الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربيةمقالات

الموسوعي محمد العبودي.. الرَّحالة الذي لم يذهب للسياحة قط

كيوبوست

خالد العضاض♦

علم في السماحة والتسامح، يألف ويؤلف، يشدك فيه سلاسة الحديث وتدفقه، والثروة اللغوية الهائلة في فصيح حديثه وعاميته، إضافة إلى بساطته المتناهية في تعامله ومظهره، الذي يشع أناقةً رغم عدم التكلف؛ هذا أول ما يأسرك في الرَّحالة الذي لم يذهب للسياحة قط، والذي أطلق على إفريقيا لقب الخضراء بدلاً من السوداء؛ لعادة لغوية في تسمية ووصف سحنة البشر في منطقته القصيم.

ما يذهلك حقاً هو الذاكرة الحية التي تمتح من عمق معرفي وموسوعي نادر، والتي يتميز بها الرجل رغم كبر سنه الذي نيف على المئة عام، ولا يمكن أن يوصف بأروع مما وصفه الدكتور إبراهيم التركي، أنه: يعرفك بنفسك وأصلك وفصلك وناسك، وأنه يعرفك أكثر منك.

غرَّد الدكتور عبدالسلام الوايل، تأبيناً له، وقد أنصفه كثيراً عند مَن يعرفه معرفةً غير متعمقة، حينما قال:

(أحد الأعلام الكبار الذين مثلوا مرحلة ما قبل التنظيم المؤسسي للمعرفة العلمية في البلدانيات؛ تلك الجواهر التي نضدت المشروع الفريد المعنون بالمعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية، كم يغيظني أن تغلب صفته كرحَّالة على صفته كعالم ومنتج لمعاجم في البلدانيات واللهجات والأسر)، وصدق الوصف؛ فهو عالم موسوعي متفنن في مجالات علمية ومعرفية متعددة: فهو بلداني (جغرافي) ومؤرخ، ولغوي، وعالم في الأنساب، وعالم شرعي متمكن، بالإضافة إلى كونه رجل دولة من طراز فريد، ثم رحَّالة، يحق لنا أن نصفه برحالة العصر، وشخصيته كعلومه من ثراها تجد أنه من الصعوبة بمكان حصرها في توصيفٍ محدد.

وصفه العلامة اللغوي أبو أوس إبراهيم الشمسان، فقال: (تسمع الشيخ يتحدث بطلاقة وهدوء كأنه يقرأ لك من كتاب فلا يخرم اسماً ولا يتلجلج في عبارة ولا تعرض له حبسة، والأسماء على قدمها حاضرة والتواريخ كأنها مبسوطة أمامه لا يتمهل لتذكرها؛ حتى كان هذا الأمر من دواعي دهشة مَن لا يعرف الشيخ وما تعود استماع برنامجه الإذاعي الممتع عن الرحلات، كان هذا من دواعي تعليق طريف لإحدى الزميلات حين قالت إنك أيها العلامة آية من آيات الله وإنك رزقت نعمة حفظها الله عليك ولا يكون هذا عادة إلا لفعل حسن يعتاده المرء، ثم سألت فما ذلك العمل؟ وكان من جوابه حين أجاب أنْ لعل ذلك من محبة الخير للناس).

ذلكم هو العالم الموسوعي المتفنن الشيخ محمد الناصر العبودي -رحمه الله- الذي ولد في مدينة (بريدة) عام 1345هـ وتعلم في كتاتيبها؛ حيث لم تكن ثمة مدارس نظامية وقتها، ثم بدأ بالتعلم على يد المشايخ في المساجد في سائر الفنون؛ كالنحو والفقه والفرائض، وفي ذلك الوقت كانت مدينتَي بريدة وعنيزة أول مدينتَين تفتح فيهما المدارس الابتدائية؛ إذ فتحت مدرسة في بريدة عام 1355هـ، وأخرى في عنيزة، ولم تفتح أول مدرسة نظامية تابعة للمديرية العامة للمعارف في الرياض إلا في عام 1367هـ؛ أي بعد نحو عشر سنوات، وبعد أن ينهي الطالب دراسته الأولية والتي كانت تُسمى بالتحضيرية، لأنه لم تكن الدراسة فيها تزيد على ثلاث سنوات، يأخذه أهله إلى العمل ليساعدهم، وكان يومها إذا أنهى هذه السنوات الثلاث يكون قد أتقن بعض الكتابة والقراءة وقراءة القرآن، إلا أن الشيخ بعد أن أنهى هذه المرحلة عُين قيماً لمكتبة جامع بريدة؛ الأمر الذي أتاح لشهيته المنفتحة جداً للقراءة والاطلاع الإشباع حد التخمة من العلم والمعرفة، ثم بعد سنوات عُين مديراً لمدرسة المنصورية التابعة لوزارة المعارف، وبقي فيها خمس سنوات، ثم عُين في وظيفة مدير المعهد العلمي في بريدة، وكان ثاني معهد ينشأ في المملكة العربية السعودية بعد معهد الرياض العلمي.

الملك سلمان يكرم العبودي

وبعد ذلك تم افتتاح الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وعمل فيها لمدة ثلاث عشرة سنة في وظيفة الأمين العام للجامعة الإسلامية، ثم بعد ذلك رُقِّي إلى وظيفة وكيل الجامعة.

ثم نُقل إلى وظيفة أكبر من ناحية المرتبة؛ وهي وظيفة الأمين العام للدعوة الإسلامية وأمين الهيئة العليا في المرتبة الخامسة عشرة، وانتقل إلى الرياض؛ حيث المقر، واشتغل فيها سبع سنوات، كما كان الأمين العام للهيئة العليا؛ وهي مؤلفة من خمسة وزراء يترأسهم صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- ثم نُقل إلى رابطة العالم الإسلامي في وظيفة (الأمين العام المساعد).

يقول العبودي واصفًا نفسه: (أنا لم أذهب قط للسياحة، كان قصدي دائماً العمل الإسلامي، وكنت أحضر اجتماعات المسلمين، أو أحضر مؤتمرات، أو أتعرف على أحوال المسلمين في بلد ما أصابته مصاعب، وكذلك كنا نسمع عن بعض البلاد التي يتسع فيها العمل الإسلامي؛ فنذهب لتشجيع الخير والدعوة، لم نكن نذهب للسياحة؛ ولكن في أثناء العمل كنت أكتب على هامش العمل كتباً مظهرها سياحي أو من أدب الرحلات).

غلاف كتاب “يوميات نجدي”

وقد كان أول كتاب قام العبودي -رحمه الله- بتأليفه، بعنوان: (في إفريقية الخضراء)، فكان أول مَن أطلق صفة الخضراء على إفريقيا، حسب الدكتور إبراهيم التركي، ويقول العبودي سميتُ “إفريقية الخضراء” استناداً إلى اللهجة العامية عندنا بمنطقة القصيم التي أعرفها؛ حيث نصف فلاناً بأنه “خضر”، أي نصف أسود، أضف إلى ذلك ما رأيته في بلدانهم من خضرة، إضافة إلى ذلك كان يستنكر على مَن يسمي الزنج ويخلط بينهم وبين السود، فالزنجي -عند العرب- ليس الأسود، وإنما الزنوج طائفة من الناس عاشت في شرق إفريقيا.

غلاف كتاب “في إفريقيا الخضراء”

وفي هذا الصدد، توسعت رحلات الموسوعي العبودي -رحمه الله- إلى درجة أنه هو نفسه لا يستطيع إحصاءها، فيقول لسائله عن عدد البلدان التي زارها: (كان الأولى عليك أن تسأل: كم بلداً لم تزره؟ لا أذكر الآن، لكن هات الآن أي بلد يخطر على بالك وسوف أخبرك، وعموماً فالبلدان التي لم أزرها لا تتجاوز 2% من دول العالم).

غلاف كتاب “معجم بلاد القصيم”

ومن تواضعه وواقعيته العاقلة، وإنصافه، وحفظه فضلَ من سبق، كان يقول: (لا أقبل المقارنة بيني وبين ابن بطوطة؛ لاختلاف الظرف البيئي والزماني بيننا نحن المتأخرين وبينهم من المتقدمين، وعمل الرحالة ابن بطوطة، عمل رائع ونادر؛ لأن الرجل كان يذهب إلى أماكن المياه الملوثة وكان اللصوص في عصره كثيرين، وكان يذهب إلى بلاد بعيدة، أضف إلى ذلك كانت الاتصالات نادرة، ووجود قوانين في الدول تحكمها وطائرات تنقل إليها).

اقرأ أيضًا: رحلة إلى مكة.. على خطى ابن بطوطة

يقول الدكتور محمد المشوح، التلميذ الحارس الأمين على تراث الشيخ، والابن الذي لم يلده الشيخ: (العبودي عميد الرحالين الذي لم يترك زاوية من العالم فضلاً عن دولة ومملكة إلا وطئتها قدماه.. فلقد جال هذا العلاَّمة العالم ببصيرة نافذة، وعقل راجح، وفؤاد حيٍّ، وعمق ديني راشد، وحسٍّ حضاري مفتوح؛ بان ذلك في شخصه وبدا على مُحَيَّاه)، ويقول عنه: (يحب المعلومة المرئية ثم يردفها بالمسموع من خلال السؤال والنقاش؛ فهو في كل مدينة يطأها يأكل في مطاعمهم ومقاهيهم ويغشى أسواقهم يتحدث مع الصغير ويتودد للكبير، وعندما يعتريه سؤال لا يتردد في السؤال عنه.. فجل رحلات العبودي كان الهدف الأول والرئيس منها هو أحوال المسلمين وأوضاعهم والحديث عن أوضاع الدعوة والأقليات في كل بلد، فإن العبودي كذلك يحمل معها ذائقة سياحية راقية وتراه يتحدث عن المباني والآثار وموائد الطعام بشكل تفصيلي عجيب. حتى الطرب والغناء؛ والذي لا يعنيه كثيراً تراه يستمع إلى ما يمكن أن يُقال فرض عليه).. ويقول المشوح: (العبودي يصف الحال والمشهد بكل دقة؛ بل إنه قد يصل به الأمر أبعد من ذلك، خصوصاً في حديثه عن المرأة؛ فهو لا يجد حرجاً من الكتابة الوصفية للمرأة منذ أول إطلالة لها في رحلته، كالمضيفة وركاب الطائرة من النساء، فضلاً عن مشاهداته للمرأة في الأسواق وعموم الأماكن)، ومن جميل ما يقوله الدكتور محمد المشوح عن شيخه: (العلامة العبودي رائد تنويري متقدم طرح آراءه المستنيرة وبحوثه الجريئة منذ زمن بعيد، وقدم نموذجاً للدعوة في وجه معتدل متسامح بعيد عن الغلو والجفاء والشدة).

وتقول الدكتورة شريفة بنت محمد العبودي، عن والدها: (إن محمد العبودي في كتاباته صاحب رسالة؛ فلم يكتب قط لمجرد حب الكتابة، أو لكي يستفيد منها مادياً، فهو مجد في التسطير والتسجيل؛ لأن لديه رسالة يحرص على تحقيقها، ليحفظ إرثاً يوشك على الضياع).

غلاف كتاب “معجم أسر بريدة”

وتذكر الدكتورة فاطمة العبودي عن والدها ملمحاً وجانباً شخصياً في حياته، حول أهم ما يتميز به: (ذاكرته القوية، والتزامه بالمواعيد، استيقاظه المبكر وقراءته الصباحية، ومواعيد الطعام التي يجب احترامها من الجميع، الأعياد السنوية وكيف يقضيها معنا وفعاليات يوم الضحى والشواء بصحبة الأولاد والأحفاد، أهازيجه ورحلاته البرية للصيد في وادي العاقول بالمدينة المنورة، واعتماده على والدتي في إدارة شؤون البيت ورعاية الأبناء ومتابعتهم حين غيابه)، وتضيف: (أنها وإخوتها تعلموا المحافظة على تناول الغذاء الصحي من والدهم، الذي كان حريصاً وبعيداً جداً عن الدهنيات والملح والسكر، وكيف أنه أثر في الجميع بهذا الأمر) وتذكر عن هواياته بخلاف الرحلات أنها: (صيد الطيور والقراءة وتعلم اللغات؛ إذ تعلم الإنجليزية بنفسه، وتعلم اللغة السواحلية وقليلاً من الإسبانية).

الشيخ محمد العبودي -رحمه الله- استطاع أن يثري المكتبة العربية بما يزيد على 280 كتاباً مطبوعاً أو مخطوطاً أو تحت الطبع، في الرحلات والتاريخ والجغرافيا واللغة والأدب والأنساب والأمثال، إضافة إلى رصده جهود المملكة في مجال خدمة المسلمين في العالم؛ هو حالة تستحق الدراسة والبحث، ويستحق أن يسجل اسمه ضمن الأرقام القياسية في عدد المؤلفات في عصرنا الحاضر؛ فهو متصدر قائمة المؤلفين السعوديين والعرب في عدد المؤلفات، ويستحق لقب سيوطي العصر، كما أسماه وزير الثقافة والإعلام السعودي السابق الدكتور عبدالعزيز خوجة، سيوطي العصر.

♦كاتب وباحث سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

خالد العضاض

باحث مختص بعلوم الشريعة وأصول الدين، ومهتم بتاريخ الصحوة الإسلامية، وقضايا الإسلام السياسي، وكذلك قضايا التطرف والإرهاب.