الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الهندسة المدنية الرومانية.. دروس للعالم الحديث

كيوبوست- ترجمات

كان الرومان بُناة ماهرين. العديد من أعمالهم، من معبد “البانثيون” (في الصورة أعلاه) ومُدرج “الكولوسيوم” في روما نفسها، إلى قناة “شِقُوبِيَّة” المثيرة للإعجاب بالقدر ذاته، في إسبانيا، صمدت عبر العصور. وغالباً ما يعود الضرر الذي لحق بمثل هذه الإنشاءات إلى سرقات الأحجار أكثر من الانهيارات الهيكلية.

أحد أسرار براعة المهندسين الرومان هو الخرسانة. تجدر الإشارة هنا إلى أن سقف البانثيون هو أضخم قبة خرسانية غير مدعومة في العالم. ومن المعروف أن الخرسانة الرومانية تتحدى القرون دون أن تفقد الكثير من صلابتها. بل في الواقع، يمكن أن تصبح أقوى مع مرور الوقت. الآن فقط بدأنا نعرف سر “الصنعة”.

شاهد: فيديوغراف: المدرج الروماني.. أثر حضاري في قلب عمان

يكمن جزء من هذه الخلطة السحرية في الصخور البركانية المأخوذة من مناطق جنوب شرق روما وبوزولي. هذه الأماكن وفرت المكونات الحيوية. الأسمنت الذي استخدمه الرومان في إنتاج الخرسانة عبارة عن خليط من الجير والرماد البركاني. (الركام نفسه عبارة عن رمل أو صخور بركانية مسحوقة، التي، في حالة البانثيون، تضمنت حجر الخَفّاف أو الخرفش؛ لجعل الهيكل أخف وزناً).

مؤخراً، أظهرت العديد من الدراسات أن الرماد لم يُسهم فقط في قوة الخرسانة ومتانتها؛ بل عزَّز أيضاً التماسك بين جزيئاتها بعد عملية الخلط. يحدث هذا عندما تتسرَّب المياه؛ ما يؤدِّى إلى إذابة بعض المعادن البركانية وتكوين هيدرات ألومينوسيليكات الكالسيوم، المادة الرئيسة المسؤولة عن تماسك الخرسانة. يؤدِّى ذلك أيضاً إلى إبطاء انتشار الشقوق الميكروسكوبية. علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات أن هذه المادة قد استخدمت في معالجة شقوق الجدران، ما يُعد مؤشراً على أن الخرسانة الرومانية تمتلك قوة الالتئام الذاتي.  

مُدرج “الكولوسيوم” في روما

هذه الإضافة “البركانية” ليست سوى جزء من القصة؛ فلقد أسهم الجير، المُكوِّن الآخر للأسمنت الروماني، بدور في تقوية الخرسانة، وفقاً لما توصلت إليه ورقة بحثية للدكتور أدمير ماسيك، من معهد ماساتشوستس، ومجموعة من زملائه، التي نُشرت مؤخراً بمجلة “التقدم العلمي”.

في هذه الدراسة، أخذ الباحثون عينات من سور مدينة بريفيرنو، موقع أثري يقع أيضاً إلى الجنوب الشرقي من روما، يرجع إلى القرن الثاني قبل الميلاد. اكتشفوا أن الجير، في هذه الحالة، كان العامل الأساسي في رأب الصدوع وسد الشروخ، وبالتالي التئامها، إن لم يكن منع ظهورها بالأساس، قبل أن تتسع وتصبح خطيرة. 

سور مدينة بريفيرنو

الجير المستخدم هنا كان عبارة عن كتل ملليمترية لم تذُب عندما تم تحضير الخرسانة. غالباً ما توجد هذه الكتل في الخرسانة الرومانية. يبدو أن دورها كان بمثابة خزان لكربونات الكالسيوم لعمليات الالتئام الذاتي؛ ما يتيح ذوبان تلك المادة مع تسرُّب المياه عبر الشقوق الصغيرة، ثم إعادة ترسبها في تلك الشقوق وإغلاقها.

وهكذا، يمكن أن تساعد دراسة الخرسانة الرومانية المهندسين المعاصرين أيضاً على تطوير خلطات خرسانية أكثر متانة وذاتية الالتئام. ولا شك أن زيادة عمر الخرسانة من شأنها أن تقلل الحاجة إلى الإصلاح والتجديد؛ ما يُسهم في استمرارية المباني لفترة أطول. ومَن يدري؟ قد يصمد بعضها أكثر من البانثيون والكولوسيوم.

المصدر: الإيكونومست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات