الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

المنافسة الحتمية الولايات المتحدة والصين ومأساة سياسات القوى العظمى

كيوبوست- ترجمات

جون ميرشايمر

كتب أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، مقالاً نشره موقع “فورين أفيرز”، يقول فيه إن الولايات المتحدة أخذت خياراً خاطئاً بشكل مروع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فقد اعتقد صناع السياسة الأمريكيون أن الصين دولة ضعيفة وفقيرة لا تشكل أي تهديد، على الرغم من وجود عوامل تنذر بالخطر. عدد سكان الصين يقارب خمسة أضعاف سكان الولايات المتحدة، وقد بدأ قادتها يتبنون إصلاحات اقتصادية تنذر بأن الصين قد تصبح أقوى، حتى إنها قد تهدد مصالح الولايات المتحدة في آسيا وفي العالم.

كان الخيار الصحيح هو العمل على إبطاء نمو الصين، وبدلاً من ذلك اتبعت الإدارات الجمهورية والديمقراطية سياسة المشاركة، وشجعت نمو الصين، ورحبت بها في نظام التجارة العالمي، معتقدةً أنها ستصبح دولة ديمقراطية محبة للسلام في نظام دولي تقوده الولايات المتحدة. وبالطبع لم يتحقق هذا الخيال، وأصبحت الصين منافساً أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفييتي في أوج قوته، ودخلت في حرب باردة مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أن تصبح حرباً ساخنة.

اقرأ أيضاً: الصين.. منفق كبير أم مرابٍ كبير؟

طبعاً لا شيء يدعو للمفاجأة في سلوك الدولتَين؛ فالصين تسعى إلى الوصول إلى ما وصلت إليه الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تسعى للحفاظ على موقعها وهيمنتها، والنتيجة هي المنافسة والصراع. هذه هي مأساة سياسات القوى العظمى.

بعد ظهور الخلاف الصيني- السوفييتي في الستينيات، عمل القادة الأمريكيون على مساعدة الصين على النمو الاقتصادي؛ لأنهم اعتبروا أن الصين القوية ستساعدهم على احتواء الاتحاد السوفييتي، ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة كانت عواقب ازدهار الصين على توازن القوى العالمي هائلة. من الواقعي أن الصين عندما تصبح عملاقاً اقتصادياً ستسعى إلى تحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية، وستسعى إلى فرض نفوذها في آسيا ومناطق أخرى من العالم. وعندها لن يكون أمام الولايات المتحدة من خيار سوى احتواء الصين أو هزيمة القوة الصينية.

تمكنت الولايات المتحدة من هزيمة أربع قوى عظمى منها ألمانيا النازية- أرشيف

كان منطق الهيمنة هو الدافع للسياسة الخارجية الأمريكية، وقد منعت الولايات المتحدة أربع قوى عظمى من الهيمنة على آسيا وأوروبا؛ حيث ساعدت على هزيمة ألمانيا الإمبراطورية في الحرب العالمية الأولى، والإمبراطورية اليابانية وألمانيا النازية، واحتوت الاتحاد السوفييتي. واليوم تتصرف الصين بنفس هذا المنطق، وتسعى لإنشاء نظام دولي أكثر ملاءمة لمصالحها، وسيكون من الحماقة أن تفوت الصين أية فرصة لتحقيق ذلك.

ولا يدرك معظم الأمريكيين أن الصين والولايات المتحدة تتبعان قواعد اللعبة نفسها؛ لأنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية نبيلة تتصرف بشكل مختلف عن الدول الاستبدادية القاسية مثل الصين. ولكن السياسة الدولية لا تعمل بهذه الطريقة، فالقوى العظمى لا خيار أمامها إلا التنافس على الهيمنة.

اقرأ أيضاً: كيف تستغل استراتيجية الصين الكبرى قوة الولايات المتحدة لخدمة أهدافها؟

يرى ميرشماير أنه لو فكَّر صانعو السياسات الأمريكيون بواقعية لكان بإمكانهم اتباع مجموعة من السياسات لإبطاء النمو الاقتصادي الصيني، والحفاظ على فجوة الثروة بين الصين وبلادهم. ففي أوائل السبعينيات كان الاقتصاد الصيني متخلفاً إلى حد كبير، وكان نموه يعتمد بشدة على الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا ورؤوس الأموال الأمريكية، وكانت الولايات المتحدة في وضع مثالي لعرقلة نمو الصين.

وبدلاً من ذلك، بدأت الولايات المتحدة منذ عام 1980 بإعطاء الصين وضع “الدولة الأكثر تفضيلاً”، وظل الرؤساء الأمريكيون يمنحونها وضع “الدولة الأولى بالرعاية” سنوياً، وفي عام 2000 تفاقم الخطأ بجعل هذا الوضع دائماً، مما أعطى الصين أفضلية كبيرة وقوَّض نفوذ واشنطن عليها. وكان الخطأ الأكبر عندما سمحت الولايات المتحدة للصين بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

اقرأ أيضاً: اللعبة الكبرى.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي

وإلى جانب تقييد الاقتصاد الصيني، كان ينبغي للولايات المتحدة أن تسيطر بشكل صارم على تصدير التكنولوجيا المتطورة إلى الصين عندما كانت الصين تنسخ التكنولوجيات الغربية ولا تبتكر أي شيء؛ ولكن واشنطن سمحت بتدفق التكنولوجيا، مما سمح للصين بتحدي هيمنة الولايات المتحدة على مجال الابتكار.

في ظل هيمنة الفكر الليبرالي على واشنطن في التسعينيات، افترض صانعو السياسة الأمريكيون أن السلام والازدهار العالميين سوف ينشران الديمقراطية، ويعززان الاقتصاد الدولي المفتوح، ويقويان دور المنظمات الدولية، وامتدت هذه السياسات المحفوفة بالمخاطر إلى أربع إدارات أمريكية، من الرئيس جورج دبليو بوش إلى الرئيس بيل كلينتون، ثم جورج بوش الابن الذي اتخذ الخطوات النهائية لتوجيه الصين نحو منظمة التجارة العالمية، وصولاً إلى إدارة الرئيس أوباما الذي قال عام 2015: “أعتقد أنه من مصلحة الولايات المتحدة أن ترى الصين تنمو”.

الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مع الرئيس الصيني شي جين بينغ- أرشيف

ثم يشير كاتب المقال إلى الدور الكبير الذي لعبه مجتمع الأعمال الأمريكي الذي نظر إلى الصين بوصفها قاعدةً للتصنيع وسوقاً عملاقةً تضم أكثر من مليار عميل محتمل؛ حيث قامت الهيئات التجارية مثل غرفة التجارة الأمريكية والمائدة المستديرة للأعمال، والرابطة الوطنية للمصنعين، بحملة ضغط كبيرة لمساعدة الصين على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.

وكان الخطأ الكبير الذي ارتكبه الجميع هو اعتقادهم بأن الصين ستتحول إلى الديمقراطية، وأنها إذا لم تفعل ذلك فإنها ستبقى دولة ضعيفة. ويبدو أنّ احتمال أنْ تصبح الصين أكثر قوة وأكثر استبداداً لم يدخل في حساباتهم.

أثبتت السنوات أن سياسة المشاركة فشلت فشلاً ذريعاً، وأن الصين شهدت نمواً غير مسبوق ولم تتحول إلى الديمقراطية، بل أصبح قادتها ينظرون إلى الديمقراطية على أنها تهديد لاستقرار بلادهم. والآن تواجه الولايات المتحدة المنافس الأكثر ديناميكية وقوة في تاريخها. ولم تتغير السياسة الأمريكية حقاً إلا بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض؛ حيث تخلت عن سياسة المشاركة وتحولت إلى استراتيجي الاحتواء، وعادت المنافسة بين القوى العظمى، وسعت الصين إلى تحدي القوة والنفوذ والمصالح الأمريكية. وبدأ ترامب حرباً تجارية مع الصين عام 2018، وعزز علاقات بلاده مع تايوان، وتحدى مطالبات بكين في بحر الصين الجنوبي.

اقرأ أيضاً: العلاقات الصينية بأمريكا اللاتينية.. وجهتا نظر حول علاقات التبعية

وعلى عكس مواقفه السابقة كرئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، استمر بايدن في سياسة سلفه، وتعهد بالمنافسة الشديدة معها. وعلى ما يبدو فإن المجتمع الأمريكي يؤيد هذه السياسة؛ حيث أظهر استطلاع للرأي أن تسعة من كل عشرة أمريكيين يعتبرون الصين تهديداً.

لا يزال هنالك مَن يدافع عن سياسة المشاركة، ويرى أن المصالح المشتركة أكبر من المصالح المتضاربة؛ ولكن أصوات هؤلاء تذهب في مهب الريح، فقد نُشبت الحرب الباردة بالفعل. وعندما يقارن المرء بين الحربَين الباردتَين، يبدو واضحاً أن احتمال أن تؤدي المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى حرب حقيقية أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في الحرب الباردة الأولى بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

ويوضح ميرشايمر وجهة نظره بقوله إن قدرات الصين اليوم هي أقرب بكثير لقدرات الولايات المتحدة مما كان عليه الاتحاد السوفييتي في أوج قوته، سواء من حيث عدد السكان أو من حيث الثروات. وإذا استمر الاقتصاد الصيني في النمو بهذا المعدل المذهل (5% سنوياً) فسيكون قوة كامنة أكبر من الولايات المتحدة. ومن المتوقع أنه بحلول عام 2050 ستتمتع الصين بتفوق سكاني بمعدل 3.1 إلى 1، وإذا كانت حصة الفرد الصيني من الناتج المحلي نصف حصة الأمريكي، فإن الصين ستكون أكثر ثراء بمقدار الضعف تقريباً بالمقارنة مع الولايات المتحدة، وستتمكن من بناء جيش أقوى بكثير من جيش الولايات المتحدة.

بعدد سكانها الكبير ونمو اقتصادها السريع يمكن للصين أن تبني جيشاً أقوى بكثير من جيش الولايات المتحدة- أرشيف

ويشير أيضاً إلى تحرر الصين من الأعباء الإضافية التي حملها الاتحاد السوفييتي على كاهله نتيجة وجوده العسكري وانخراطه في سياسات دول أوروبا الشرقية وحلفائه الآخرين. كما يتناول عاملاً آخر يزيد من خطر نشوب حرب ساخنة، وهو الشعور القومي القوي لدى الصينيين الذي لم يكن موجوداً في الاتحاد السوفييتي؛ لأن القومية كانت تتعارض مع الفكر الشيوعي السوفييتي. كما أن ما يزيد من خطر الحرب هو طموحات الصين الإقليمية بالمقارنة مع اكتفاء قادة الاتحاد السوفييتي إلى حد كبير بهيمنتهم على أوروبا الشرقية.

وأخيراً، يشير كاتب المقال إلى عمل الجغرافيا؛ فمركز ثقل المواجهة الأمريكية- السوفييتية كان في أوروبا، حيث كان للجانبين جيوش ضخمة مجهزة بالأسلحة النووية، ولكنَّ طرفي الصراع كانا يدركان مدى فداحة المخاطر الناجمة عن التصعيد العسكري. بينما لا يوجد في آسيا ستار حديدي مثل الذي كان في أوروبا، بل عدد غير قليل من بؤر التوتر والنزاعات المحتملة؛ منها تايوان وبحر الصين الجنوبي وجزر دياويو/ سينكاكو، والممرات البحرية بين الصين والخليج العربي.

ولكن كل ما تقدم لا يعني أن الحرب الساخنة مرجحة أو وشيكة؛ بل إنها ممكنة الحدوث أكثر من حرب كبرى بين الناتو وحلف وارسو. وفي حال نشوب حرب بين هاتين القوتين العظميين اللتين تخوضان بالفعل حرباً باردة، من المحتمل جداً أن يتم استخدام الأسلحة النووية ولو على نطاق محدود.

اقرأ أيضاً: كيسنجر يجيب عن أسئلة الغرب المُلحة.. عن الصعود الصيني ومسائل أخرى

ويختتم ميرشايمر مقاله بالإشارة إلى أنه لا يمكن استبعاد خطر الحرب إلا من خلال أزمة كبيرة توقف صعود الصين، وهذا احتمال يبدو بعيداً بالنظر إلى سجل الصين الطويل من الاستقرار والكفاءة والنمو الاقتصادي. وبالتالي فإن المنافسة الأمنية هي أمر لا مفر منه. وفي أحسن الأحوال يمكن إدارة هذه المنافسة على أمل تجنب الحرب؛ ولكن ذلك سيتطلب من واشنطن الاحتفاظ بقدرات عسكرية هائلة في شرق آسيا، لإقناع بكين بأن صداماً عسكرياً سيؤدي في أفضل الأحوال إلى نصر باهظ التكاليف. وعلاوة على ذلك، يجب على صانعي السياسة الأمريكيين تذكير أنفسهم باستمرار -والقادة الصينيين- بالاحتمال القائم للتصعيد النووي في زمن الحرب، فالأسلحة النووية بعد كل شيء هي الرادع الأساسي.

ويمكن لواشنطن وضع قواعد واضحة لتجنب وقوع هذه المواجهة؛ مثل اتفاقيات تجنب الحوادث في البحر أو غير ذلك من الاشتباكات العرضية في البحر، وإذا أدرك كل من الجانبين تبعات وعواقب تجاوز الخطوط الحمراء للطرف الآخر، فإن احتمالات الحرب ستصبح أقل.

وكل هذه الإجراءات لا يمكن أن تقدم الكثير لتقليل مخاطر الخصومة المتزايدة بين واشنطن وبكين؛ ولكن هذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه الولايات المتحدة لقاء تجاهلها المنطق الواقعي وتحويل الصين إلى دولة قوية مصممة على التحدي على جميع الجبهات.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة