الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

النسخة الثامنة من منتدى داكار.. جدلية السلام والأمن في إفريقيا تحت المجهر

الدول الإفريقية تحاول تأكيد رغبتها في الحصول على فرصة لإثبات جدوى استقلاليتها في مكافحة الإرهاب بحسب المراقبين

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

“بلادنا لا تحتاج بالضرورة إلى جيش أجنبي ليقوم بالمهمة، لدينا قوات مسلحة كافية، نحن بحاجة إلى ثلاثة أشياء أساسية: الدعم اللوجستي، والاستخباري والتدريب”، كانت هذه العبارة التي أطلقها جيمي أدوم، الوزير التشادي السابق والمسؤول الحالي بمنظومة دول منطقة الساحل السابق، خلال كلمته إلى النسخة الثامنة من منتدى داكار الدولي حول السلام والأمن في إفريقيا الذي التأم بالعاصمة يومي 24 و25 أكتوبر، بمثابة المُحدِّد الأساسي لمعالم بيانه الختامي.

المنتدى الذي افتتحه الرئيس السنغالي والرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، مكي سال، انضمت إليه نخبة من رؤساء ووزراء وسياسيين ومفكرين من جميع أنحاء العالم، حيث أعرب الرئيس السنغالي عن أمله بأن يدعم المنتدى مطلب إفريقيا للحصول على مقعد دائم ضمن مجموعة العشرين ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ودعا إلى إصلاح الحوكمة العالمية لإشراك إفريقيا وتحديث عقيدة عمليات حفظ السلام بأن تدمج بشكلٍ كامل في جهود مكافحة الإرهاب.

اقرأ أيضاً: الجيش الرواندي.. علامة إفريقية جديدة في مكافحة الإرهاب

هيمنت الأزمة الأمنية وأزمة الديمقراطية في غرب إفريقيا، على فعاليات النسخة الثامنة، الأمر الذي أتاح للرئيس السنغالي سانحة فريدة للدعوة إلى إصلاح المؤسسات الدولية، لتشمل التمثيل الإفريقي، وكذلك وفر له فرصة مماثلة لتوضيح موقف القارة تجاه أزمة أوكرانيا.

بيان المنتدى أشار إلى أهمية تنظيم حوارات وطاولات نقاش، وإجراء دراسات حول كيفية تأثير التدخلات الخارجية على أمن البلدان الإفريقية، وأن الهدف الرئيس لهذه النسخة هو النظر إلى الطرق التي تكفل للقارة عدم اللجوء إلى الدعم الخارجي فيما يتعلق بالقوة المسلحة أو المساعدات الغذائية أو أي مساعدات أخرى تمس وتنتقص وتؤثر على سيادتها.

جنود فرنسيون يتفقدون مركبات تابعة لكتيبة المشاة الثانية في النيجر، يونيو 2022- وكالات

مسؤولية الغرب

من جهتها، أشارت بينيتا ديوب، المبعوثة الخاصّة للاتحاد الإفريقي المعنية بالمرأة في السلم والأمن، إلى أنه من المهم أن تضع إفريقيا نفسها، أولاً في إطار الديموقراطية التعددية، حتى تتمكن من الحصول على مقعد دائم بمجلس الأمن وتتمتع بحق النقض، إذا لزم الأمر.

وقد استحوذت مسألة السيادة الأمنية للدول الإفريقية على مساحةٍ واسعة من فعاليات المنتدى، ومن بيانه الختامي في نفس الوقت، ما يشي بأن هذا الأمر أصبح بمثابة رغبة ملحة؛ حاضرة بشكلٍ متزايد في القارة، ما يكشف عن توجه عام لحكوماتها وشعوبها للانفصال عن التحالفات التقليدية الموروثة من الاستعمار ووضع المصالح الإفريقية على رأس سلم الأولويات.

اقرأ أيضاً: باثيلي موفداً أممياً إلى ليبيا.. هل يصلح العطار السنغالي ما أفسد الفرقاء؟

وفي السياق نفسه، شددت عيساتا تال سال، وزيرة خارجية السنغال على أن أمر تطوير حلول لمكافحة الإرهاب على الأرض الإفريقية متروك لدولها، وليس للشركاء الخارجيين، وأن أحد أهداف المنتدى يتمثل في خلق مساحة للدول الإفريقية وقادتها للمناقشة والتفكير في وضع تصورات وخطط ملموسة تمكنهم من حيازة مفاتيح التخطيط لتجاوز الأوضاع الراهنة من أجل مستقبل مشرق للقارة.

وأثار الرئيس السابق للنيجر، محمد إيسوفو، مسألة تفرقة الشركاء الغربيين بين إفريقيا وأوكرانيا، حيث أشار إلى الدعم الهائل المقدم للأخيرة، مقابل غل الأيدي عن تقديمه إلى منطقة الساحل التي ابتليت بعنف الجهاديين، على حد تعبيره.

وشدد إيسوفو بأن زعزعة الاستقرار في الساحل ناجم عن التدخل الأجنبي في ليبيا، فلولاه لما وجدت المنطقة نفسها في الوضع الذي نشهده اليوم، ولفت إلى ما سماها بالعواقب الوخيمة للتبعية العسكرية على سيادة الدول الإفريقية على أراضيها.

محاولة لإنقاذ شرطي من النيجر، أصيب في هجوم إرهابي 2022- وكالات

لم يأتِ بجديدٍ

بالنسبة للمحلل والباحث السياسي المتخصص في الشأن الإفريقي مصطفى شيخ برنوما، فإن البيان الختامي للنسخة الثامنة من منتدى داكار، لم يأت بجديد، وإنما عبّر عن أشواق وأحلام الشعوب الإفريقية في التمتع بسيادتها والاستقلال بقراراتها، وهذه حقوق طبيعية ينبغي أن تحصل عليها كل الدول المستقلة، لكن للأسف لا يزال استقلال الكثير من دول القارة اسمياً، وبالتالي فإن جهود مكافحة الإرهاب التي تقودها جيوشاً خارجية لا تجد حاضنات شعبية، بل في كثير من الأحيان تتعاطف الشعوب الإفريقية مع أبناء جلدتهم من قادة الجماعات الإرهابية، باعتبار أن العدو الحقيقي هي تلك الجيوش القادمة من وراء البحار لاستعمار بلدانهم من جديد، لذلك فلن تنجح هذه الجهود ما لم تخرج القوات الأجنبية من إفريقيا.

د.مصطفى شيخ برنوبا

يضيف شيخ برنوبا متحدثاً لـ”كيوبوست”، بطبيعة الحال لم يتناول البيان الختامي هذه الجزئية بهذه الطريقة المباشرة، لكنه أشار إليها بوضوح حين طالب بدعمٍ مالي ولوجستي، وتقديم خدمات التدريب والاستخبارات، وترك أمر الحرب للجيوش وقوى الأمن الوطنية، وهذا لا يعني بالضرورة الذهاب مستقبلاً إلى قطع العلاقات مع الشركاء الذين يظل دعمهم مهمًا للغاية في السياق الحالي، ولاسيما في غرب إفريقيا، حيث يتزايد التهديد الإرهابي، لكن الدول الإفريقية تؤكد الآن رغبتها في الحصول على فرصة لإثبات جدوى استقلاليتها في مكافحة الإرهاب، وما تجربة الجيش الرواندي ببعيدة عن الأنظار إذ حقق في فترة وجيزة نجاحات كبيرة عجزت عنها برخان وتوكوبا وقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، لذلك ينبغي الاستفادة من هذه التجربة المثيرة، ودعم الجيوش الإفريقية، وتأهليها للقيام بأدوارها دون تدخل خارجي مباشر.

اقرأ أيضاً: “مذبحة تلاتايت”.. هل يكرر “داعش” مأساة الرقة في شمال مالي؟

بيان بلغة ناعمة

عبد الرحمن فاروق

من وجهة نظر الصحفي والمحلل السياسي، عبد الرحمن فاروق، فإن البيان جاء مختزلاً ودبلوماسياً، ولم يستند إلى حيثيات الحوارات والنقاشات التي دارت خلال فعاليات اليومين، وإلا لكان أثار الكثير من الجدل واللغط.

ولفت فاروق في حديثه لـ”كيوبوست”، إلى أنّ اللغة الناعمة سمة من سمات البيانات الختامية على الدوام، وأنها في كثير من الأحايين تُلخص النقاشات بشكلٍ مُخل وتتجنب المسائل التي تثير الخلافات، وهذا يعني تأجيلاً لها، وبالتالي دفن للرؤوس تحت رمال الصحراء الإفريقية المتحركة على وقع العمليات الإرهابية، إذ كان من الممكن أن يطالب البيان الختامي بشكلٍ صريح القوات الأجنبية والأممية بالانسحاب الكامل من عمليات مكافحة الإرهاب، وتخصيص الإمكانيات والأموال التي تحت تصرفها أو جزء منها لتدريب وتأهيل الجيوش الإفريقية الوطنية للقيام بهذه المهام.

وزيرة خارجية السنغال، عيساتا تال سال

وأشار فاروق إلى أن فعالية القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة في محاربة الإرهاب وحماية المدنيين كانت محدودة للغاية إن لم تكن معدومة تماماً، لذلك لم تجد دعوة وزيرة الدولة الفرنسية للتنمية والفرنكوفونية، كريسولا زاكاروبولو، إلى تضامن “تضامن” القارة مع الأوروبيين في مواجهة الهجوم الروسي على أوكرانيا صدىً في المنتدى، بل فسرها البعض على أنها تستبطن أمراً للحكومات الإفريقية بتبني وجهة النظر الأوروبية، فيما اعتبرها آخرون توبيخاً.

يواصل فاروق: ربما لدى البعض انطباع بأن إفريقيا لا ترى الحرب في أوكرانيا إلا من خلال مصالحها، وهذا أمر خاطئ، حيث عبرت معظم الدول الإفريقية عن تعاطفها مع معاناة السكان، لكن لا يمكن لأحد أن يفرض عليها موقفاً سياسياً بعينه، خاصة وهي ترى كيف تسخو الدول الغربية على أوكرانيا بالسلاح المتطور والأموال المهولة، بينما تشيح بوجهها عن الوضع في منطقة الساحل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة