الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

المولد النبوي بتونس.. القيروان تتزين و”الزقوقو” سيد الأطباق

الاحتفال بالمولد لم ينقطع في تونس بشكلَيه الرسمي والشعبي منذ العهد الحفصي.. وللتونسيين طقوس خاصة في هذا اليوم

كيوبوست

تحتفل تونس، كسائر الدول الإسلامية، بذكرى المولد النبوي، في الـ12 من ربيع الأول من كل سنة هجرية، والذي يصادف هذه السنة الثامن من أكتوبر من السنة الميلادية. ورغم أن كل محافظات البلاد تحتفل بهذا اليوم بطرق مختلفة؛ فإن المولد النبوي بمحافظة القيروان له مذاق لا يشبه أية مدينة تونسية أخرى، لأسباب تاريخية ودينية عدة جعلت منها وجهة مئات الآلاف من التونسيين والعرب؛ لا سيما دول الجوار في هذه المناسبة من كل عام، إلى جانب الأكلات المعدة خصيصاً لهذا اليوم؛ بعضها تنفرد به تونس عن غيرها.

وتتزين شوارع القيروان، سنوياً، بأبهى حلة وتبدو في أجمل صورة بمعالم الزينة التي تعم مختلف الشوارع والأنهج والساحات وتتعالى المدائح والأذكار النبوية في المساجد والجوامع والمقامات والزوايا؛ حيث تصدح جميعها بصوت الذكر والصلاة والمديح للنبي محمد، إحياء لذكرى مولده.

ذكرى المولد النبوي

وتعتبر هذه المظاهر الاحتفالية التي تميز المدينة قبلة مفضلة للتونسيين وبعض العرب في هذه المناسبة؛ إذ يتوافد مئات الآلاف من الزوار على مدينة الأغالبة؛ لإحياء ذكرى المولد النبوي، والاستمتاع بالأجواء الروحانية، ويتوقع أن يتوافد هذه السنة أكثر من مليون وخمسمئة زائر من تونس وخارجها.

اقرأ أيضاً: جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

معالم تاريخية

وخلال الزيارة يطلع الوافدون على معالم القيروان التاريخية والحضارية على غرار جامع عقبة بن نافع وفسقية الأغالبة، ومقام الصحابي أبي زمعة البلوي، المعروف في تونس بسيدي الصحبي. وتقول الروايات إن مقام أبي زمعة البلوي يحتضن رفات الصحابي أبي زمعة البلوي، الشهير باسم حلاق الرسول، كما تفيد الروايات نفسها أنه دفنت معه شعرات للرسول الأكرم.

وتعم أرجاء المدينة حركة تجارية واقتصادية وتجارية وسياحية يستفيد منها تجار المدينة؛ إذ تُقام المعارض وتُعرض فيها منتوجات تقليدية ذات طابع قيرواني، على غرار الأواني النحاسية، والفخاريات، والمفروشات القروية “المرقوم” ذات الصيت الواسع، والحلي المرصع بالعنبر، بالإضافة إلى عرض أنواع مختلفة من الحلويات القيروانية، والتي يتصدرها “المقروض”.

وحسب المؤرخين، فإن بداية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف انطلقت مع الدولة الفاطمية عند توطينها بالمهدية والقاهرة ضمن ما يُسميه الفاطميون بالمواليد الستة، واستمر ذلك وترسخ في العادات والتقاليد التونسية حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية.

عبدالباسط الغابري

ويقول الباحث في مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان الدكتور عبدالباسط الغابري، إن “الاحتفال بالمولد لم ينقطع في تونس، بشكلَيه الرسمي والشعبي، منذ العهد الحفصي إلى هذا اليوم، إلا خلال سنوات متناثرة بين الحربَين العالميتَين. وكان أول احتفال تونسي رسمي بالمولد يرجع إلى العهد الحفصي وتحديداً في ظل عهد السلطان أبي فارس عبدالعزيز، الذي حكم بين سنتَي 1394 و1434 ميلادية، وقد اصطبغت طقوس الاحتفال في ذلك العهد بطابعَين أحدهما جمالي وفني والثاني اجتماعي وإنساني. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم ما زال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يحمل في طياته دلالات التضامن والتصالح والجمال”.

الزقوقو حلوى المولد

ولا تتوقف مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي لدى التونسيين سنوياً عند هذا الحد؛ إذ يرتبط هذا اليوم ببعض المأكولات التي تنفرد بها تونس وتحضر خصيصاً لهذه المناسبة على نطاق واسع في البلاد. وتعد “عصيدة الزقوقو” التونسية الأكلة الفاخرة التي يحتفل من خلالها غالبية العائلات التونسية بالمولد النبوي الشريف. و”عصيدة الزقوقو” أكلة تنفرد بها تونس ويتم إعدادها أساساً من الحبات التي يتم استخراجها من شجرة الصنوبر الحلبي؛ وهي أشجار تنتشر في مناطق الشمال الغربي التونسي. هذا إلى جانب ما يُطلق عليه اسم “العصيدة البيضاء”، وهي عبارة عن خلطة للدقيق والماء تُطهى حتى تتماسك، ثم يُضاف إليها زيت الزيتون، والعسل والتمر لتزيينها، وتكتسب مذاقاً رائعاً.

اقرأ أيضاً: المؤرخ بوتشيش: هذه حقيقة الزوايا الصوفية في المغرب

ورغم القيمة الغذائية التي تتميز “عصيدة الزقوقو” بها وطيب مذاقها، فإن لظهورها طرافة وتاريخاً ارتبط بفترة مجاعة عاشها التونسيون في أواخر القرن التاسع عشر.

الزقوقو أكلة المولد في تونس

يقول المؤرخ التونسي عبدالستار عمامو، إن “عبارة “الزقوقو” تسمية شعبية، ولم يكن التونسيون يعتمدون على الزقوقو كمادة غذائية إلا خلال عام 1864 إبان ما يُعرف لدى التونسيين بثورة علي بن غذاهم؛ إذ رافقت تلك الثورة حالة حادة من الجفاف، ما اضطر سكان الشمال التونسي إلى استهلاك الزقوقو، الذي يتشابه في تركيبته مع حب الدرع. وانتهى استهلاك الزقوقو في نهاية المجاعة ولم ترجع عادة استهلاكه إلا خلال السبعينيات من القرن الماضي، ليصبح مثل الموضة التي انتشرت بين العائلات. وصار استهلاكه دلالة على الرفاه الاجتماعي لارتفاع كلفته.

وأضاف عمامو أن “تونس هي البلد الوحيد الذي يستعمل الزقوقو، ويصنع منها العصيدة، ومن المفارقات أن تونس العاصمة والمدن الكبرى كانت تربط بين (عصيدة الزقوقو) والفقر؛ لارتباطها بفترة المجاعة، في حين أصبح الجميع يتهافت عليها لاحقاً رغم تكاليفها الباهظة”.

عبدالستار عمامو

وأصبحت الأكلة التي لطالما ارتبطت في ذاكرة التونسيين بالمجاعة، مكلفة جداً، ويشهد سعر كيلوغرام “الزقوقو” سنوياً، ارتفاعاً ملحوظاً؛ إذ بلغ هذه السنة 37 ديناراً (قرابة 13 دولاراً)، فضلاً عن أسعار الفواكه الجافة ولوازم التزيين العالية هي الأخرى؛ ولكن رغم التكلفة الباهظة لـ”عصيدة الزقزقو”، فإن التونسيين لا يتنازلون عنها حتى في ظل تدهور مقدرتهم الشرائية في السنوات الأخيرة.

اقرأ أيضاً: بدعمٍ إماراتي.. مسجد النوري يجمع شتات المصلين في الموصل

عرفت عصيدة الزقوقو تطورات كبيرة من ناحية طرق إعدادها أو من ناحية المواد التي أُضيفت إليها؛ حيث أصبحت تُضاف إلى عجينة الزقوقو فواكه جافة من قبيل اللوز والبندق والفستق. ويعتقد أن مرد هذه الإضافات هو القطع مع ارتباط العصيدة بالمجاعة والجفاف.

و”الزقوقو” هي ثمار الصنوبر الحلبي؛ تكون في شكل مخاريط حاملة للحبوب يتم تجميعها واستخراج ثمارها باستعمال الأفران التقليدية. وتمتد غابة الصنوبر الحلبي على مساحة 300 ألف هكتار في محافظات الكاف وسليانة والقصرين.

ثمرة الصنوبر من أكلة المجاعة إلى رمز الرفاه

وتعتبر محافظة سليانة أهم مركز إنتاج وتخزين لمادة الزقوقو؛ إذ يبلغ إنتاجها نحو 60 طناً سنوياً من حبوب “الزقوقو” المتأتية من غابات الصنوبر التي تمتد على مساحة 60 ألف هكتار. ويضطلع إنتاج مادة “الزقوقو” أو ثمار الصنوبر الحلبي بدور اقتصادي واجتماعي كبير في هذه المدن؛ إذ يمثل مورد رزق لآلاف العائلات بشكل مباشر وغير مباشر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة