الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

المملكة العربية السعودية في عهد ابن سعود: الأسس الاقتصادية والمالية للدولة

يدور الكتاب حول شخصية محورية اعتمد عليها الملك عبدالعزيز في بداية عهده لتولي جميع شؤون الدولة الاقتصادية والإدارية.. كان الشيخ عبدالله السليمان الحمدان الشخص الذي أُوكلت له معظم المهام المتعلقة بالتنمية الإدارية وصياغة البُنى الاقتصادية التي أوصلت المملكة إلى مرحلة الدولة الحديثة بعد استقرار الحكم السعودي في الرياض.

تأليف: جي. إي. بيترسون

مراجعة: د.عبدالله فيصل آل ربح

هذا الكتاب عبارة عن رحلةٍ في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود (أو “ابن سعود” كما يحلو للباحثين الغربيين تسميته)، تبدأ من بداية عشرينيات القرن العشرين حتى وفاة الملك عام ١٩٥٣. يركِّز الكتابُ بشكلٍ أساسي على بنية الدولة الحديثة في عهد الملك المؤسس، وبالذات ما يختص ببناءِ المنظومة الاقتصادية، والهيكل البيروقراطي للدولة، حيث عمل الملك عبدالعزيز على إقامة دولة حديثة داخل المناطق الواقعة تحت سيطرته في مرحلة التأسيس التي امتدت بين عامي ١٩٠٢-١٩٣٢ والتي تمكّن خلالها من توحيد مساحةٍ شاسعة من شبه الجزيرة العربية، تحت مسمى المملكة العربية السعودية.

اقرأ أيضًا: في ذكرى اليوم الوطني الحادي والتسعين للمملكة العربية السعودية.. نضج وثقة في مواجهة التحديات

يدور الكتابُ حول شخصية محورية اعتمد عليها الملك عبدالعزيز في بداية عهده لتولي جميع شؤون الدولة الاقتصادية والإدارية. كان الشيخ عبدالله السليمان الحمدان الشخص الذي أُوكلت له معظمُ المهام المتعلقة بالتنمية الإدارية، وصياغة البُنى الاقتصادية التي أوصلت المملكة إلى مرحلة الدولة الحديثة، بعد استقرار الحكم السعودي في الرياض.

كل جهاز حكومي ناشئ -وقتها- كان يمر عبر عبدالله السليمان الذي “انتقل من إدارة الخزينة في نجد ليصبح نقطة التركيز الإدارية في الحجاز ليوسع سطوته الإدارية تدريجياً على جميع الشؤون المالية في المملكة” (ص-١٦).

– الوزير عبدالله السليمان مع الملك عبدالعزيز- “أرشيف”

الكتاب مقسَّم إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم يحوي مجموعة من الفصول، حيث كان الفصل الأول هو المقدمة. يتناول القسم الأول (الفصول ٢-٤) مرحلة تكوين الدولة الحديثة خلال عشرينيات القرن الماضي، والتي كانت تعرف بسلطنة الحجاز، ومملكة نجد.

يشير بيترسون إلى أن ضم الحجاز إلى الدولة السعودية قد أعطى الدولة الناشئة امتيازًا اقتصادياً مهماً وهو عائدات مواسم الحج والعمرة كرافد اقتصادي أساسي، هذا الرافد المهم كان المصدر المالي الرئيسي لمملكة الهاشميين التي انتهت بدخول الملك عبدالعزيز لمكة في ديسمبر ١٩٢٥.

اقرأ أيضًا: لماذا الاحتفال باليوم الوطني للمملكة العربية السعودية؟

ثم يناقش الكتابُ مرحلةَ ما بعد إعلان المملكة العربية السعودية والتي تم خلالها اكتشاف النفط. يشير بيترسون إلى أن اكتشاف النفط قد أدَّى إلى توسيع الأجهزة البيروقراطية للدولة، وشمل ذلك الشؤون الخارجية، والعسكرية، والنقل (بما في ذلك النقل الجوي) وتنظيم إمدادات الكهرباء والمياه. جميع هذه الشؤون البيروقراطية كانت من اختصاص وزير المالية الشيخ عبدالله السليمان الحمدان (ص. ٦٥-٦٧).

يناقش القسم الثاني من الكتاب (الفصول ٥-٧) تداعيات الحرب العالمية الثانية على المنطقة بما في ذلك التنافس البريطاني الأمريكي على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. يوفِّر هذا القسم تغطية وافية لموضوعٍ مهم والذي مثّل نقطة تحول استراتيجي في المنطقة بتحويل المملكة وجهة تحالفها الرئيسي من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

– في عام ١٩٣٩م الملك عبدالعزيز يدير صمام أول ناقلة زيت في رأس تنورة- “أرشيف”

تزامن هذا التحول السياسي الاستراتيجي مع تطور الاقتصاد السعودي، وتحوله للاقتصاد النفطي. فبعد أن تخلَّت شركات النفط البريطانية عن التنقيب عن النفط في المملكة العربية السعودية، تم التعاقد مع الشركات الأمريكية التي تمكنت من العثور على النفط.

وعليه، فقد لعب موضوع التنقيب عن النفط في الأراضي السعودية دوراً محورياً في مسألة تحول الشراكة الاستراتيجية مع الغرب بسلاسةٍ من خلال إعادة تشكيل خارطة التحالف. فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا تراجع حساباتها في المنطقة، وعملت على تقليص وجودها السياسي والعسكري في مختلف أرجاء العالم. فقد كان التواجد البريطاني عبر الحدود مكلفاً ويُنتظر منه عوائد سياسية أو اقتصادية.

اقرأ أيضًا:  السعودية تحتفل بعيدها الوطني وسط تحديات سياسية واقتصادية

وبالنسبة للمناطق التي لم يسيطر عليها البريطانيون عسكرياً، فقد عملوا على التحالف مع حكامها المحليين (مثل ما حصل مع الملك عبدالعزيز). حصلت حكومة الملك عبدالعزيز على إعاناتٍ مالية من الحكومة البريطانية، بوصفها دولة عظمى ترى أهمية استقرار الدول الحليفة (أو غير المعادية لها). وبما أن البريطانيين كانوا في طور تقليص أنشطتهم في المنطقة، فقد ركزوا جهودهم ومواردهم في الدول التي لديهم معها مصالح اقتصادية (ونفطية بالدرجة الأولى) مثل مشيخات الخليج، والعراق، وإيران.

وبحسب ما يرى بيترسون، فقد رأى البريطانيون أن التحالف مع السعودية مكلفٌ، وليس وراءه مردود اقتصادي. وفي الجانب الآخر، رأى الأمريكيون في السعودية شريكاً جيداً يمكن تبادل المصالح والمنافع معه. هذه الثروة الجديدة، بالإضافة إلى التحالف الجديد، ساهما في مساعدة الملك عبدالعزيز على تطوير إدارته في جميع القطاعات.

في ختام هذا القسم، غطى الفصل السابع المعنون بـ”التطوير الإداري” (ص. ١٠٦-١٢٤) دور عبدالله السليمان في شؤون التطوير الزراعي، ووضع خطة البنك المركزي، وسك العملة السعودية بكل ما تحمله من عوائق شرعية دينية، وتبادلية مع الغرب، بالإضافة إلى نفوذه على وزارة الدفاع التي كان على رأسها الأمير منصور بن عبدالعزيز.

الملك عبدالعزيز مع بعض أبنائه – “ارشيف”

اللافت للنظر في هذا الفصل تسليطه الضوء على الدور السياسي الذي لعبه السليمان في الشؤون الخارجية التي كانت تدار من قبل الأمير (الملك لاحقاً) فيصل بن عبدالعزيز ومعاونيه من عرب الشمال، فجميع الاتفاقات الدولية التي تحتاج إلى تمويل، كانت تمر من خلال وزير المالية الذي كان خلال فترة الحرب العالمية الثانية يتعامل مع البريطانيين والأمريكان وغيرهم من القوى الكبرى بشكلٍ مباشر. وهذا ما يفسر دوره المتصاعد في شؤون الدفاع، الأمر الذي جعل بعض الوثائق السرية تصفه بأنه “وزير دفاع، بالإضافة لكونه رأس الإدارة المالية في السعودية” (ص. ١١٣).

يركِّز القسم الثالث (الفصول ٨-١١) على السنوات الست الأخيرة من عهد الملك عبدالعزيز، وخاصة الشأن النفطي. يتضمن ذلك مناقشة شيقة للعلاقة بين الحكومة السعودية وشركة أرامكو. يعرض المؤلف نقاط الخلاف بين السليمان الذي مثَّل الحكومة السعودية، ومسؤولي أرامكو الذين مثلوا مُلَّاك ومساهمي الشركة التي يهمين عليها الأمريكان.

اقرأ أيضًا:  وثائقي من إنتاج أرامكو يحكي قصة الماء في  قلب جزيرة العرب

كانت نقطة الصراع الرئيسية هي مطالبة الحكومة السعودية بإيراداتٍ إضافية تعطي النصيب العادل للدولة التي تملك الموارد الطبيعية التي يقوم عليها نشاط الشركة (أي النفط) وقد “كان السليمان المفاوض السعودي الرئيسي في هذه القضية، وأظهر باقتدار مهاراته في الضغط على أرامكو لقبول الشروط الجديدة التي عادت بالفائدة على المملكة.

وهذا ما أعطى الملك عبدالعزيز سببًا إضافيا لرضاه عن الثقة التي منحها للسليمان” (ص-١٤٠). تمكنتِ الحكومة السعودية من رفع الدخل الذي كانت تدفعه لها أرامكو من ٣-٥ ملايين دولار خلال فترة الحرب العالمية الثانية إلى قرابة ٥٧ مليون دولار بحلول عام ١٩٥٠ يضاف إلى ذلك جهود السليمان في استخلاص مبالغ مالية على هيئة ضرائب تدفعها شركة أرامكو للحكومة السعودية (ص-١٤١). يغطي هذا الجزء أيضاً موضوعاتٍ أخرى تتعلق بتطوير صناعة النفط، مثل بناء خط الأنابيب عبر الجزيرة العربية.

يغطي الفصلان الأخيران من هذا الجزء (ومن الكتاب) التطورات المالية؛ مثل تأسيس مؤسسة النقد العربي السعودي، تطوير المواصلات، والإصلاح الزراعي في المملكة العربية السعودية.

– الشيخ عبدالله السليمان الحمدان يوقع اتفاقية الامتياز للتنقيب عن البترول وإنتاجه بين حكومة المملكة وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا (سوكال) 29 مايو من العام 1933- “أرشيف”

وتطرق الفصل العاشر إلى دور السليمان في إصلاح قضايا الموظفين السعوديين في شركة أرامكو، والحصول على مساعدة الشركة في النظام التعليمي في الدولة، “ففي مايو ١٩٤٨، زار السليمان الظهران بعد شهر من زيارة الوزير يوسف ياسين، وقد أصر السليمان على مسؤولي أرامكو أن يقوموا بتحسين الظروف المعيشية لموظفي الشركة من العرب ومساواتهم بنظرائهم الأمريكان، وعلى الشركة أن تسعى نحو دمج المناطق السكنية للعرب والأمريكان” (ص-١٧٥). ويختتم الكتاب بانتقال السلطة بعد وفاة الملك المؤسس إلى نجله الملك سعود واستمرار السليمان في خدمة وطنه مع الملك الجديد.

وفي الفصل الأخير ينقل بيترسون عن جاي ريفز تشايلدز السفير الأمريكي السابق في المملكة قوله “الشيخ عبدالله السليمان، كان يحمل لقب وزير المالية، ولكنه كان في الواقع الوزير الأعظم في المملكة والشخصية الأكثر نفوذاً فيها بعد الملك” (ص-١٨١).

اقرأ أيضًا:  العلاقات السعودية- الأمريكية سوف تصمد

بشكلٍ عام، يقدِّم الكتاب وصفاً تاريخياً شيّقاً لتطور الدولةِ السعودية من منظورٍ بيروقراطي. وعلى عكس معظم النصوص التاريخية التي تركز على الشؤون السياسية و/ أو الاقتصادية، يروي هذا الكتاب قصةَ المملكة العربية السعودية كدولة جديدة، تعمل على بناء جهازها البيروقراطي، وتطوير إدارتها الحكومية.

يشرح المؤلف كيف كانت وزارة المالية هي الوزارة الرئيسية في بداية تأسيس المملكة، ودورها في بناء بقية أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، إضافة للمشاركة في رسم سياستها الخارجية، كل هذه الأدوار لعبتها وزارة المالية بوصفها الممول لجميع الدوائر الرسمية، والرقيب على جميع مصروفات الدولة في ذلك الوقت.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة