الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الهند من التحفظ الاستراتيجي إلى إعادة الضبط الاستراتيجي في غرب آسيا

في السنوات الأخيرة تخلت الهند عن سياسة التحفظ الاستراتيجي.. واتخذت نهجاً تميز بالاستقلالية الاستراتيجية يعتمد التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف

كيوبوست– ترجمات

غوبي كريشنا باميديباتي♦

تسعى الهند لأن تصبح دولة كبرى مؤثرة في السياسة الدولية، ويمكنها أن تستفيد من المنتديات الصغيرة؛ مثل منتدى “آي 2 يو 2” (مجموعة للتعاون الاقتصادي الدولي تضم كلاً من الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية- المترجم) في تعزيز مصالحها الاستراتيجية. وقد عقدت أول قمة افتراضية لمنتدى “آي 2 يو 2” أثناء جولة الرئيس بايدن في الشرق الأوسط؛ حيث ركز قادة الدول الأربع على سُبل التعاون في مجالات المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة والأمن الغذائي، واتفقوا على تعزيز الشراكات الاقتصادية المتعلقة بالتجارة والبنية التحتية والاستثمار في المنطقة وخارجها.

وبالنظر إلى كون الهند قوة عالمية صاعدة، وإلى روابطها التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية العميقة مع دول الشرق الأوسط، وجنوب وغرب آسيا، فإن هذا التوجه يبدو طبيعياً؛ خصوصاً في ظل نهج رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في سياسته الخارجية، التي أسهمت في تغيير الصورة النمطية للهند؛ من دولة تتطلع نحو الداخل إلى دولة تسعى للارتباط والتفاعل مع الغرب، الأمر الذي عكس الجمود السياسي الذي قيّد استراتيجية الهند -سادس أكبر اقتصاد في العالم- في غرب آسيا.

وفي سياق توجه الولايات المتحدة نحو آسيا؛ شكلت الهند شريكاً مهماً، وعلى الرغم من اختلاف البلدَين حول بعض القضايا؛ مثل علاقة الهند بإيران وروسيا، يمكن لواشنطن الاستفادة من علاقات نيودلهي الودية مع دول المنطقة؛ لتعزيز الهياكل الأمنية في غرب آسيا. ومن المعروف أن علاقة الهند بإسرائيل قد شهدت تغيراً كبيراً منذ أن أقامت الدولتان علاقات دبلوماسية بينهما عام 1992، حيث بلغ إجمالي التجارة البينية بين الدولتين عام 2021 ما يزيد على 6.3 مليار دولار، باستثناء الدفاع. وأصبحت إسرائيل من أكبر موردي الأسلحة للهند إلى جانب روسيا والولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: تلميذ أحمد السفير الهندي الأسبق في الإمارات لـ”كيوبوست”: شراكتنا مع أبوظبي استراتيجية

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الهند شريكاً تجارياً رئيسياً لدول الخليج العربي، ووقعت في فبراير الماضي اتفاقية شراكة اقتصادية كاملة مع الإمارات العربية المتحدة؛ تسمح بإعفاء صادراتها إلى الإمارات من الرسوم الجمركية. ومن المتوقع أن يزيد حجم التجارة الثنائية بين البلدين من 60 مليار دولار حالياً إلى 115 ملياراً في غضون السنوات الخمس المقبلة. كما وقع البلدان اتفاقيات في مجالات نقل التكنولوجيا والطاقة المتجددة، وتطوير البنى التحتية، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، والأمن الغذائي، والتبادل الثقافي، والفضاء، وتنمية المهارات. وإذا أخذنا بعين الاعتبار القوة البشرية للهند، والمصالح الاستثمارية الواسعة للإمارات، والخبرات الفنية الإسرائيلية؛ فإن التجارة الثلاثية بين هذه الدول يمكن أن تصل إلى 110 مليارات دولار بحلول عام 2030. وبما أن الهند تستورد نحو 85% من حاجتها من النفط الخام، فإن ضمان الاستقرار في منطقة الخليج العربي هو أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى أمن الطاقة فيها.

الرئيس الأمريكي بايدن يتابع قمة دول “آي 2 يو 2”- أرشيف

تاريخياً، تميزت سياسة الهند الخارجية بالتحفظ، وعدم استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية. وقد طغت على علاقة الهند بالولايات المتحدة وإسرائيل سياسة عدم الانحياز، التي أرسى أسسها جواهر لال نهرو، أول رئيس وزراء للبلاد. ومنذ ذلك التاريخ تبنت الهند المبادئ المناهضة للاستعمار، وتجنبت الانضمام إلى التحالفات والكتل العسكرية، ولم تستخدم قواتها العسكرية لأغراض سياسية خارج حدودها منذ نهاية الحرب الباردة.

شكَّل الغزو العراقي للكويت نقطة تحول في علاقاتها مع دول الخليج العربي، وحلت الجغرافيا الاقتصادية بالتدريج محل الجغرافيا السياسية، وتعززت سياسة التحفظ وعدم الانحياز لأي طرف في النزاعات الإقليمية، التي استمرت حتى نهاية عهد رئيس الوزراء مانموهان سينغ عام 2014.

اقرأ أيضاً: لماذا ترحب الهند باتفاق “إبراهيم”؟

ولكن في السنوات الأخيرة، تخلَّت الهند عن سياسة التحفظ الاستراتيجي، واتخذت نهجاً تميز بالاستقلالية الاستراتيجية؛ حيث أعادت ضبط سياساتها في غرب آسيا باتجاه التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، وبناء شراكات استراتيجية مع دول عديدة في المنطقة بغض النظر عن خصوماتها وأعمالها العدوانية. وتهدف الهند من وراء ذلك للاستفادة من الفرص الاقتصادية التي يوفرها النظام العالمي الناشئ متعدد الأقطاب.

وبالإضافة إلى العلاقات التجارية، والتحويلات المالية، التي توفرها العمالة الهندية في دول الخليج، تعمل الهند ودول مجلس التعاون على تعزيز الاستقرار السياسي، والأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون الدفاعي، الذي تجلى في زيارة قائد الجيش الهندي إلى الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية عام 2020. وجاء التغيير الجذري العميق في العلاقات الهندية- الخليجية بعد أن وقعت الإمارات والبحرين اتفاقيات إبراهيم؛ حيث رحبت الهند بهذه الاتفاقيات. ومنذ ذلك الحين عززت الهند علاقاتها مع كل من إسرائيل والإمارات العربية المتحدة.

توقيع اتفاقيات إبراهيم- أرشيف

ويعتبر منتدى “آي 2 يو 2” امتداداً طبيعياً للعلاقات الثنائية القائمة بين الهند وإسرائيل والإمارات، التي تربطها جميعاً علاقات قوية مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن كلاً من الدول الأربع قد تكون لها رؤية مختلفة حول أهمية هذا التجمع -مثل تحقيق التوازن مع الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة والهند، ومع إيران بالنسبة إلى الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل- فلا يزال هنالك العديد من المصالح المشتركة لدول المنتدى. وبالنظر إلى أن الهند تسعى لأن تكون دولة كبرى تشارك في وضع قواعد السياسة الدولية؛ فإن المنتديات الصغيرة مثل “آي 2 يو 2” توفر لها فرصة للتغلب على المشكلات الدولية وتعزيز مصالحها الاقتصادية.

♦صحفي عمل في الإمارات العربية المتحدة والهند، ويعمل حالياً على نيل درجة الدكتوراه في كلية فرجينيا التقنية للشؤون الدولية، في أرلنغتون، فرجينيا.

المصدر: مؤسسة دول الخليج العربي في واشنطن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة