الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الهجرة عبر اليمن.. مخاطر جمة ومسؤولية مشتركة

يشهد اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.. ولا يزال المهاجرون من بين أكثر الأشخاص ضعفاً في البلاد وفق ما أكده التقرير الصادر مؤخراً عن منظمة الهجرة الدولية

كيوبوست- منير بن وبر

أفاد تقرير حديث، صادر عن منظمة الهجرة الدولية، وصول أكثر من 15700 مهاجر إلى شواطئ اليمن في الفترة من يوليو إلى سبتمبر هذا العام. ومن بين عشرات الآلاف من المهاجرين الوافدين، بشكل رئيسي من إثيوبيا والصومال، لا يزال الكثير منهم يواجهون مخاطر حماية شديدة؛ مثل الاختطاف والتعذيب والاحتجاز، والاستغلال.

وحسب التقرير، لا تزال النساء والفتيات معرضات بشكل غير متناسب إلى خطر الانتهاكات؛ إذ يتم التعامل معهن كـ”سلعة” عالية القيمة للمهربين والمتاجرين بالبشر. خلال هذا الربع من العام، على سبيل المثال، أفاد شركاء المنظمة أن أكثر من 130 مهاجرة تعرضت إلى الاختطاف من قِبل المهربين، والاغتصاب والتحرش الجنسي وأشكال أخرى من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: اليمن.. المهاجرون الأفارقة والإجرام الحوثي

يمكن أن تكون الهجرة عبر بلدان العبور الفقيرة وبلدان الصراع؛ كاليمن، رحلة محفوفة بالمخاطر وصعبة. قد يواجه المهاجرون العديد من التهديدات؛ بما في ذلك العنف والاستغلال والاتجار بالبشر. في بعض الحالات، قد يُجبر المهاجرون على العودة إلى بلدانهم الأصلية ضد إرادتهم. ومع ذلك، يشكل المهاجرون مخاطر أيضاً على بلدان العبور، كاليمن، ودول الوجهة النهائية؛ كالسعودية، تشمل تلك المخاطر زيادة الجريمة واستنزاف الموارد ونقل الأمراض.

هناك عدد من الاستراتيجيات التي يمكن استخدامها لمعالجة مشكلات الهجرة في بلدان العبور الفقيرة أو التي تعاني النزاعات، وجميعها تتركز حول مساعدة بلدان العبور مالياً ومن خلال بناء القدرات، وذلك بالإضافة إلى العمل على معالجة الأسباب الجذرية للهجرة من دول المصدر، والتي يمكن أن تشمل تعزيز التنمية الاقتصادية والاستثمار، وتحسين تقديم الخدمات الاجتماعية، والتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان.

بلد مضياف في ظروف صعبة

لطالما عُرف اليمن بأنه بلد مضياف لعقود؛ حيث رحبت البلاد بموجات مستمرة من الهجرة من القرن الإفريقي. كثير من المهاجرين كانوا مجرد عابرين إلى دول مجلس التعاون الخليجي؛ وفي مقدمتها السعودية. آخرون انتهى بهم الحال إلى الاستقرار في اليمن؛ لأنهم كانوا يهدفون إلى ذلك أساساً، أو لأن ظروف المرور حالت بينهم وبين الوصول إلى مقصدهم النهائي.

خريطة توضيحية لأعداد الواصلين من المهاجرين إلى اليمن والمغادرين منها خلال الفترة من 2019-2021- IOM

يعتقد الكثير أن فهم اليمنيين لما تعنيه الهجرة وما يعنيه الصراع جعلهم وجهة قريبة من قلوب المهاجرين، إضافة إلى قرب المسافة جغرافياً بالطبع. لليمنيين تاريخ طويل من السفر والهجرة والاستقرار ببلدان ومناطق كثيرة؛ كسواحل إفريقيا الجنوبية ودول جنوب وجنوب شرق آسيا، ومؤخراً دول الخليج العربي. هذه السمة جعلت اليمنيين لا ينظرون إلى الهجرة الوافدة إلى بلدانهم كتحدٍّ كبير يجب مقاومته؛ بل، على ما يبدو، بنوع من التساهل والترحيب.

لكن اليمن يواجه صراعاً وعدم استقرار سياسي واقتصادي منذ أكثر من عقد من الزمن. عندما تنهار الدول فإنها تكون أشد عرضة لفراغ السلطة وضعف سيادة القانون؛ وما يؤدي إليه ذلك من فوضى وعنف نتيجة رغبة كل طرف في إحكام السيطرة. ذلك يعني -ببساطة- أن المهاجرين الأفارقة الفارين من ظروف بلدانهم الصعبة يقحمون أنفسهم في دائرة جديدة من العنف في بلدان الصراع كاليمن.

غالباً ما تكون بلدان العبور فقيرة وتفتقر إلى الموارد اللازمة لتقديم الرعاية المناسبة للاجئين. يمكن أن يؤدي ذلك إلى أن يعيش اللاجئون في ظروف مزرية، محرومين من الحد الأدنى من الطعام والشراب. أما دول العبور التي تشهد صراعاً، فهي بلا شك أشد خطورة؛ إذ قد يتعرض اللاجئون والمهاجرون إلى الهجوم من قِبل أطراف النزاع أو يقعون في مرمى النيران. غالباً ما يكون من الصعب جداً تقديم المساعدة للمهاجرين واللاجئين. وهذا يمكن أن يؤدي إلى دوامة من العنف والفقر.

اقرأ أيضاً: المهاجرون الحضارمة في قارة إفريقيا

أرقام وانتهاكات مخيفة

يشهد اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، ولا يزال المهاجرون من بين أكثر الأشخاص ضعفاً في البلاد، وفق ما أكده التقرير الصادر مؤخراً عن منظمة الهجرة الدولية.

حسب التقرير، وصل إجمالي الوافدين إلى اليمن إلى أكثر من 42000 حتى الآن منذ بداية عام 2022. ولا يزال العديد منهم يواجهون مخاطر حماية شديدة، كما لا تزال الصدمات النفسية والجسدية التي يعانيها الناجون دون معالجة بسبب محدودية الوصول والموارد.

لا تزال طرق الهجرة الرئيسية عبر البلاد تحت سيطرة المهربين والمتاجرين الذين لا يرحمون. وحتى أولئك الذين يقررون العودة إلى الديار بعد تقطع السبل بهم؛ فإنهم يُجبرون على العمل لفترة غير محددة من الوقت، ويتم احتواؤهم في ملاجئ غير مناسبة، كما يتعرضون إلى الابتزاز من قِبل المهربين لدفع المزيد من الأموال.

اقرأ أيضاً: الحوثيون يواصلون الانتهاكات ضد المهاجرين الإفريقيين

يشير التقرير أيضاً إلى شيوع عمليات النقل القسري للمهاجرين من شمال اليمن إلى جنوبه، وكذلك الإعادة القسرية من البلدان المجاورة للمهاجرين اليمنيين وغير اليمنيين على حد سواء. وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، لوحظت زيادة في عدد المهاجرين الذين يتوجهون إلى نقاط الاستجابة للمهاجرين، التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، في كل من عدن ومأرب، للحصول على المساعدة؛ مما يشير -حسب التقرير- إلى الوضع الصعب الذي يواجهه المهاجرون على الدوام في جميع أنحاء البلاد.

جانب آخر من التحديات

لا شك أن المهاجرين من أكثر الناس ضعفاً في العالم؛ لذلك يجب حمايتهم ومساعدتهم. غالباً ما يغادر المهاجرون أوطانهم بحثاً عن حياة أفضل؛ لكن ينتهي بهم الأمر في بلدان العبور الفقيرة أو المضطربة، حيث يواجهون العديد من المخاطر، أو قد يضطرون إلى الفرار مرة أخرى عند اشتداد القتال. خلال تلك الرحلة الملحمية، يموت العديد من المهاجرين كل عام أثناء محاولتهم الوصول إلى وجهتهم.

وعلى الرغم من كل كذلك؛ فإنه ينبغي عدم إغفال التحديات التي تفرضها الهجرة على دول العبور ودول المقصد.

أحد التهديدات الرئيسية للهجرة هو احتمال زيادة الجريمة. في بعض الحالات، قد يأتي المهاجرون من بلدان لا يوجد فيها سوى القليل من سيادة القانون ومستويات عالية من الجريمة. يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة الجريمة في بلد المقصد، وكذلك في بلد العبور.

إثيوبيون في 2018 ينتظرون إعادتهم إلى جيبوتي من الحديدة اليمنية- AFP

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تستنزف الأعداد الكبيرة من المهاجرين موارد الدولة؛ خصوصاً إذا لم يتم الترحيب بهم أو دمجهم في البلد، مما يمكن أن يؤدي إلى التوترات الاجتماعية والصراع. في بعض الحالات، قد يجلب المهاجرون الأمراض معهم إلى بلدان جديدة؛ مما قد يشكل ضغطاً على أنظمة الرعاية الصحية.

تُعد كل تلك مخاطر جادة تساور الدول المتأثرة بالهجرة في جميع أنحاء العالم؛ لكنها تتحول إلى تصرفات متطرفة في بلدان كاليمن، حيث قد تتعامل بعض أطراف الصراع -أو شبكات الجريمة والمهربين- مع المهاجرين بوحشية بالغة نتيجة تلك المخاوف.

مسؤولية مشتركة

تُعد معالجة مشكلات الهجرة مسؤولية مشتركة بين الجميع؛ وهي مشكلة تعجز بلدان منفردة وضعيفة كاليمن على معالجتها.

تقديم المساعدة الموجهة إلى بلدان العبور هو إحدى الاستراتيجيات التي يمكن أن تكون فعالة في معالجة مشكلات الهجرة في بلدان العبور الفقيرة أو التي تعاني الصراع. يمكن أن يشمل ذلك المساعدة المالية؛ للمساعدة على إدارة تدفق المهاجرين، والمساعدة في بناء القدرات لتحسين إدارة الحدود وإنفاذ القانون، والعمل مع المجتمعات المحلية لزيادة قدرتها على الصمود في وجه الجريمة والعنف.

تتمثل الاستراتيجية الأخرى في العمل مع دول العبور لتعزيز تدابير الأمن الداخلي الخاصة بها؛ مثل توفير التدريب والمعدات لقوات الأمن، وتدابير أخرى في دول المقصد؛ مثل تسهيل انتقال المهاجرين وتحسين سياسات التأشيرات.

اقرأ أيضاً: اليمنيون وحلم الهجرة إلى أمريكا.. الشوك يعبّد الطريق!

أخيراً، على المجتمع الدولي إدراك أهمية معالجة الأسباب الجذرية للهجرة. يمكن أن يشمل ذلك تعزيز التنمية الاقتصادية والاستثمار في دول المصدر ودول العبور، وتحسين تقديم الخدمات الاجتماعية، والتصدي لانتهاكات حقوق الإنسان، وحل النزاعات وبناء السلام.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة