الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

النقيدان يتحدث إلى “عرب نيوز” عن النتائج السياسية والاجتماعية لاحتلال الحرم

كيوبوست

في 20 نوفمبر من كل عام تحل ذكرى احتلال الحرم المكي الشريف من قِبَل جهيمان العتيبي وجماعته، وبهذه المناسبة قامت “عرب نيوز” بإجراء لقاء مع الكاتب والباحث منصور النقيدان، رئيس مؤسسة “حرف آند فاصلة ميديا”، المعنية بمكافحة التطرف حول العالم.

ويشير النقيدان، في حديثه مع “عرب نيوز”، إلى وجود كثير من المعلومات غير المعروفة عن حادثة جهيمان؛ مثل وجود بعض النساء الفاعلات في عملية احتلال الحرم، وأنه لم يتم إعدام كل مَن انحاز لجهيمان في تلك الفتنة، وكذلك لفت النظر إلى تقرير لإبراهيم المنيف، مدير الشركة السعودية الموحدة للكهرباء -رحمه الله- عن أقبية الحرم المكي الشريف قبل سنة من الحادثة، قام به بتكليف من الأمير سلطان بن عبد العزيز -رحمه الله- وكانت خلاصة التقرير بضرورة إغلاق الأقبية فورًا.

وفي ما يلي يستعرض “كيوبوست” أهم ما جاء في اللقاء.

الصدفة قادتني إلى إخوان “بريدة”

يقول النقيدان لـ”عرب نيوز” إنه في عام 1986 قادته الصدفة المركبة إلى التعرف على إخوان “بريدة”، وهو في السادسة عشرة من عمره؛ تلك الجماعة الصغيرة التي لا تزيد على 250 شخصًا على الأكثر، وكان يبحث عن إجابات لأسئلة وجودية كبرى، وأنه ظل مدة أربع سنوات في حالة انغلاق تام عن العالم مع هذه الجماعة التي تجاوزها الزمن، وأنهم أشبه بمَن أحدث ثقبًا في الزمن للعودة من خلاله إلى الوراء 1400 سنة؛ ليعيشوا وكأنهم مع السلف الصالح، حسب ظنهم.

وينسب النقيدان الفضل إلى تلك الفترة في تكوينه المعرفي؛ إذ كانوا يتعلمون العلم على الطريقة الكلاسيكية، كما كان الأوائل يتعلمون، ويتجنبون المدارس والوظائف الحكومية.

اقرأ أيضًا: حفلة غنائية لمحمد عبده في “بريدة المُحَافِظة” تُسَجِّل ترندًا عالميًّا (الحلقة الأولى)

وذكر النقيدان لـ”عرب نيوز”، أنه بعد عام 1990 بدأت لديه تدرجات وانتماءات سلفية مختلفة عن اللون الذي كان عليه إخوان “بريدة”.

حادثة جهيمان تركت بصمة لا تنمحي في ذاكرة الجيل

وينتقل الكاتب والباحث منصور النقيدان، خلال حديثه مع “عرب نيوز”، إلى وصف حالة الخوف التي كان عليها المجتمع في أثناء حادثة اقتحام الحرم المكي الشريف من قِبَل جهيمان وجماعته، وكيف أن صورة جهيمان وهو في القيد ظلت لسنوات مصدر خوف لكل الأطفال أبناء ذلك الجيل؛ لما نسج عنه من أساطير وحكايات عن كيفية تأثيره وسيطرته على العقول بالسحر.. وغيرها، وذلك في ظل فقر كبير في المعلومات المتاحة عن الحدث.

جهيمان بن سيف العتيبي بعد القبض عليه

وذكر النقيدان لـ”عرب نيوز” أن الحادثة طبعت بصمة لا تُمحى في ذاكرة كل سعودي عاش تلك الفترة، وأن لها آثارًا نفسية واجتماعية وثقافية ودينية؛ بل وحتى سياسية.

اقرأ أيضًا: مئة عام من التحولات جعلت “بريدة” مدينة استثنائية (الحلقة الثانية)

أسباب قيام جهيمان باحتلال الحرم

وفي حديثه عن أسباب قيام جهيمان وجماعته باحتلال الحرم المكي، ذكر الكاتب والباحث منصور النقيدان، لـ”عرب نيوز”، أنه لسنوات طويلة حاول تحديد هذه الأسباب على وجه الدقة، وقام بقراءة كل ما يمكن الوصول إليه من المصادر حول الحادثة، والتقاء كثير من الشخصيات ممن لهم علاقة مباشرة بجهيمان أو القحطاني (مهدي الجماعة)؛ بمَن فيهم رجال الأمن ممن شاركوا في التحقيقات في تلك الحادثة. ولخص النقيدان ذلك بقوله: “إن حزمة من الأسباب أوصلت إلى تلك النتيجة؛ من أهمها أن جهيمان وجماعته كانوا يرون أنهم ورثة لـ(إخوان من طاعة الله)؛ الحركة التي نشأت مع قيام الملك عبد العزيز بتأسيس الدولة السعودية الثالثة، ولذا فهم يشعرون أن هناك ثأرًا بينهم وبين الحكومة السعودية التي قضت على تلك الحركة بعد تمردها، وتنامي شرِّها”.

صورة لمحمد بن عبد الله القحطاني (المهدي المزعوم) بعد مقتله في أثناء تطهير الحرم من جهيمان وجماعته

 وتابع النقيدان بأن البحث عن دور الزعامة المترسخ في شخصية جهيمان كان له دور كبير في قيامهم بتلك العملية، ذاكرًا سببًا آخر، نقله عن الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي السابق، رحمه الله، وهو وجود أفراد داخل جماعة جهيمان من جماعة التكفير والهجرة وجماعة التوقف والتبين، وبعض من المصريين الذين انشقوا على جماعة الإخوان المسلمين، كان لهم تأثير كبير في جهيمان وحركته.

حركة جهيمان فكرة سعودية خالصة

وبالمحصلة، يرى النقيدان أن فكرة جماعة جهيمان فكرة سعودية خالصة لسعوديين انحرفت أفكارهم، ولبَّت أشواقًا نفسية فيهم، وبدوافع شخصية بحتة، مع بعض الآثار الدينية التي أخذوا منها مسوغًا للقيام بما قاموا به؛ خصوصًا أن فكرة احتلال الحرم لم تتولَّد إلا قبيل الحادثة بثلاثة أشهر فقط، التي يرجح أنها كانت في أغسطس 1979.

ويشير النقيدان، خلال حديثه إلى “عرب نيوز”، إلى مدى التأثير العميق لحادثة الحرم على المجتمع السعودي؛ بل والعقل السياسي السعودي، وما كان قبل حادثة الحرم مختلف عما كان بعدها.

أفراد جماعة جهيمان بعد تطهير الحرم المكي

ويعزو النقيدان، في حديثه إلى “عرب نيوز”، لحظة الانكسار تلك التي فصلت اللحظة الزمنية إلى ما قبل تاريخ الحدث وما بعده، إلى خلو السعودية، وقتها، من مفكرين سياسيين سعوديين يستطيعون أن يقدموا الدعم للقيادة السعودية بأنها يمكن أن تظل دولة محافظة وفي الوقت نفسه تكون منفتحةً مع الحذر من تولُّد بذرة جديدة تؤدي إلى ما وصلت إليه فكرة جهيمان.

كبار العلماء ساندوا فكر جهيمان وجماعته في بدايته

ولفت الكاتب والباحث منصور النقيدان، خلال حديثه إلى “عرب نيوز”، إلى ملحظ مهم؛ حينما نقل حديثًا عن الأمير نايف بن عبد العزيز إلى إحدى وسائل الإعلام، بأن الدولة لاحظت الانحراف على هذه الثلة قبل قيامهم بتلك الحادثة، وقامت الجهات الأمنية بإيقافهم بالفعل؛ غير أن بعض كبار العلماء تدخل بالشفاعة لهم وإخراجهم، وكان على رأس هؤلاء المشايخ الشيخ عبد العزيز بن باز.

ويرى النقيدان أن الشيخ ابن باز والشيخ ناصر الدين الألباني، هما ملهما هذه الجماعة، على الرغم من تمردها على ابن باز الذي كانت تعتب عليه عتاب المحب.

كيف سيطرت “الصحوة” على المشهد السعودي؟

وفي تحليل لافت ومميز لسيطرة الصحوة على الأجواء الثقافية والدينية في السعودية، يصف النقيدان الظروف المحتفة بهذا الأمر، فيقول: “إن الذي حصل مزامنة مع احتلال الحرم المكي الشريف، انطلاق الجهاد الأفغاني والذي بدأ مع اجتياح الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، بالإضافة إلى الثورة الخمينية التي وصلت إلى سُدة الحكم في إيران، وكان هناك مزاج سياسي دولي لدعم الصحوة السُّنية في العالم؛ لتكون في وجه الثورة الإيرانية، وفي وجه التغلغل السوفييتي وأفكاره الشيوعية، فكان لابد من فسح المجال واسعًا لتلك الأفكار الدينية المصد الأقوى في وجه تلك الأفكار؛ فكانت تلك اللحظة التاريخية التي جاءت فيها حركة جهيمان، وحاولت السعودية الخروج من كل هذه الآثار، فدعمت الصحوة الإسلامية؛ الأمر الذي أحدث نوعًا من الانكفاء، أنتج ثلاثة أو أربعة عقود من الكآبة”.

اقرأ أيضًا: حين ارتدى الرئيس بوتفليقة الشماغ في بريدة

وبتقدير النقيدان أن السعودية كان يمكن لها أن تسير في خطَّين متوازيَين؛ عبر تجفيف المنابع التي أنتجت حركة جهيمان، وفي الوقت ذاته تمهِّد لأرض خصبة من التديُّن المحافظ الذي لا يصل إلى التطرف، ومن ثَمَّ الإرهاب؛ ولكن كان محتمًا مقاطعة هذا التوجه من قِبَل الجهد الإخواني الذي بدأ في أوائل الستينيات في السعودية؛ لاستغلال مثل هذه الظروف.

فكانت حركة جهيمان ظرفًا تاريخيًّا مناسبًا للإخوان المسلمين؛ للإطلال برؤوسهم، وتغيير جلودهم، فهم جاؤوا أول أمرهم حلفاءً لبيوتات الحكم في الخليج لا في السعودية فحسب، بحكم تهديد تلك الأنظمة من قِبَل الفكر الناصري والشيوعي واليساري.

وبعد حادثة جهيمان، كان البديل القادر على خلق حالة توازن في الفكر الديني، حسب تقديرات ذلك الزمان، هو جماعة الإخوان المسلمين؛ إذ إن الصف المشيخي الوهابي التقليدي في البلد، حسب تقدير النقيدان، غير مهيَّأ لإيجاد فكر ديني متسامح، يمكن أن ينقل البلد إلى بر الأمان؛ فأوجِد هجين اسمه “السرورية”، وهي عبارة عن مزيج لحركية الإخوان المسلمين والفكر الديني الوهابي الرسمي الذي تتبناه السعودية.

الفكر المتطرف لا يموت

ويقول الكاتب والباحث منصور النقيدان، عن أهم الدروس المستفادة من السنوات الأربعين الماضية: “إن الفكر لا يموت، ولكن يمكن تحجيمه”؛ تحجيمه حسب وجوده في مجتمع واعٍ لا يسمح له أن يتغوَّل ويقود الفكر والثقافة، وتنعكس في ما بعد على السياسة. وذكَّر النقيدان بتفجيرات العليا، وأحداث 11 سبتمبر، وكذلك التهديدات التي عاشتها السعودية في 2003 وما بعدها، من قِبَل “القاعدة”، كانت نتاج وصول هذا الفكر إلى هذه الغاية التي عمل عليها هؤلاء المتطرفون لعقود، وهذا يعني أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر، ولكن مع سياسة تتخذها الدولة على الأصعدة كافة؛ الأمنية والتعليمية التربوية والثقافية، تُهيئ مجتمعًا قادرًا على هضم دين منفتح ومتسامح وقادر على تجنب الأفكار المتطرفة.

اقرأ أيضًا: مقالات: جهيمان ومأساة المهدي عبر التاريخ

الإصلاح والتغيير يقوده السياسي فقط

ويختصر النقيدان المسألة برمتها في أن السعودية إلى ما قبل عهد الملك سلمان كانت لقمة سائغة في يد المتطرفين الذي كانوا لا يعترفون في خطبهم، حتى في الرياض العاصمة السعودية، باسم السعودية! ويطلقون عليها جزيرة العرب. وذكر النقيدان أن قاعدة “إطلاق الوحش، مع الثقة المتوهمة بإمكانية السيطرة عليه” أثبتت فشلها التام؛ بدليل ما حدث من أواخر فترة الملك خالد، وما جاء بعده من عهود، وصولًا إلى عهد الملك سلمان الذي وضع حدًّا لكل هذا الأمر بالحزم. ويعزو النقيدان السبب في نجاح عهد الملك سلمان في تحجيم ظاهرة الصحوة، إلى إدراكه أن الإصلاح لا يأتي إلا بالقرار السياسي فقط، ولا يقود التغيير إلا السياسي، وَفق قرار ورؤية واضحة وحزم، مع حزمة من المشروعات والبرامج التي تمكن المجتمع من أن يكون مجتمعًا صحيًّا وطبيعيًّا.

العاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد: سبوتنيك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة