الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون عربية

الهادي التيمومي لـ”كيوبوست”: جهاد النكاح سيبقى وصمة عار في جبين الإخوان

المؤرخ التونسي وصاحب كتاب "موسوعة الربيع العربي في تونس" يسلط الضوء على النقاط المظلمة في عشرية حكم حركة النهضة

كيوبوست- كريم وناس

يعتبر الهادي التيمومي من أكثر المؤرخين الجامعيين التونسيين إنتاجاً، وقد نشر العديد من الكتب والمؤلفات خلال السنوات الأخيرة؛ كان أبرزها كتاباً يحمل عنوان “موسوعة الربيع العربي في تونس” في ستة أجزاء يروي فيها بالتفصيل نقاطاً مهمة غفل عنها الكثيرون إبان حكم حركة النهضة بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وقد تحدَّث المؤرخ التونسي الهادي التيمومي، في مقابلة خاصة مع ”كيوبوست”، عن تحريف مسار الانتفاضة التونسية نهاية سنة 2010 بعد تدخُّل أطراف أجنبية، والحصيلة الكارثية لفترة حكم حركة النهضة الإسلامية خلال العشرية الأخيرة في تونس، وتعاملها مع خزينة الدولة التونسية كغنيمة حرب، فضلاً عن مسؤوليتها عن معرّة جهاد النكاح في سوريا، وهو ما سيبقى وصمة عار في جبين الحركة إلى أبد الآبدين، على حد تعبيره.. وإلى نص الحوار:

ما القراءة التاريخية التي تقدمها لفترة ما سُمي بـ”الربيع العربي” انطلاقاً من تونس؟

الانتفاضة نهاية سنة 2010 كانت في البداية من صنع الشعب التونسي؛ لكن تدَّخلت الأطراف الدولية العظمى الممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وحرَّفت مسارها وأعانت الإسلاميين الوصوليين. وأنا أرفض ما يُسمى بالإسلام السياسي؛ باعتبار أن الإسلام والسياسة كانا مترابطَين منذ ظهور الإسلام في عهد الرسول، الذي لم يجد دولة في بداية دعوته.

الدول الإمبريالية أعانت الإسلاميين الأصوليين على الوصول إلى السلطة لا في تونس فقط، وإنما في مصر واليمن كذلك، وذلك بهدف خدمة مصالحها، ولها من الإمكانات أن تحوِّل كل حركة تقدمية لخدمتها، ولها من الخبرة المخابراتية واستعمال الدسائس والتمويلات ما يمكنها من تأبيد تخلُّف هذه الدول حتى تظل تابعة لها؛ خصوصاً في ظل معرفة الدول الإمبريالية بأن الإسلاميين الأصوليين لن يقدموا أي أشياء إيجابية لهذه البلدان.

غلاف الجزء الأول من كتاب “موسوعة الربيع العربي في تونس”

ما تقييمكم لتجربة حكم الترويكا وما سميته بالإسلام الأصولي في تونس؟

عشرية الحكم المسؤول عن نتائجها بالأساس حركة النهضة الإسلامية في المقام الأول؛ لأنها حكمت الفترة أولى بطريقة مباشرة من 2011 إلى حدود يناير 2014، وبطريقة غير مباشرة إلى حين وصول الرئيس قيس سعيد. وأداؤها كان سلبياً وكارثياً جداً؛ خصوصاً في ظل غياب تجربة حكم سابقة وتعاملها مع ميزانية الدولة كغنيمة حرب، وحوَّلت أنصارها إلى أصحاب مغانم، بينما ظل بقية الشعب التونسي أصحاب مغارم مهمتهم دفع الضرائب، كما يقول عالم الاجتماع ابن خلدون.

الإسلاميون الأصوليون مارسوا سياسة التمكين وما سموه بإعادة أسلمة المجتمع، ونجحوا إلى حد ما في ذلك؛ حيث يُلاحظ المتجوِّل في الشوارع التونسية أن أكثر من 50 في المئة من التونسيات يلبسن الحجاب، وهو إسلام اتباعي طقوسي، حسب رسالة دكتوراه لوزيرة المرأة في تونس حالياً آمال موسى؛ حيث يحملن الحجاب دون القيام بأية شعائر دينية، وذلك لغايات الزواج أو تجنب المشكلات في الشارع أو لتحظى المرأة بوصم اجتماعي جيد؛ لكن هذه المرأة التي تحمل الحجاب هي في غرفة انتظار وتستطيع أن تتحول بسهولة إلى الإسلام الأصولي.

اقرأ أيضاً: عبيد خليفي لـ”كيوبوست”: الإسلام السياسي أفلس في تونس

هل استغل الإسلام الأصولي ما سميته بإعادة أسلمة المجتمع، لإرسال التونسيات إلى ما عُرف بجهاد النكاح في سوريا؟

هناك حادثة حصلت لقريبتي التي كانت بطلة من أبطال الفريق النسائي التونسي لكرة القدم، وغرَّر بها زوجها الذي أرسلها إلى ما يُسمى بجهاد النكاح بمحافظة الرقة السورية، وقُتلت إثر قصف روسي في تلك المنطقة وبيع ابنها الصغير في صفقة للأوروبيين؛ حيث إن معرّة جهاد النكاح ستبقى في جبين حزب حركة النهضة إلى أبد الآبدين، والتركة الكارثية لفترة حكم حركة النهضة لن تنمحي بسهولة وتتطلب فترة زمنية طويلة.

ما متطلبات تجاوز التركة الكارثية لفترة حكم حركة النهضة لتونس؟

التدمير الاجتماعي المعمم الذي تشهده تونس يتطلَّب فترة طويلة نسبياً لتجاوزه في ظل كارثية الحصيلة، ويتطلب إجراءات طويلة الأمد؛ خصوصاً في ظل تصريح وزير التربية التونسي فتحي السلاوتي، بأن 75 في المئة من تلاميذ التعليم الابتدائي لا يتقنون الكتابة والقراءة، و85 في المئة من تلاميذ التعليم الأساسي أميون، كما ذكرها بعظمة لسانه.

الوضع كارثي بسبب التدمير الذي أحدثته جماعة العفو التشريعي العام، التي أقحمتها “النهضة” في المدارس، دون أي تكوين بيداغوجي بعد أن حوَّلت منابر دروسها إلى دروس وعظ وإرشاد وبث لأفكارها السوداء.. نظام التعليم يتطلب تطهيراً مستعجلاً من هؤلاء، وهذا ليس سهلاً بعد أن تجذروا في الوظيفة العمومية.

حزب حركة النهضة الأصولي له 50 سنة من التنظيم، وله إمكانات مالية رهيبة، إضافة إلى الدول المستعدة لأن تدفع له ما تريد، والكل يعرف كيف تمر الحقائب عبر المطارات والموانئ والمسالك التي لا يمكن تصوّرها؛ بحيث إن الذي يتصور أن اجتثاث حزب حركة النهضة من تونس سيكون سهلاً هو مخطئ. كلما تم إيقاف قيادي في “النهضة” يُصاب بوعكة وزوجته تدخل في إضراب جوع؛ وهذا السيناريو المهزلة متواصل، ليتم في ما بعد إطلاق سراحه على أساس تواصل التحقيق معه.

التونسيون طووا صفحة “النهضة” والغنوشي يكابر- (صورة وكالات)

هل تصدت إجراءات 25 يوليو للرئيس قيس سعيد لتغلغل الإسلام الأصولي في مفاصل الدولة التونسية؟

في رأيي بخصوص الرئيس قيس سعيد، وهو زميل وأجد حرجاً في الحديث عنه، أعتبر أن الخطوة التي أقدم عليها في 25 يوليو 2021 مهمة؛ لكنها غير كافية بالمرة، حيث لم يقُم بأي إجراء مسَّ فعلاً قوة حزب حركة النهضة، والذي لا يزال يحافظ إلى الآن على كل إمكاناته المالية والمخابراتية واللوجستية.

لا أتصور أن الدولة التونسية قادرة على المضي إلى الأمام في تقليم أظافر حزب حركة النهضة؛ لأن الدول العظمى هي التي أعانتهم على الوصول إلى السلطة ولن تتركهم يذهبون ضحية عمليات عقابية، وهذه الصعوبات يعيشها حكام تونس اليوم.

النظام الحالي غير قادر على تقليم أظافر حزب حركة النهضة تقليماً يُضعف من إمكاناته في ظل استحواذه على جهاز سري وتجربته التنظيمية التي تبلغ 50 سنة وإمكاناته المالية وعلاقاته الدولية.

الحل لا يمكن أن يكون بيد شخص واحد؛ لأن التاريخ أثبت لدى شعوب أخرى أن البلد الذي يحكمه شخص واحد بعد فترة من التدمير الاجتماعي المعمم يجد صعوبات كثيرة وغالباً لا يتمكن من تحقيق البرنامج الذي يحدده لنفسه.

قيس سعيّد يحذر العابثين بأمن تونس (صورة وكالات)

هل تتحمَّل حركة النهضة مسؤولية تهجير النخب التونسية؟

كل حركة “ماضوية” تتسربل بالدين والتاريخ غالباً لا تقبل بسهولة نخباً ذكية تُفكِّر، وغالباً ما تتخلَّص منها؛ إما بالقمع والسجون والتعلل بأي شيء لإخماد أصواتهم، وإما بالتهجير وتفتح لهم المجال لكي يذهبوا إلى الخارج، مثلما فعل الرئيس السابق زين العابدين بن علي، مع راشد الغنوشي وجماعته؛ حيث سمح لهم بالخروج مكرمين معززين نحو الدول الإمبريالية التي أعادتهم إلى تونس في اللحظة المناسبة.

القانون الانتخابي فرضه اختصاصي أجنبي في الانتقالات الديمقراطية، ونوح فيلدمان الذي كان يشغل منصب المستشار السابق للحاكم الأمريكي في العراق بول بريمر، هو الذي استعمل كلمة حق أريد بها الباطل، بعد أن قال خلال زيارته إلى تونس سنة 2014 ”التونسيون عانوا النظام الرئاسي وسلطة الشخص الواحد؛ لذلك تجنبوا هذا النظام”، وفرضوا على تونس نظاماً سياسياً يشتت السلطات؛ بحيث لا يمكن أن تفهم مَن يحكم، رئيس الجمهورية أم رئيس البرلمان أم رئيس الحكومة؛ مما أدى إلى وجود صراع بين هذه السلطات خلال العشرية الماضية، ولا أحد من أصحاب هذه السلطات يعرف ما صلاحيته بالضبط، وهذا ما أضعف أداء مؤسسات الدولة.

رئيس الجمهورية التونسية الراحل الباجي قايد السبسي دخل في صراع مع رئيس حكومته الحبيب الصيد، بعد أن أراد منه أن يحوِّل ابنه حافظ السبسي إلى زعيم سياسي؛ لكنه فضَّل الاستقالة، لأنه أدرك أن ذلك سيؤدي به إلى الارتماء في أحضان حركة النهضة.

رئيس الحكومة يوسف الشاهد، عندما ضغط عليه الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، للهدف نفسه، رفض كذلك؛ لكنه ارتمى في أحضان حركة النهضة وسمح لها بممارسة سياسة التمكين دون أية عقبات، ومارست هذه السياسة في المدارس واستقدمت شيوخ العار والفتنة والجهل الذين تجولوا في الجامعات التونسية، وألقوا الخطب بكل أريحية، وأغروا الفتيات التونسيات؛ حيث إن اللاتي يحفظن أجزاء من القرآن يتمتعن بالسكن مجاناً في المبيتات الجامعية.

اقرأ أيضاً: عبير موسي لـ”كيوبوست”: إجراءات 25 يوليو أنقذت منظومة الإخوان من الانهيار

ما الذي شجع التونسيين على التصويت لحركة النهضة التي دفعت بها نشوة الانتصار في انتخابات 2011 إلى التفكير حتى في ما سميته في كتابك بـ”يوطوبيا الخلافة السادسة”؟

استبداد حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، الذي دام 23 سنة، والتصحُّر السياسي الذي خلقه نظامه، جعلا الشعب التونسي مستعداً للقبول بأية حركة تبدو له منظمة؛ خصوصاً بعد أن استعملت الخطاب الديني، والشعب التونسي شعب متديِّن دون مغالاة؛ لكنه محافظ، وعندما تُحِّدث الناس؛ خصوصاً في الأرياف وتونس العميقة؛ حيث يكون الوعي السياسي منعدماً، عن الصلاة والرسول وعن الله، فمن السهل دمغجتهم.. الناس صوتوا لـ”النهضة”؛ لأنهم ملّوا الاستبداد السياسي للرئيس ابن علي.

غلاف الجزء الثاني “يوطوبيا الخلافة السادسة”

ما الذي يفسِّر إذن تقلص شعبية حركة النهضة الأصولية في تونس وتراجعها من انتخابات لأخرى؟

التونسيون جربوا حكمهم لمدة 10 سنوات؛ لكن لا ننسى أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي كان زميلاً لي في المعهد الثانوي، شخص داهية يتقن السياسة، والشعب لم يتفطن كله إلى أن حزب حركة النهضة هو الذي دمَّر البلد خلال هذه العشرية، يُحمله المسؤولية ولكن يحملها كذلك للباجي قايد السبسي؛ لأنه دلَّل ابنه، ويُحملها للطبقة السياسية برمتها.

صحيح أن شعبية حزب حركة النهضة آخذة في التقلُّص؛ لكنه لا يزال يملك إمكانات كبيرة جداً، ويغتر بنفسه مَن يتصوَّر أن حزب حركة النهضة قد ضعف ويمكن الاستهانة بقوته، وحتى بعد إجراءات 25 يوليو للرئيس قيس سعيد لم يقع الإضرار بحزب حركة النهضة بالمرة.

الغنوشي لا يريد الإقرار بأن لا مكان له مجددا في المشهد السياسي التونسي- (صورة وكالات)

ماذا تتوقعون مستقبلاً لما سميته بالإسلام الأصولي في تونس؟ وهل تحتاج تونس فعلاً إلى إسلام أصولي؟

لا أتصور أن الإسلام الأصولي قادر على تقديم أي شيء لتونس؛ لأنه لم يقُم بتحديث الإسلام مثل ما قام به المصلح التونسي خير الدين التونسي، وما قام به الزعيم الحبيب بورقيبة في فترة حكمه الأولى، وإنما أسلمة الحداثة هو ما تقوم به حركة النهضة، في حين أن المطلوب هو تحديث الإسلام وجعله متماشياً مع العصر الحالي الذي يشهد ثورة الإنترنت، وعودة الليبرالية المتوحشة على الساحة الاقتصادية، ولذلك لا يمكن في ظل هذه الأوضاع الحديث عن دونية المرأة أو أن النساء ناقصات عقل ودين؛ بل يجب تحديث الإسلام والانطلاق في تونس من مجلة الأحوال الشخصية وتدعيمها لا محاولة النكوص عنها.

وفي الاقتصاد، هل من الممكن أن نعود في عصر الرأسمالية إلى ما يسمى بمنظومة ”الأحباس”؛ بمعنى تحبيس أراض بحيث لا يمكن بيعها أو شراؤها أو رهنها.. هذا لا يُعقل.

تطوَّرت الدنيا لكنَّ الإسلاميين ظلوا يعيشون في الماضي وصنعوا سردية غير صحيحة، والأشخاص التاريخيون هم أشخاص مثلنا نجحوا وأخطؤوا وعاشوا وتمتعوا وأحبوا النساء، ولذلك نحبهم؛ لكن أن نصنع أناساً ثم نعبدهم ونمجدهم هذا هو الإسلام السياسي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كريم وناس

صحفي تونسي

مقالات ذات صلة