الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

النظافة الشخصية.. تاريخ قديم وهدف عالمي لم يتحقق بعد

كيوبوست

بقيت النظافة الشخصية فترة العصور الوسطى مثار جدل؛ حيث تتردد رواية مفادها أن الأوروبيين في تلك المرحلة رفضوا الاستحمام. بينما يقول متتبعون للتاريخ إن الأوروبيين كانوا يستحمون، لكنهم صدَّقوا معلومات غير دقيقة عن النظافة الشخصية؛ فمثلًا اعتقدوا أن الاستحمام بالماء البارد قد يؤدي إلى الغثيان، ورغم ذلك فإن الحديث عن النظافة الشخصية أقدم من العصور الوسطى.

فمع ظهور البِنى الاجتماعية منذ 5000 سنة قبل الميلاد؛ نتيجة لاستقرار الإنسان بعد اعتماده على الزراعة كنمط للإنتاج، إلى جانب المهن والحرف التي تطورت في ما بعد؛ ظهرت الحاجة إلى الاهتمام بالمظهر الخارجي والنظافة الشخصية، التي اعتمدت على الماء بشكل أساسي في تلك المرحلة، إلا أن الشعوب القديمة استحدثت طرقًا تتناسب مع احتياجاتها وإمكانات زمانها ومكانها.

اقرأ أيضًا: يوم التنظيف العالمي.. التنظيف في سبيل كوكب أخضر (فيديوغراف)

تاريخ النظافة

لأن الحرص على النظافة وجه من أوجه التقدُّم، كان لابد لها أن تتطور مع تطور الحضارات، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تتبع ممارسات الشعوب من أجل الحفاظ على النظافة الشخصية والمظهر الخارجي للفرد؛ من ذلك حرص المصريين القدماء على الاستحمام في نهر النيل، لتبريد أجسامهم ووقايتها من الطفيليات، في حين انتشرت الحمامات بالمنازل الأرستقراطية.

حمام فرعوني مشترك

ولم يغفل الفراعنة عن ضرورة الاهتمام بصحة أسنانهم؛ فنظفوها بكربونات الصوديوم المذابة في الماء، كما واظبوا على غسل أيديهم قبل الطعام، ولأن الصابون لم يكن متوفرًا حينها؛ فقد تمت الاستعاضة عنه بالأملاح والزيوت.

أما الإغريق فقد اعتبروا النظافة شكلًا من أشكال “فن الصحة”، وَفقًا لمدرسة أبي الطب أبُقراط، وقد عبَّروا عن ذلك بكلمة “هيجين”، المشتقة من “هيجيا” وهي “إله الصحة” في الأساطير اليونانية، والتي تعني الصحي والقوي، وكان هدفهم من الممارسات الصحية هو تحقيق توازن نوعي داخل جسم الإنسان.

في القرن السادس قبل الميلاد، استحمّ اليونانيون القدماء بأحواض النوافير في الهواء الطلق، ومع بداية القرن الخامس قبل الميلاد انتشرت الصالات الرياضية التي ضمَّت أحواضًا للاستحمام والسباحة، ومع نهايته أخذ الاستحمام طابعًا مختلفًا؛ حيث أصبح اليونانيون القدماء يستحمون بغرف مغلقة داخل حمامات عامة شكَّلت ملتقًى اجتماعيًّا، بدلًا من الاستحمام في الأماكن المفتوحة.

أدوات فرعونية خاصة بالنظافة الشخصية

كان للوفرة المائية التي تمكن الرومان من تحقيقها دور في تعميم النظافة الشخصية كسلوك راسخ؛ فقد أحدثوا ثورة في ما يتعلق بآلية نقل المياه، عبر تطوير القنوات المائية الهندسية التي أصبح بمقدورها أن توفر 1000 لتر من المياه للشخص الواحد، كما انتشرت الحمامات العامة التي تتسع لـ1600 شخص، وشيَّد الرومان آلاف النوافير وخطوط المياه والحمامات العامة، التي أصبحت وسيلة للتلاقي بين الناس؛ نساءً ورجالً. ونتيجة لتوفر المياه ومرافق الاستحمام العامة، حصل الفقراء والعبيد على حقهم بالحفاظ على نظافتهم الشخصية.

حمام عام في اليونان القديمة

النظافة اليوم

اختلفت الطقوس التي استخدمها الإنسان القديم عن طقوس النظافة المعتمدة في يومنا هذا، إلا أن النظافة لا تزال مرتبطة بتوافر المياه، التي يحصل عليها عدد كبير من سكان العالم، الذين يعتقدون أن المياه تتدفق بسلاسة عبر فتح الصنبور في كل مكان، إلا أن الحقيقة عكس ذلك في ما يتعلق بالمياه والصرف الصحي.

اقرأ أيضًا: توت عنخ آمون.. أكثر معرض جذبًا للزوار في تاريخ فرنسا

وَفقًا لآخر إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2019، فإن 2.0 مليار شخص لا يمتلكون مرافق الصرف الصحي الأساسية كالمراحيض، وما زال 673 مليون شخص يقضون حاجاتهم بالعراء. أما عن نقص المياه فقد نشر مركز “CDC” المهتم بصحة الإنسان وحمايته من الهلاك، تقريرًا يشير إلى محدودية توفر الماء والصابون في عدد من الدول ذات الدخل المنخفض، معتبرًا أن هذا المحدودية تشكل تحديًا في وجه النظافة الشخصية في تلك البلدان.

حوض استحمام مشترك في العصر الروماني

ولمعرفة تبعات هذا التحدي يجب العودة إلى تقرير منظمة الصحة العالمية ذاته، الذي يقول إن نحو 827000 شخص يموتون كل عام في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط؛ نتيجة عدم كفاية المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، التي تؤدي إلى انتشار أمراض الإسهال؛ مثل التيفوئيد والكوليرا.

فحتى مع تطور أساليب النظافة الشخصية نتيجة تحسن جودة وكمية مرافق الصرف الصحي في المنازل والأماكن العامة، إلى جانب تقنيات نقل الماء وتنقيتها وانتشار أدوات التنظيف ومواده في جزء من العالم؛ لا يزال جزء آخر يرزح تحت احتمالية الموت المرتبط بأمراض الإسهال، بسبب غياب أسياسيات تحقيق النظافة الشخصية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات