة.

الرئيس التركي شخصيًا وصف طلاب الخارج بـ”الجواسيس”، برغم حقيقة أن أولاده تلقوا تعليمهم في الخارج. كما وجرى وصف من لا يدعم حاكم الدولة والحزب الحاكم بـ”الآخرين” أو “الأعداء” أو “الخائنين” أو “الإرهابيين”. وقد تجلى هذا في وصف الرئيس أردوغان للطلاب المناهضين للحرب بـ”الشباب الخونة الذين يحملون أفكارًا شيوعية”.

يجري اقتياد الناس إلى الاعتقاد بأن الحزب الحاكم متفوق أيديولوجيًا ويمكنه إنقاذ البلاد، وأن الحزب الحاكم موجود بسبب إرادة الله. ولذلك، فإن كل من يعارض الزعيم الأعلى والحزب الحاكم هو سيء، وكل من يتعهد بالولاء للحزب الحاكم هو جيد. ومثال على ذلك، لم يعد رجال المافيا الأتراك مضطرين للعمل سرًا بعد أن أصبحوا “أبطالًا” بنظر الحكومة نتيجة لمشاركتهم في المظاهرات وفي إلصاق اللافتات في الشوارع والساحات.

في الحقيقة، يجري تطبيق الوجه الثالث للسلطة –التلاعب– بشكل متقن في تركيا، حيث يتم تأطير الأبطال الحقيقيين -الذين يقفون في وجه الطغيان– في خانة الأشخاص السيئين، بينما يكسب رجال المافيا الشرعية والوصف البطولي نتيجة لولائهم للحاكم. ونتيجة لإتقان النظام سياسة التلاعب الأيدلوجي، وجدت السلطات سهولة في إصدار المرسوم الأخير الذي يمنح الحصانة للأعمال العنيفة باسم مكافحة الإرهاب وإنقاذ البلاد. وهذا بالطبع يعني الهروب من أي عواقب قانونية إزاء عدم الالتزام الحكومي بقوانين البلاد الجنائية. ويمكن من هنا فهم المعنى الحقيقي لمفهوم التلاعب الأيديولوجي الذي تمارسه أنظمة دولية عديدة.

 

المصدر: فورين دبلوماسي

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة