فلسطينيات

الموقف التركي من القضية الفلسطينية: دعم أم متاجرة؟

خيبة أمل فلسطينية بعد تبدّل المواقف التركية

خاص كيو بوست – 

في مايو 2010 هاجمت قوة خاصة من البحرية الإسرائيلية، سفينة “مافي مرمرة” التركية، واعتدت على متضامنين ونشطاء سلام كانوا على متنها، مما أسفر عن سقوط 10 قتلى من الأتراك وعشرات الإصابات.

أثار العدوان الإسرائيلي حفيظة عدد من دول العالم، بما فيها تركيا، التي سعت إلى تدويل القضية، وقامت بنقل الملف إلى مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية.

وفي مايو 2014 أصدرت محكمة الجنايات في إسطنبول، مذكرات بقرارات اعتقال عدة طالت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وقائد البحرية الإسرائيلية، ورئيس قسم الاستخبارات العسكرية، ورئيس دائرة الاستخبارات في البحرية الإسرائيلية.

وقد أدى ذلك الهجوم أيضًا إلى تدهور في العلاقات الإسرائيلية-التركية، قام الفلسطينيون على إثره بتشييد نصب تذكاري للشهداء الأتراك على شاطىء غزة.

اتخذّت قضية الاعتداء على سفينة “مافي مرمرة” أبعادًا خارجية في السياسة التركية، وهو ما ظهر جليًا في خطابات الرئيس أردوغان تجاه الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث صعّدت تركيا إعلاميًا من الحملة المناوئة للحصار الإسرائيلي. وكان من شروط إعادة تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية، بحسب ما صرّح به أردوغان أكثر من مرّة: “رفع الحصار الجائر عن القطاع”.

لاقت التصريحات الإعلامية التركية ترحيبًا من قبل الفلسطينيين، بعدما تأملوا دعمًا قويًا من الدولة التركية لصالح قضيتهم، وبنوا آمالهم على العديد من المواقف، وأهمها مغادرة الرئيس رجب طيب أردوغان لقمة “دافوس” الاقتصادية بعد مشادة كلامية حادة ونادرة مع الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيرس.

 

عداء إعلامي وازدهار في العلاقات الاقتصادية

طوال سنوات أزمة السفينة مرمرة، ظلّ الموقف التركي المعادي لإسرائيل منحصرًا في التصريحات الإعلامية؛ ففي الوقت الذي أعلن فيه عن قطع العلاقة بين تركيا وإسرائيل، كان ميزان التبادل التجاري يشهد ارتفاعًا غير مسبوق بعد وقوع حادثة السفينة مرمرة. وبحسب صحيفة المصدر الإسرائيلية، فقد كان حجم تصدير البضائع عام 2012 من إسرائيل إلى تركيا حوالي 1.3 مليار دولار، بينما كان في العام 2011 (وقت توتر العلاقات) 1.84 مليار دولار، أي بزيادة مقدارها 30%.

ضحايا مرمرة

كما بينت الإحصاءات تواصل نمو الميزان التجاري بين البلدين، بعد سنوات الأزمة، فقد احتلت تركيا المرتبة السادسة على مستوى العالم، في قائمة التصدير الإسرائيلية، بمبلغ وصل إلى 4 مليارات دولار سنويًا. واعتمدت تركيا على استيراد المواد الخام من إسرائيل، والمواد الكيميائية والمعادن والآلات، كما استوردت إسرائيل من تركيا بشكل أساسي، السيارات والحديد والملابس.

ترافق نمو العلاقات الإسرائيلية–التركية مع خطابات إعلامية أرهفت سمع الشارع الفلسطيني في غزة، فقد خرجت الكثير من المظاهرات في مناسبات متفرقة، رفع فيها الفلسطينيون صور الرئيس أردوغان، وسط وعود منه بتبني قضية الحصار الجائر المفروض على القطاع، ومقايضته بإعادة تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال.

 

نهايات الموقف التركي.. خيبة أمل

استطاع الرئيس أردوغان تتويج نفسه كمعبّر عن مطالب الفلسطينيين، عبر التصريحات التي ألقاها في ظل أزمة السفينة مرمرة، ولاقت تصريحاته الكثير من الإعجاب من قبل العرب والفلسطينيين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، حتى قفز بعضهم لتنصيبه “خليفة” للمسلمين كافة، مما ساعد في مد النفوذ التركي باتجاه عدد من الأحزاب، خصوصًا الإسلامية منها. وبنى الرئيس أردوغان بناءً على مواقفه الإعلامية، قاعدة شعبية ممتدة في الشارع العربي، بل وصار الكثير من الإعلاميين العرب والسياسيين يتبنون وجهة نظر السياسة الخارجية التركية، بما فيها السياسات التي دعمت من خلالها إرهابيين في دول عربية أخرى، مثلما حدث في مصر وسوريا وليبيا، في سنوات الربيع العربي.

إلّا أن كل ذلك اختلف، مع إعادة تطبيع العلاقات الإسرائيلية-التركية، وانتهاء أزمة مرمرة في يونيو 2016، والتي اشتملت بنودها على ما يضر الفلسطينيين، بدلًا من دعمهم؛ فقد استبعد أردوغان من شروط إعادة التطبيع قضية رفع الحصار، كما أسقط مطالباته السابقة بإقامة ميناء بحري فلسطيني، واكتفى بإرسال معونات إنسانية، تمر عبر الموانىء والمعابر الإسرائيلية ليتم تفتيشها بدقّة، على الرغم من أن إيصال المساعدات بهذه الطريقة، يخدم أهداف الاحتلال من خلال شرعنة الحصار.

صالح عاروري

كما تضمنت بنود الاتفاق، طرد قيادات حركة حماس من تركيا، خصوصًا القيادي صالح العاروري، تلبية للإملاءات الإسرائيلية، الأمر الذي أثار حفيظة آخرين من حماس، اعتبروا السقف التركي في المفاوضات منخفضًا بعكس ما كانوا يأملون من حليفهم. على أية حال، اتفق الجميع على أن الاتفاق التركي الإسرائيلي جاء من أجل مصالح تركيا فقط، مع تهميش مصلحة الفلسطينيين من بنوده.

وترتب على الاتفاق إسقاط الدعاوى القضائية ضد مسؤولين إسرائيليين، كانوا على علاقة بقتل المواطنين الأتراك المتواجدين على متن السفينة، مقابل تعويضات مالية تدفعها إسرائيل لأسر الضحايا.

 

صدمات تركية متتالية

أثارت بنود الاتفاقية تنديدًا داخليًا تركيًا، فقد هاجمته “هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية” المسؤولة عن تنظيم أسطول الحرية، الذي كانت سفينة مرمرة جزءًا منه. وقالت الهيئة في بيان لها بأن الاتفاق “يشكل وللأسف الشديد اعترافًا تركيًا بالحصار المفروض على قطاع غزة”. واعتبرت الهيئة التركية أن “الغموض يلف عددًا من نقاطه”، ومن تلك البنود التي لفها الغموض حسب البيان: “نوعية وكمية المواد التي ستسمح إسرائيل لتركيا بإدخالها”!

إلا أنّ رد أردوغان على بيان المنظمة، بحسب ما نقتله صحيفة ديلي صباح التركية، مثّل تخليًّا من أردوغان عن أهداف المنظمة التي جيّرت السفن لفك الحصار، إذ قال بحسب الصحيفة: “هل سألتموني قبل تنظيم الأسطول؟ هل طلبتم الإذن؟”

وأضاف أردوغان: “عندما تنظمون أسطولًا عليكم أن تسألوني. هل طلبتم الإذن من رئيس الحكومة قبل إبحار أسطول المساعدات الإنسانية من تركيا إلى غزة؟”

كان رد أردوغان بمثابة اعتراف بعدم علم ومسؤولية الحزب الحاكم عن تنظيم الأسطول من الأساس، إلا أنه وبحسب متابعين، قام باستغلال حادثة الأسطول، لتحقيق مكاسب في المفاوضات من أجل الظهور بمظهر القوي في السياسة الخارجية التركية.

تجاوز أردوغان لقضية الحصار، لم تكن الصفعة الوحيدة التي تلقاها الفلسطينيون من تركيا، ففي 2 مايو من العام الجاري، امتنع المندوب التركي لدى “اليونكسو”، عن التصويت لصالح مشروع قرار تبنته المنظمة لسحب السيادة الإسرائيلية عن مدينة القدس الشرقية المحتلة منذ عام 1967.

وقد وصفت المعارضة التركية الاصطفاف التركي في التصويت لصالح إسرائيل، وضد الحقوق الفلسطينية، بأنه جاء اختبارًا للشعارات التي يرفعها “حزب العدالة والتنمية” الحاكم، ورئيسه أردوغان، للمتاجرة بالقضية الفلسطينية.

منشاة إسرائيلية لاستخراج الغاز من البحر

إضافة إلى ذلك، لوحظ ارتفاع في عدد البعثات الاقتصادية التي قام بها رجال أعمال أتراك إلى إسرائيل، وأثمرت عن توقيع اتفاقيات استراتيجية مهمة، كاتفاقية الغاز التي تصدّر إسرائيل بموجبها الغاز إلى تركيا.

صفعة أخرى تلقاها الفلسطينيون من حكومة أردوغان؛ ففي بداية العام، نفذ الفلسطيني فادي قنبر، عملية دهس استهدفت جنودًا إسرائيليين في القدس. ورغم أن المستهدف كان جنود احتلال، وليس “مدنيين”، إلّا أن رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدرم، أدان في اليوم التالي العملية.

كما أدان نائبه، محمد شيمشيك، العملية، واصفًا إياها بـ”العملية الإرهابية الحقيرة”، وأضاف: “إن الإنسانية تستحق أن تتحد الدول ضد الإرهاب دون أعذار”. هذا الأمر أثار حفيظة الفلسطينيين لوصف مقاومتهم بالإرهاب، ومحاولة مساواتها بتنظيم داعش الإرهابي. كما استغرب الفلسطينيون من السياسة التركية التي تسوّق لوجهة نظر الاحتلال، بخلاف المواقف الدعائية المعلنة على الملأ!

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة