الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

الميليشيات الشيعية العراقية على أبواب اقتتال داخلي – شواهد وأسباب

حرب أهلية محتملة في العراق تنحصر بين المنظمات الشيعية

ترجمة كيو بوست –

“بعد هزيمة داعش، وتراجع النشاط السني إلى حد كبير، قد تنخرط الأحزاب الشيعية المسلحة في حرب داخلية مروعة، سعيًا للاستحواذ على موارد الدولة العراقية، في ظل السخط الشعبي المتواصل”، هذا ما ذكره الكاتب المؤلف “رانج آلادين” في مقالته في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية.

لقد أخفقت النخبة السياسية العراقية الحاكمة في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين، الذين يعانون من الفقر المدقع والصراعات الداخلية. وقد فشلت كذلك في معالجة الانقسامات السياسية والاجتماعية، وصياغة إطار وطني يوحد البلاد. من شأن ذلك كله أن يمهد الطريق أمام حرب أهلية مدمرة، ذات طبيعة مختلفة، تتصارع فيها الجماعات الشيعية المتنافسة للسيطرة على العراق، بعيدًا كل البعد عن الخلاف الأيديولوجي بين الشيعة والسنة.

اقرأ أيضًا: مؤسسة أمريكية تكشف معلومات صادمة حول وكلاء إيران في المنطقة العربية

بعد انتخابات مايو/أيار 2018، كان من المفترض أن يتحول العراق إلى صفحة جديدة؛ صفحة ما بعد داعش، وما بعد الطائفية، ليقوم السياسيون بمعالجة حالة الاستقطاب المروعة، والقضاء على الفساد المستشري، وإنهاء عدم الاستقرار القائم على العنف، لكن الأمور ازدادت سوءًا أكثر من أي وقت مضى. لقد رأى العراقيون أن سلسلة الإصلاحات التي أقرتها الحكومة رمزية ولا تقنع الشارع العام، ولا ترتقي إلى مستوى طموح الشعب الذي انتظر أكثر من 15 عامًا للإصلاح.

 

نقمة شعبية على إيران

بعد إجراء الانتخابات، خرجت مظاهرات حاشدة في معظم أرجاء جنوبي العراق، بما في ذلك البصرة، التي أحرق فيها المتظاهرون مباني المجلس الإقليمي، والقنصلية الإيرانية، فضلًا عن اقتحام مباني الأحزاب السياسية. حينها، ردت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والقوات العراقية بالقوة المميتة وانتهكت حقوق الإنسان بشكل صارخ. من الواضح أن البلاد أصبحت على حافة هاوية، قد نشهد فيها قريبًا حربًا أهلية جديدة مروعة.

فإلى جانب الاستقطاب السياسي والاجتماعي، يعاني العراق حاليًا من تراكم الأسلحة الإيرانية الخطيرة، وازدياد نشاطات المنظمات العسكرية الشيعية المتصلبة، وغياب المؤسسات الحيوية الفعالة، والأهم من ذلك كله، نشاط السلطات البديلة المتعددة التي حلت محل الدولة العراقية.

اقرأ أيضًا: كيف وصلت الدبابات الأمريكية إلى الميليشيات الإيرانية في العراق؟

 

حُكم القبائل وإبعاد مؤسسات الدولة

إن من أخطر الظواهر التي ستعجّل في اقتراب الحرب الأهلية العراقية الجديدة هي ظاهرة “السلطات البديلة”، التي ألغت فعليًا هالة الدولة العراقية بمؤسساتها المختلفة. تتمثل هذه السلطات البديلة بالتنظيمات العسكرية الشيعية، المدعومة من طهران، التي جعلت الكثير من المجالات خارج نفوذ وسيطرة الحكومة، لا سيما في مناطق الجنوب الشيعية. وقد ترتب على ذلك توزيع السلطة بين الأحزاب، والميليشيات، والقبائل، ورجال الدين، في تغييبٍ كاملٍ لمؤسسات الدولة الرسمية.

 

اختلاف وجه الصراع: شيعي – شيعي وليس شيعي – سني

تركزت الحرب الأهلية العراقية منذ عام 2003 حتى هذا اليوم حول الخلاف السني – الشيعي على نطاق واسع، ولكن في المرحلة المقبلة، سيتمحور الصراع بين الفصائل الشيعية القوية المتنافسة، الغنية بالموارد، ذات القدرات القتالية العالية، التي تحاول الهيمنة على الحكومة العراقية، كل لصالح أجندته الخاصة.

 

التنافس بين الشيعة

لا بد من التذكير أن تنظيم الدولة الإسلامية صعد عام 2014 نتيجة للفراغ السياسي والأيديولوجي الذين كان ولا يزال موجودًا حتى اليوم. لقد استفاد التنظيم كثيرًا من شعور السنة العراقيين بالتهميش المتزايد، لا سيما في ظل الفساد والخلل الوظيفي الحكومي الممارس ضد الطوائف السنية في مختلق المحافظات العراقية. هذا الاستياء السني العميق لا يزال قائمًا حتى هذه اللحظة، لكن من غير المرجح أن يقوم العرب السنة، بعد هزيمة داعش، بالتعبئة في المستقبل المنظور؛ فهم يشعرون بالتعب والإرهاب من حروب الميليشيات الشيعية غير المحدودة.

ولهذا، يمكن الجزم بأن الحرب الأهلية المقبلة ستكون حصرًا بين الخصوم الإسلاميين الشيعة. لقد سيطرت هذه الجماعات الشيعية على أقوى المناصب الحكومة في العراق ومؤسساتها الأمنية منذ عام 2003، بل وتبنّت نموذج “الميليشيات” لتأمين موارد حكومية كبيرة لصالحها. في الحقيقة، إن الميليشيات الشيعية أقوى من القوات المسلحة العراقية، التي انهارت في مواجهة هجوم داعش عام 2014.

اقرأ أيضًا: كيف ننظر إلى الميليشيات الإيرانية في المنطقة العربية؟

إن الميليشيات الشيعية لا تخضع لسيطرة الحكومة، لكنها متحصنة داخل مؤسسات الدولة وتستغل مواردها بشكل متواصل. من أقوى هذه الميليشيات وأقدمها، لواء بدر الذي تأسس في إيران في الثمانينيات. يتولى لواء بدر حاليًا قيادة الشرطة الاتحادية، ويرأس وزارة الداخلية منذ عام 2003. بعد سقوط صدام حسين، خاض لواء بدر معارك دامية مع قوات المهدي التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر.

أما حزب الدعوة الإسلامي، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الشيعي حيدر العبادي، فلا يمتلك ميليشيا خاصة به، لكنه أساء استخدام سيطرته على القوات المسلحة، من أجل قمع منافسيه من الشيعة، كما عمل على تسليح فصائل شيعية قبلية مختلفة.

في الواقع، الخصومات بين الفصائل الشيعية سبقت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. كانت الصراعات الدموية بين الأحزاب الشيعية المتناحرة تتطلب وساطة مكثفة من القادة السياسيين والدينيين، وفي بعض الحالات، تمت الاستعانة بقوى خارجية مثل إيران. في عام 2005، اضطر آية الله السيستاني، رجل الدين الشيعي البارز، إلى التوسط بين الجماعات الشيعية المتنافسة. لقد تجنب العراق صراعًا دينيًا شيعيًا داخليًا واسع النطاق في ظل التمرد السني القوي الذي أعقبه ظهور القاعدة وداعش. ولكن بعد أن تراجع النشاط السني في البلاد، أصبحت تهديدات الاقتتال الشيعي – الشيعي كامنة وقابلة للانفجار في أي وقت.

لقد تحول التنافس الشيعي الداخلي على موارد الدولة إلى لعبة محصلتها صفر. فعلى عكس الماضي، لا تستطيع الفصائل الشيعية اليوم الاستمرار في تقاسم موارد الدولة فيما بينها، في ظل السخط الشعبي المتصاعد ضدها. قدمت هذه الفصائل وعودًا فارغة للشعب الغاضب في عدد من المناسبات، لكنها لن تثمر في تهدئة الجماهير بعد اليوم. وعلى ضوء هذا، يتمثل الخطر الحقيقي في أن يستفرد فصيل شيعي واحد بالخزينة الحكومية، ويستغل عملية الإصلاح بشكل حصري في السنوات القادمة، على حساب المجموعات الشيعية الأخرى، ما سيقود إلى صراعات سياسية تتطور تدريجيًا حتى الوصول إلى الاقتتال المسلح.

اقرأ أيضًا: إيران تحول العراق إلى قاعدة صواريخ أمامية

لغد تغير المشهدان السياسي والأمني في العراق منذ عام 2003. قد تبدو قوات الحشد الشعبي تابعة للحكومة من الناحية الظاهرية، لكن الواقع يثبت أن ميليشيات إيرانية مستقلة هي من تقود هذه المنظمة المظلة، التي سيطرت على الحكومة بشكل كامل.

هذه المنظمة لا تخضع فعليًا للحكومة، ولها تاريخ من العنف المميت ضد الجيش العراقي، وهي تعمل الآن مكان القوات الحكومية. ونتيجة لهذا، اشتدت حدة التوتر بين العبادي (القائد العام للقوات المسلحة) وقيادة قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران. وفي الآونة الأخيرة، حذرت قوات الحشد الشعبي القوات العراقية من التدخل في السياسة. وما هو مؤكد، هو أن الجيش العراقي سيخسر أي معركة محتملة مع الحشد الشعبي وميليشياته الشيعية.

 

المصدر: مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة