الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

النسوية في السعودية بين فريقَين

كيوبوست

نشرت وكالة الأنباء السعودية “واس” بيانًا لرئاسة أمن الدولة، قالت فيه: “إن الفيديو الذي نشرته الإدارة العامة لمكافحة التطرف برئاسة أمن الدولة بشأن مفهوم التطرف، لم يكن موفقًا من قِبَل القائمين عليه”.

تغريدة وكالة الأنباء السعودية عن بيان أمن الدولة

وتابع البيان بأن الفيديو احتوى على أخطاء في تعريف التطرف، “كما تبين أن مَن قام به ونشره تصرَّف بشكل فردي جانب الصواب؛ ما استدعى التحقيق في ذلك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة التعامل مع الإعلام الجديد؛ بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الأخطاء مجددًا”.

وأضاف البيان: “رئاسة أمن الدولة ليست جهة تنظيمية أو قضائية، كما هو منصوص عليه في النظام الأساسي للحكم والأنظمة الأساسية الأخرى”.

غير أن هذا الحدث أشعل وسائل التواصل الاجتماعي وبالتحديد “تويتر”، بين مؤيد ومستغرب ومتحفظ من تجريم النسوية، قبل أن تحسم رئاسة أمن الدولة الأمر، وتصرِّح بعدم تجريم النسوية، وأنها جهة غير مخولة بمثل هذا العمل.

اقرأ أيضًا: فرانكشتاين النسوية في السعودية

إلى ذلك، أكدت هيئة حقوق الإنسان في السعودية، وعبر حسابها على “تويتر”، أن النسوية في السعودية غير مجرمة، جاء ذلك متزامنًا مع البيان التوضيحي الذي نشرته رئاسة أمن الدولة عبر “واس”.

ومن جانبه، انتقد محمد السعيدي، الأستاذ بجامعة “أم القرى”، في تعليق له عبر حسابه في “تويتر”، رفض هيئة حقوق الإنسان تجريم النسوية، قائلًا: “جرمتموها في هيئتكم أم لم تجرموها، هذا لا يغير من الواقع شيئًا؛ فهي جريمة عند الله وعند رسوله وعند خلقه.. ويجب عليكم مراعاة المصطلحات، فالنسوية مصطلح معاصر يُطلق على هيئات تطالب بالشذوذ وزواج المثليات… وما تتحدثون عنه حقوق شرعية ليست لها علاقة بالنسوية”.

وأوضح السعيدي، في سلسلة تغريدات: “شكرًا لأكثر التعليقات.. لكن يلاحظ أن الالتباس أو التلبيس يجري بقوة بين الحركة النسوية وتصحيح الأخطاء الاجتماعية والنظامية بحق المرأة؛ والأمران منفصلان ولا علاقة بينهما، إلا أن النسوية حين تدخل إلى المجتمعات النظيفة تحاول أن تجد لنفسها مكانًا عبر بوابة الحقوق ومظلومية المرأة.. وهذا أمر سبق ونبَّه إليه كثيرون ممن هم أكثر كفاءة ومعرفة في هذا الباب منِّي”.

وتابع الأستاذ بجامعة أم القرى: “ومع ذلك يستمر النسويون والنسويات في محاولة إيهام أنهم طلاب حقوق يكفلها الدين والعرف؛ لأنهم لن يجدوا مدخلًا لهم في المجتمعات المحافظة إلا بهذه الطريقة.. ولذلك يجب الحذر والتفريق بين النسوية والحقوق الشرعية”.

اقرأ أيضًا: “اخترت أن أكون حرة”.. كتاب يفضح عالم السلفية واعتداءات طارق رمضان الجنسية

 إلى ذلك، تبادلت مجموعة من المغردين السعوديين اتهامات حول مفهوم “النسوية”؛ إذ يرى بعضهم أنها تمثل مفهومًا لحقوق النساء التي يجب أن يتمتعن بها، بينما يراها آخرون تعديًا على عادات وتقاليد المجتمع وعقيدة أفراده الدينية. وبرز اسم كوثر الأربش، عضو مجلس الشورى السعودي، كأكثر المعارضين للنسوية؛ إذ تمسَّكت بكونها شكلًا من أشكل التطرف، حيث واصلت الأربش هجومها على النسوية حتى بعد أن أعلن جهاز “رئاسة أمن الدولة” أن التعريف الرسمي للتطرف الذي صدر منه غير دقيق. وتقول الأربش، في تغريدة لها: “لكل مَن يتابعني من العالم، إذا كانت دولتنا بحكمتها لم تصنِّف النسوية تطرفًا، فالمجتمع يرفضها وينكرها؛ لأن النسويين في بلادي لا يطالبون بحقوق المرأة، بل متوجهون إلى المواطن طعنًا وسبًّا واتهامًا وتحريضًا وقذفًا وأذًى وتشكيكًا في وطنيته؛ لهذا يكرههم المجتمع بعمومه. أنظر هنا أنموذجًا”.

وكانت الأربش، تشير إلى المحامي السعودي عبد الرحمن اللاحم، الذي يعد من أبرز السعوديين المعارضين لآراء الأربش حول النسوية، وكان انتقاد اللاحم على الأربش أنها استقوت بالإعلام الخارجي على بلادها في قضية داخلية.

اقرأ أيضًا: المرأة في الحرب العالمية الثانية.. فرصة لاكتشاف الذات

وكانت عضو مجلس الشورى السعودي قد كتبت، في سلسلة تغريدات سلطت عليها بعض الصحف العالمية الضوء: “إذا لم نتمكن من تصنيف النسوية كفكر متطرف؛ لنحمي المواطنين من انتهاك كرامتهم وأعراضهم من قِبَل النسويين والنسويات، لنحمي المواطن من محاربة عبادته، وشتم مسجده ومحاربة امرأة لحجابها وحشمتها، ما ذنب المواطن يُحرم من حرية رأيه وحرية اختياراته إذا ما خالفت هوى النسويين؟”.

وأضافت الأربش: “إني أطالب هنا، عنِّي وعن كل مواطن تضرر من شتم ونيل وهتك أعراض وقذف وتهم وتحريض مَن يسمون أنفسهم نسويات ونسويين. أطالب بإنصافنا؛ فإن كانت النسوية ليست جرمًا، حقّنا في احترامنا وعدم شتمنا وانتهاك كرامتنا، حقّنا في رفض فكرهم وغلوهم وبذاءتهم ليس جرمًا أيضًا”.

واختتمت عضو مجلس الشورى السعودي تغريداتها، قائلةً: “لا يوجد عاقل متزن يقف ضد حقوق المرأة؛ لكن لسنا مجبرين على أن نصنف أنفسنا نسويين، لسنا مجبرين على الانبطاح لهم ينتهكون كرامتنا ويهدمون أُسرنا وينالون من ديننا وقيمنا. لو كانت النسوية فعلًا مصداقًا للمطالبة بحقوق المرأة، لماذا لا يقف معها الجميع؟ الجواب ببساطة؛ لأنها انتهكت كرامة الجميع”.

د. أمل صقر

وترى نائب المدير العام لمؤسسة حرف آند فاصلة، الدكتورة أمل صقر، أن “السجال الحادث هو انعكاس لفترة طويلة ظلت فيها المملكة محافظةً تجاه قضايا المرأة وحقوقها، وكان لهذا الوضع حضور وانعكاسات بارزة في التعليم وفي الثقافة وفي العمل وفي ممارسة المرأة لحقوقها، وفي الشؤون الدينية، وفي المجتمع وممارساته.. قضية المرأة وحقوقها لطالما كانت من القضايا الحساسة، والاقتراب من قضايا المرأة كان عادةً ما يواجه أصوات معارضة، وظل الإدراك المستمر أن تغيير هذا الوضع من الأمور الصعبة، والقوة المحافظة أو التي ورثت المحافظة أو اعتادت عليها لسنوات طويلة لا تقبل التغيير بسهولة، وتحاول التملُّص منه”.

وتضيف صقر: “لكن يبدو أن السلطات في المملكة لا تنوي أن تترك الأمور لما كان يحدث في السابق، وتراهن على الوقت أو الآراء التي تقف بين بين؛ بل بات من الواضح أن الموقف أصبح محددًا، وهي لا تجرم النسوية، وأن حقوق المرأة ومسيرتها تتطور والدولة تدعمها؛ وهو دليل على أن التغييرات تحدث”.

وترى الدكتورة أمل صقر أن “الجهات المحافظة لا تزال تقاوم؛ لكن موقف السلطات يقف بوضوح مع دعم المرأة وحقوقها بحزم ونيّة للتغيير، وتعبِّر عن هذا بوضوح”.

يقول الكاتب أحمد الحناكي، في تعليق لـ” “كيوبوست”: “عندما صدر تنبيه أو تحذير من مركز مكافحة التطرف في أمن الدولة ضد النسويات أحسست وقتها أن هناك خطأً ما؛ فالتصريح كان انحيازًا وغير موفق ولا يتناسب مع ما تسعى له الدولة، ممثلة في الرؤية بمشروعها الطموح”.

أ.أحمد الحناكي

وأضاف الحناكي: “بنفي أمن الدولة وشجبها التصريح، مؤولة إياه إلى اجتهاد فردي، أشعرتني كمواطن بالاطمئنان؛ فقد ولَّى عهد كان فيه بعض المسؤولين لا يتراجع عند حدوث خطأ أو تقصير في إدارته”.

وتابع الحناكي: “في رأيي الشخصي أنه لا اعتراض على الاختلاف؛ سواء على بعض الموضوعات كالنسوية، لكن أن يكون ذلك بشكل موضوعي وليس باستعداء وتأليب، وفي الأخير أتفق مع (أمن الدولة) دون شك أننا جميعًا نقف صفًّا واحدًا ضد التطرف أيًّا كان مصدره”.

واستطرد الحناكي: “في مجتمعنا تصدم بعضهم المصطلحات؛ خصوصًا تلك التي ترتبط بمفاهيم أو أصول غربية؛ مثل الليبرالية أو العلمانية أو النسوية، ومن هذا المنطلق يلعب هذا الفهم دورًا في الريبة والشك والاتهام وإطلاق الأحكام جزافًا؛ فلا العلماني أو الليبرالي أو النسويات يخالفون عقيدة أو أخلاقيات، بل بالعكس فهم يلتقون معها إيجابيًّا في كثير من الأحيان.. وكان مؤسفًا أن تعمد عضو شورى إلى موقف متحامل من النسويات دونما رأي، بل إطلاق عناوين هجومية وأوصاف لا تليق”.

د.عبدالرحمن الشقير

ومن جهته، أوضح  الباحث السعودي، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض، الدكتور عبد الرحمن الشقير، لـ”كيوبوست”، أن النسوية (Feminism) يقصد بها في أدبيات العلوم الاجتماعية، أنها “كل نشاط سياسي واجتماعي وفكري يهدف إلى تمكين المرأة في المجتمع ومنحها مزيدًا من الحقوق؛ لتفعيل دورها في خدمة نفسها وخدمة الأسرة والمجتمع والدولة، وقد برزت بوضوح في القرن التاسع عشر. وهذا وصف النسوية في حالتها المعتدلة بتبسيط واختصار؛ إذ يوجد نوع من النسوية المتطرفة/ الراديكالية؛ مثل بقية الأفكار. وبالتالي يرتبط مفهوم النسوية بصورة ذهنية إيجابية.

أما مصطلح (Feminist) فيُطلق غالبًا لوصف الناشط/ الناشطة النسوية التي ترتبط بالنشاط النسوي والفعل والاحتجاج؛ من أجل الحصول على المزيد من حقوق المرأة”. ويضيف الشقير، قائلًا: “تكتسب النسوية مشروعيتها الاجتماعية من خلال دعم الدولة لها. وقد تبنَّت المملكة سلسلة إجراءات طويلة تدعم تمكين المرأة منذ حقها في التعليم، ثم تمكينها من مجالات عمل جديدة؛ ثم تمكينها من حق قيادة السيارة وحقوق كثيرة في مجال الأسرة والتنقل وفقًا لسياسات رؤية ٢٠٣٠”.

وتابع الشقير: “مفهوم النسوية يعتبر من المفاهيم الجديدة على المجتمع السعودي والخليجي؛ ولكنه لم ينَل حقَّه منذ دخوله؛ لا بالدعم السياسي الكافي ولا بالدراسات التي يمكن أن تنقله بصورته الصحيحة، ولذلك صار واحدًا من (المفاهيم سيئة السمعة)؛ بسبب التصدي الشعبي أو الشعبوي لتحريره دون أية مرجعية علمية أو فكرية. والفرق بين تحرير المفاهيم على أُسس علمية وتحريرها دون أسس علمية كبير، ونتائجه وخيمة”

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات