الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

النظام يختار إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران.. وربما مرشداً مقبلاً

كيوبوست- مروان البلوشي

النظام الذي يحكم إيران مُعقد وفريد من نوعه، يجمع بين الجمهورية الغربية الكلاسيكية التي تمثل الشعب وتأخذ شرعيتها منهم، وبين أيديولوجيا ثورية عالمثالثية تنوي تحدي النظام العالمي القائم، وبين ثقافة مذهبية شيعية تُميز البلاد وسط بحر سُني، أضف إلى هذا تاريخ إيران السياسي نفسه؛ حيث العلاقة المتوترة دوماً بين الحاكم والمحكوم، والمليء بالحركات الاحتجاجية والثورية، وأضف إلى هذا الخليط أيضاً كلَّ ما فعلته الجمهورية الإسلامية منذ ثورة 1979؛ كي تستمر في الحياة.. كل مواجهاتها مع القوى الدولية، كل الصراعات التي لا تنتهي بين معسكرَي المحافظين والإصلاحيين، كل الآمال التي علقها جيل “أبناء الثورة” على الإصلاحيين كي يفتحوا إيران على العالم الخارجي، وكل الضغوطات التي مارستها شريحة لا يُستهان بها من الناخبين على المحافظين كي لا تتخلى الجمهورية عن خطها الثقافي والهوياتي الصارم.

أضف إلى هذا كذلك التشريعات والإجراءات التي زُرعت في دستور الجمهورية والتي تُقسم السلطة بين مرشد الثورة والرئيس والبرلمان، والتي تضمن أن النظام يحافظ على مساحة تنافسية ما في داخله تسمح للأطراف السياسية المختلفة بالوصول إلى السلطة، والتي تتيح لرجال الدين والقضاء ممارسة دور الرقيب والحكم داخل النظام؛ بغرض الموازنة بين مراكز القوة المتضاربة.

اقرأ أيضًا: هندسة الانتخابات: حسم خامنئي هوية الرئيس الجديد لإيران

النتيجة هي منظومة مُستمرة رغم كل عدم الاستقرار في الداخل والخارج، النتيجة هي أن الجمهورية الإسلامية لا تزال حية رغم كل الصراعات والحروب والعقوبات؛ لكن هذا كله لم يأتِ بلا أثمان باهظة بدأت تنهش من شرعية الحُكم نفسه في السنوات الأخيرة، حيث توقع المراقبون أن تكون نسبة تصويت المواطنين في الدورة الحالية، هي الأقل منذ 1979، وعلى أية حال، الأمر الثابت هو أن الانتخابات تمثل منعطفاً جديداً في مسيرة النظام، والثابت الآخر أن فوز إبراهيم رئيسي ستكون له تبعات وأن ما يحدث في طهران لا يبقى فيها.

خامنئي يدلي بصوته

انتخابات تمت هندستها سلفاً

تحدثتُ مع العالم السياسي د.علي آلفونه، من معهد دول الخليج العربية في واشنطن، عن تعقيداتِ المشهد الانتخابي الإيراني، وطلبت منه أن يفكك ما يحصل لجمهور القراء العرب. آلفونه بدأ بتحليل نيَّات رأس النظام نفسه، المرشد علي خامنئي: “خامنئي يخطط منذ فترة طويلة لتسهيل وصول إبراهيم رئيسي لمنصب الرئاسة”. سألته لماذا؟ يرد آلفونه: “رئيسي يتمتع بعلاقاتٍ جيدة جداً مع قيادة الحرس الثوري؛ وهي من أهم مراكز القوة في النظام.. كما أن سِجل رئيسي السياسي والأيديولوجي، يمنح خامنئي الطمأنينة الكافية حول مستقبل الجمهورية، وعدم ابتعادها عن مبادئ الثورة”.

طلبت من آلفونه أن يتوسع في الشرح عبر أمثلة من الواقع، فقال: “خُذ على سبيل المثال المجلس الأعلى للأمن القومي، والذي يقرر الوجهة الاستراتيجية التي تمضي نحوها الجمهورية؛ الرئيس يتزعم المجلس، ورغم أن المرشد يحتفظ بالقرار النهائي، فإن للرئيس قدرة كبيرة للتأثير على مداولات المجلس وتوجهاته، ولذلك فمن المهم الاحتفاظ بهذا المجلس تحت تأثير المرشد”.

اقرأ أيضاً: النزعة التوسعية الإقليمية الإيرانية ومؤشرات التغيير

والحقيقة أن الانتخابات الرئاسية فرصة حيوية لتجديد صحة النظام كل 4 أعوام، هذا رغم أن صلاحيات الرئيس في عددٍ من الملفات المهمة؛ مثل السياسة الخارجية، ليست واسعة كما هي الحال في باقي العالم، إلا أنه يظل محتفظاً بالنفوذ الكافي الذي يجعل منصبه مهماً.

ويشرح آلفونه جهود خامنئي في هذا الصدد: “قام خامنئي بجهودٍ كبيرة في سبيل الوصول إلى النتيجة التي يريدها في الانتخابات الحالية؛ حيث أقنع المرشحين الأقوياء بالتخلي عن طموحاتهم، وعلى رأسهم حفيد مؤسس الجمهورية حسن خميني.. أما عن المرشحين الذين تمنعوا في وجه ضغوطات خامنئي، فقد تولَّى مجلس صيانة الدستور استبعادهم”. وما نتيجة كل نيَّات وجهود خامنئي؟ يجيب آلفونه: “من ناحية سيحتفظ النظام بتماسكه؛ ولكن من ناحية أخرى ستتعمق أزمة شرعيته.. حيث ستتوسع الهوة بين السلطة الحاكمة وشرائح واسعة من النخبة والشعب؛ والتي لا تحصل على التمثيل الكافي”.

المرشد وقيادة الحرس الثوري- السلطة الأهم في إيران

الماضي في إيران لا يموت

إيران بلد قديم، وتاريخ الدولة المركزية فيه ممتد إلى 2500 عام. ورغم أن النظام الجمهوري يمثل بدعة حديثة في صنف الأنظمة التي حكمت البلد؛ فإنه من المُستحسن العودة إلى الوراء واستدعاء بعض حوادث الماضي؛ بهدف فهم ما يحصل في الحاضر.

تحدثنا مع المؤرخ الإيراني في جامعة لندن د.رهام الوندي، عن انعكاسات الصدى بين الماضي والحاضر، فقال: “ما يحصل الآن هو تجفيف تام للسياسة المحلية؛ بهدف تضييق فرص الاختلاف مع مركز السلطة.. وهذه ليست المرة الأولى التي يحصل فيها هذا، نظام الشاه تصرف بذات الطريقة في منتصف السبعينيات”. وفي الحالتين كان الدافع نفسه مسيطراً على تصرفات النظامَين الشاهنشاهي والإسلامي، يستطرد الوندي: “الهدف هو خلق مساحة تنمو في داخلها معارضة موالية تماماً للنظام؛ الهدف هو تحديد ما يستطيع الإيرانيون الحديث عنه أو لا”. هل هناك آثار مستقبلية لهذا المسلك؟ يفضل الوندي أن يكون حذراً؛ ولكنه يؤكد: “في النهاية الخيار يعود إلى قيادة الجمهورية الإسلامية؛ إما أن تستمع إلى مطالبات الإيرانيين حول الإصلاح السلمي، وإما أن تكرر نفس أخطاء الشاه.. وإذا اختارت طريق الشاه، فإن ما يحصل غلطة باهظة، وستأتي لتلاحق النظام الإسلامي مستقبلاً”.

الإيرانيون من الأقليات يشاركون في التصويت

ما يحدث في طهران.. لا يبقى فيها

إيران قوة إقليمية، والحدث الإيراني له آثار وامتدادات تتسرب إلى خارج حدود الجمهورية، وإذا تأملنا في الخارطة الإقليمية سنجد أن إسرائيل ستواصل على الأرجح ضربها أهدافاً إيرانية في المشرق العربي، وحتى استهداف البرنامج النووي داخل إيران ذاتها، أما الجيران في الخليج، وبالذات في الإمارات والسعودية، فسيشعرون بالقلق حتماً من فوز شخصية محافظة مثل رئيسي بمنصب الرئاسة؛ ولكن هناك دائماً الفرضية الأخرى، وهي وجود رئيس قوي من المحافظين قد يسهل من تقريب وجهات النظر بين إيران وجيرانها العرب؛ لكنْ لا أحد يعرف تحديداً مستقبل سياسة طهران الخارجية.

الرئيس الأسبق محمد خاتمي يصوت أيضاً

ويضيف محلل إيراني، فضل عدم ذكر اسمه: “سيؤدي وصول رئيسي إلى منصب الرئاسة بالتأكيد إلى زيادة في أنشطة إيران الإقليمية، حيث لن تواجه معارضةً أو عوائق.. بينما نجد حالياً أن الرئيس روحاني يفضل مقاربة دبلوماسية؛ بهدف تخفيف التوترات بين طهران وجيرانها وواشنطن.. وكردة فعل على ذلك، دأب المحافظون خلال السنوات الثماني الماضية على اتهام روحاني بالخضوع أمام ضغوطات واشنطن؛ بل وبكونه عقبة أمام أنشطة طهران الإقليمية.. أما بالنسبة إلى جيران إيران من الخليجيين والعرب، فإن موقف نخبة النظام الحاكمة، منقسم بين الرغبة في التفاوض والانفتاح، وبين الحذر ومواصلة الصدام”.

وسط كل هذه التعقيدات والتشابكات الشبيهة بالسجاد الإيراني الشهير، يذكرنا باحث الدكتوراه في الجامعة الأمريكية بواشنطن، رضا أكبري، بأن: “لعبة الشطرنج مستمرة في الجمهورية الإسلامية.. وما كان مُحرماً في الماضي قد يكون متاحاً في المستقبل؛ ولذا فإن علينا أن نتذكر ونحن نحلل البيئة السياسية الإيرانية، أنها مرنة وقابلة للتغير وبسرعة.. وأن النظام الثوري لم يكن في عقول مؤسسيه قالباً جامداً، بل عملية حية تنمو وتتطور باستمرار”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مروان البلوشي

باحث إماراتي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إدنبرة.

مقالات ذات صلة