الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الهند تقاوم قطار “طالبان”

ربما يتمكن بلينكن أثناء زيارته إلى نيودلهي من التوصل إلى أرضية مشتركة حول "طالبان"

كيوبوست- ترجمات

راجا موهان♦

يُعرف عن الهند ترددها التقليدي في التعامل مع “طالبان”؛ ولكنها مؤخراً بدأت بالتحوط من خلال المباشرة باتصالات بدعم من قطر. ولكن على عكس كثيرين من العرب، فالقيادة في الهند غير مقتنعة برواية سقوط كابول الوشيك، وعودة “طالبان” الفورية المحتومة إلى السلطة. وبدلاً من ذلك، فإن الهند تؤكد كيفية عودة “طالبان” إلى السلطة. وأوضحت نيودلهي أنها لن تقبل إطاحة “طالبان” بالحكومة في كابول عن طريق العنف، وأنها باشرت، في حملة دبلوماسية، للتحضير للنظام الإقليمي ما بعد الولايات المتحدة.

يقضي موقف الهند من شرعية الانتقال إلى نظامٍ جديد في أفغانستان بأنه يجب بالضرورة أن يتضمن مصالحة سياسية سلمية، وهذا الموقف يستند إلى تقييم نيودلهي للوضع على الأرض في البلاد. ومع أن “طالبان” قد سيطرت على مناطق واسعة في ظلِّ الانسحاب الأمريكي المتسارع، فإن الحكومة الهندية تراهن على أن نهاية اللعبة في أفغانستان ليست وشيكة، على الأقل حتى الآن، وعلى أن القوى الخارجية ما زال لديها الوقت للتأثير على النتيجة.

اقرأ أيضاً: مَن هو هبة الله أخند زاده زعيم “طالبان”؟

إن مزاعم “طالبان” بالسيطرة على 85% من الأراضي الأفغانية مشكوك فيها إلى حد كبير. وعلى الرغم من أن كفة الميزان كانت في الأيام الأخيرة تميل بوضوح لصالح المتمردين الإسلاميين؛ فإن كابول ما زالت تسيطر على جميع عواصم المقاطعات. والقوات الحكومية تعيد رصّ صفوفها، ومن المتوقع أنها سوف تقاتل بضراوة في المدن التي تحاصرها “طالبان”.

وزير الخارجية الهندي جايشانكار ونظيره الأمريكي أنتوني بلينكن أثناء لقائهما في لندن على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة الدول السبع- وكالات

تعتقد الهند وجود مجال واسع للعمل الدبلوماسي المنسق لإجبار “طالبان” على التخفيف من نزعتها الفردية، والتوصل إلى تسوية معقولة مع حكومة كابول. والهند تدعو العالم إلى عدم التسرع في “تطبيع” سيطرة “طالبان”.

لذلك فمن المرجح أن يحتل مستقبل أفغانستان مكاناً بارزاً أثناء المحادثات التي ستجري في نيودلهي الأسبوع المقبل بين وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، ووزير الخارجية الهندي جايشانكار. ومن المتوقع أيضاً أن يقوم بلينكن بزيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. هنالك الكثير مما يمكن أن تكسبه إدارة بايدن من التعاون مع الهند: فالدبلوماسية القوية للهند الداعمة للانتقال السلمي يمكنها أن تعطي دفعة قوية ومفيدة لجهود الإدارة للخروج بنتيجة معقولة في أفغانستان، بعد الدمار السياسي لقرارها المفاجئ بالانسحاب الكامل لقواتها من البلاد.

اقرأ أيضاً: ما رأي المدنيين الأفغان في الانسحاب الأمريكي؟

 من المؤكد أن فكرة التنسيق المشترك بين الولايات المتحدة والهند بشأن أفغانستان ستكون جديدة. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود كانت نيودلهي وواشنطن على خلاف بشأن المسألة الأفغانية. وفي فترة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، كانت نيودلهي وواشنطن تقفان على طرفَي نقيض بشأن دعم الولايات المتحدة المقاتلين الإسلاميين وجهادهم ضد موسكو.

كان تدخل الولايات المتحدة عام 2001 للإطاحة بـ”طالبان” من السلطة موضع ترحيب كبير في نيودلهي؛ ولكن اعتماد واشنطن على باكستان للوصول إلى أفغانستان قد فرض قيوداً عديدة على دور الهند هناك. شجعت واشنطن الدعم الهندي لإعادة بناء اقتصاد أفغانستان؛ ولكنها عارضت أي تعاون عسكري جاد بين نيودلهي وكابول، مراعاة للحساسية الباكستانية.

كما أن نيودلهي لا تشعر بالارتياح حيال تفاوض واشنطن مع “طالبان” في السنوات الأخيرة؛ ولكن عندما اختارت إدارة بايدن سحب قواتها حتى من دون أي التزام جدي من “طالبان” بالانتقال السلمي، بدأت الهند -كغيرها من دول المنطقة- بالتركيز على التكيف مع ديناميكيات مرحلة ما بعد الوجود الأمريكي.

أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن موعداً لانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان- “فاينانشال تايمز”

تدرك نيودلهي أن واشنطن ستستمر في إشراك إسلام آباد في المسألة الأفغانية؛ ولكن الهند منفتحة على احتمالات استكشاف آفاق التعاون مع الولايات المتحدة في أفغانستان، بالنظر إلى تراجع اعتماد الولايات المتحدة على باكستان بعد سحب قواتها.

يرى البعض في واشنطن أن الهند يجب أن تتقدم لملء الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات الأمريكية. وقد اقترح بروس رايدل، المسؤول السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذي عمل أيضاً على قضايا جنوب آسيا في البيت الأبيض، أن تنظر الهند في “تقديم الدعم الفني للقوات الجوية الأفغانية التي تعتمد بشكل كبير على متعاقدين يخططون للمغادرة مع القوات الأمريكية”.

اقرأ أيضًا: كيف باعت الولايات المتحدة الوهم في أفغانستان؟

كانت الهند قد قدمت طائرات هليكوبتر للقوات الأفغانية في الماضي؛ ولكنها كانت حذرة بشأن وجود عسكري كبير لها على الأرض في أفغانستان. والهند تدرك التحديات التي ستنشأ عن وجود عسكري لها هناك؛ ليس أقلها عدم وجود حدود مشتركة بين البلدَين. ولكن قائد القوات المسلحة الأفغانية الجنرال والي محمد أحمدزَي، سيزور نيودلهي أثناء وجود بلينكن فيها.

وقد اقترح رايدل أيضاً أن الهند يمكن أن “تتعاون مع إيران لمساعدة كابول”؛ بما أن طهران لا يمكنها أن تتعامل مع واشنطن بشكل مباشر. وفي غياب وجود بوابة دخول مباشرة لها إلى أفغانستان، فإن الهند لطالما رأت في إيران بوابتها إلى أفغانستان وآسيا الوسطى. وكما هي الحال في الهند، فإن إيران، ذات الأغلبية الشيعية، تشعر بالقلق إزاء تطرف “طالبان” السُّنية. وقد عززت نيودلهي بالفعل مشاوراتها مع طهران في ظلِّ تدهور الأوضاع في أفغانستان. ويجدر بالذكر أن النهج المستقل تجاه إيران كان على الدوام عنصراً مهماً في سياسة الهند الخارجية، وقد رفضت الهند التخلي عن علاقاتها مع إيران، على الرغم من التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.

قائد القوات المسلحة الأفغانية الجنرال والي محمد أحمدزَي- وكالات

إن أي خفض للتوتر بين الولايات المتحدة وإيران في ظل إدارة بايدن من شأنه أن يخلق المزيدَ من المساحة لتعاون الهند الاستراتيجي مع إيران. في زيارة له إلى طهران، في وقتٍ سابق من يوليو، أصبح جايشانكار أول مسؤول أجنبي يلتقي الرئيسَ الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي.

اقرأ أيضاً: صعود حركة طالبان الباكستانية الجديدة

وقد ازدادت أهمية إيران بالنسبة إلى الهند بشكل أكبر؛ بسبب الحماس الروسي تجاه “طالبان” في الآونة الأخيرة. ففي الماضي، كانت موسكو ونيودلهي تتشاركان في شكوكهما حول “طالبان” وأيديولوجيتها. وفي ختام زيارته إلى طهران، توجَّه جايشانكار إلى موسكو؛ لتبادل الآراء حول الوضع الأفغاني، ومحاولة تقليل أوجه الخلاف معها. والهند تدرك أيضاً التهديد المحتمل لـ”طالبان” لجمهوريات آسيا الوسطى التي تعتمد على روسيا في تأمين وحماية حدودها.

وزير الخارجية الهندي جايشانكار ونظيره الإيران محمد جواد ظريف في طهران- “إنديان إكسبريس”

وبينما تعمل الهند على تكثيف دبلوماسيتها الإقليمية حول أفغانستان؛ فهي تدرك أيضاً أن واشنطن مهمة في إضفاء الشرعية على حكم “طالبان” في المستقبل. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يتمتعون بنفوذٍ كبير يمكنهم ممارسته في أفغانستان في الأشهر المقبلة؛ خصوصاً في ما يتعلق بتطبيع حركة طالبان، وحشد الدعم الاقتصادي الدولي للنظام الجديد في كابول.

اقرأ أيضاً: الاتفاق بين الولايات المتحدة و”طالبان” لا يضمن السلامَ في أفغانستان

وإذا تمكن جايشانكار وبلينكن من إيجاد أرضيةٍ مشتركة حول أفغانستان؛ بما في ذلك مسألة شرعية “طالبان”، فإنهما سيقلبان النظرة التقليدية إلى العلاقات الهندية- الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن معظم الخبراء وصناع السياسات مقتنعون بأن التقارب المتزايد بين الولايات المتحدة والهند حول الصين ومناطق شرق آسيا، يقابله شقاق متزايد حول المناطق الواقعة إلى الغرب؛ ولكن الأسبوع المقبل ربما سيثبت أنهم على خطأ.

♦مدير معهد دراسات جنوب آسيا في جامعة سنغافورة الوطنية، وعضو سابق في المجلس الاستشاري للأمن القومي الهندي.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة