مقالات

المملكة العربية السعودية وإيران: قيادة جديدة، واقع جديد؟

سعد الجبري *

1 سبتمبر 2017

ترجمة: كيو بوست، عن دورية مركز بلفر – كلية كينيدي – جامعة هارفرد.

ترى القيادة السعودية الجديدة أن استمرار إيران في زعزعة استقرار المنطقة، من خلال تغذية الطائفية والدعم المتزايد لوكلاء الإرهاب، أمر لا يمكن السكوت عنه. وقد أبدى ولي العهد الجديد، محمد بن سلمان،  استعدادا غير مسبوق لمعالجة هذه المسألة بشكل حاسم للحفاظ على الاستقرار والأمن والازدهار الإقليمي.

ورغم أن المملكة العربية السعودية وإيران جيران منذ فترة طويلة، إلا أن الجيرة تغيرت. فقبل الثورة الإيرانية، كانت اللعبة الكبرى للمنافسة السياسية الإقليمية تتشكل اعتماداً على التنافس الواقعي، وليس على الفكر الطائفي والإرهاب. مع ذلك تغيرت قواعد اللعبة من جانب واحد في عام 1979 عندما اجتاحت الثورة إيران، وفرض الخميني عقيدته -ولاية الفقيه. وبذلك اغتصب واستغل الشيعة التقليدية من الداخل. وعلى الرغم من نجاحه في إيران الفارسية، إلا أن أفكاره سوف تُكافح بغية الحصول على قبول في الدوائر الدينية الشيعية العربية، التي تميل إلى اعتبار نفسها مسرحاً سياسياً يخدم المصالح الداخلية للطائفة وتركز على تأمين مكانتها الداخلية.

إن الصدمات التكتونية- أي هزات وارتدادات- لثورة الخميني قد تردًدت عبر المنطقة، بما في ذلك الجماعات السنية المتطرفة. ففي 1 شباط / فبراير 1979، وصل الخميني إلى طهران. وفي 4 تشرين الثاني / نوفمبر، هًاجم أتباعه السفارة الأمريكية، إذ احتجزوا 52 دبلوماسيا أمريكيا كرهائن لمدة 444 يوما. وأدى ذلك إلى إضفاء الطابع الراديكالي على الثورة، وكان مثالا مبكرا لما كان تنظيم القاعدة في وقت لاحق مثاليا، ويدعو إلى إدارة التوحش. وبعد أسبوعين فقط، في 20 تشرين الثاني / نوفمبر، احتلت جماعة إرهابية ” مهدوية”- وهي جماعة تعتقد بأنها المخلصة- الحرم الشريف في مكة المكرمة. وقد جلب هذا الحدث غير المسبوق الإرهاب إلى السعودية للمرة الأولى مخلفاً مئات القتلى. ومع ذلك، لم يكن هذا سوى بداية العاصفة الإيرانية، فيما توالت المضاعفات السلبية أكثر فأكثر خلال العقود اللاحقة.

“تصديُر الثورة” أصبح بمثابة صرخة حاضنةٍ لأولئك الذين تمكنوا من نجاحهم في إيران، ولكنها أثارت ردود فعل إقليمية ودولية. كما أن انتقاد الاقتصاد السياسي الفاشل لإيران سوف ينحرف عن طريق دعوات لمهاجمة الأعداء الخارجيين لإحياء أمجاد تاريخية متخيلة. وستسعى طهران لهزيمة” الشيطان الأكبر” وحليفته الإقليمية الرئيسية، المملكة العربية السعودية، في حرب بمليون جرح. فبالنسبة للإيرانيين، فإن جائزة الهيمنة الإقليمية والسيطرة النهائية على مكة والمدينة المنورة تستحق هذا الخطر. وعلى غرار تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، اعترف الخميني بأن قيام دولة إسلامية أو خلافة شيعية أو سنية، تبدو جوفاء بدون المكانيًن المقًدسين. وتحقيقا لهذه الغاية، فإن الخمينيين يسعون إلى نشر استراتيجيتين اثنتين متشابكتين: أولا، تشجيع ودعم تطرف الأقليات الشيعية السلمية في جميع أنحاء المنطقة، وتنمية ميليشيات إرهابية مُخلصة؛ أي تنمية وحماية طفيلي يقوم على تدمير الهويات الوطنية، وهو ما تشجعه إيران بشكل مثير للسخرية من داخل الدولة المستهدفة. ثانيا، بذل جهد وجودي لنزع الشرعية عن “الوهابيين” في المملكة العربية السعودية، وتحديداً العائلة المالكة التي أدارت الحكم بصورة غير متقطعة لما يقرب من 300 سنة. كما تسعى طهران لتصوير المملكة العربية السعودية على أنها غير إسلامية: فبالنسبة للجماهير الشيعية، فإن المملكة ستغدو العدو، فيما سيتم اقناع الجمهور السني بأن الأمة إما أنها ليست سنية بما فيه الكفاية، أو غير سنية على الإطلاق.

كما وستشارك إيران المنظمات الإرهابية السنية رغبتها في الهيمنة على الأماكن المقدسة. وسيسعى كلاهما إلى تقويض الاستقرار والأمن والازدهار في المنطقة؛ من هجوم عام 1983 الانتحاري الذي خلّف 241 قتيلاً من قوات حفظ السلام الأمريكان و58 قتيلاً من  الفرنسيين في بيروت،  إضافة إلى قتل 19 أميركياً في عام 1996 في الخبر، فإن الأجهزة الأمنية الإيرانية ووكلائها من الإرهابيين مستمرون في نشر الدمار. كما وتستغل إيران موسم الحج السنوي لإثارة التوتر الطائفي والتحريض على العنف. وعليه، فإن القاعدة سوف تستهدف “العدو البعيد”، في حين سيركز وكلاء إيران على طرد الشيطان الأكبر من الشرق الأوسط. وبالنظر إلى جدول الأعمال المتداخل هذا، فليس من المستغرب أن تكون إيران مستعدة لتزويد القاعدة في عالم ما بعد 11 أيلول / سبتمبر بمأوى آمن وممر آمن عبر أراضيها؛ بالإضافة إلى التدريب والتمويل لحركة طالبان، إلى جانب السماح لتنظيم الدولة الإسلامية بالتواجد في سوريا، في الوقت الذي تقاتل فيه ايران التنظيم في العراق. وعلاوة على ذلك، فقد سخرت إيران قوة بنيتها التحتية لدعم الإرهاب الدولي، ونحمد الله على أنها كانت سيئة. فمن مؤامرة عام 2011 لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة، إلى عدد لا حصر له من الأهداف في شرق آسيا وغرب أفريقيا وأمريكا الجنوبية. أما في الشرق الأوسط، فقد أصبح التدخل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن وأجزاءً من المقاطعة الشرقية للمملكة العربية السعودية معروفا ومفهوما بشكل متزايد. إذا تدعم طهران هذه الأنشطة عبر استغلال مؤسف للمجتمعات الشيعية المضللة، مع توظيف للأيديولوجية المتطرفة التي تندرج ضمن الولاء الديني لإيران، والشبكات الإجرامية النشطة.

ومع استمرار الاستفزازات الإيرانية وعملياتها العدوانية، يبدو أن الصبر الاستراتيجي السعودي الذي دام 35 عاماً يصعب الآن تبريره. وكل المؤشرات تصب باتجاه  المزيد  من زعزعة الاستقرار الإيراني للشرق الأوسط، وهو أمر لا يمكن الدفاع عنه. وبالنظر إلى أن المسؤولية الأولى لأي حكومة هي حماية سيادتها وسلامة مواطنيها، فإن القيادة السعودية الجديدة حاسمة وحازمة على التصدي للعدوان الإيراني. ومما يوضح هذا الالتزام الدعم السعودي للحكومات الشرعية ذات السيادة في اليمن والبحرين. فبدون هذه القرارات الصعبة، فإن التدخلات الايرانية قد تؤدي إلى انهيار أجزاء أخرى من المنطقة بشكل دائم. وكما قال ولي العهد ووزير الدفاع محمد بن سلمان مؤخرا، “الحوار مهم ولكن فقط عندما تقابله حقائق على الأرض”. انتهت لعبة الأجيال التي كانت تلعبها إيران بصورة أحادية وهي تدفع الأمور إلى حدها الأقصى عبر سياساتها الغريبة، على حساب الأمن.

محمد بن سلمان على استعداد لمواجهة التحدي الإيراني إذا لزم الأمر، وهو لا يستبعد متعمداً أية خيارات. وعلى الرغم من أن مبادئ السياسة الخارجية السعودية تظل متماشية مع المثل العليا للدولة السعودية، إلا أن محمد بن سلمان قد برهن استعداده غير المسبوق للقبض على عباءة الاستقرار الإقليمي والتحقق من مسار الإرهاب الطهراني.

وبناء عليه، فإن القيادة السعودية الجديدة تدعو العالم بأسره إلى نبذ إيران حتى تغير مسارها، وأن تقف جنبا إلى جنب مع السعودية في مواجهة هذا الواقع. ومثل كل السعوديين، يأمل ويصلي محمد بن سلمان للأفضل، وهو مستعد لاتخاذ موقف حازم بحال ساءت الاوضاع. ويتعين على المجتمع الدولي أن يحذو حذوه.

*سعد الجبري

وزير دولة سابق في المملكة العربية السعودية- المستشار الخاص لوزير الداخلية السابق . عضو المجلس الدولي، مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية.

لمطالعة المقالة بالانجليزية أضغط هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة