الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الملكيّة الفكرية… ابتكار قديم حاول حماية حقوق المبدعين

كيوبوست

قد نعتقد أن الملكيّة الفكرية ابتكار حديث ظهر مع ظهور الاختراعات الثورية أو مع تراكم الإبداعات البشرية سواء الفنية أو العلمية أو التجارية، إلّا أن السجلات التاريخية تكشف أن أصول الملكية الفكرية تعود إلى 600 قبل الميلاد.

فتشير أقدم السجلات إلى أنّ الملكية الفكرية ظهرت في مدينة سيباريس الإغريقية خلال القرن السادس قبل الميلاد، حيث حصل الطهاة لمدة عام على ملكية حصرية لمأكولات من ابتكارهم، وكانت تلك الخطوة بمثابة النواة التي شكّلت فكرة الملكية الفكرية.

وتضمن الملكية الفكرية حماية الإبداعات والاختراعات قانونيًا عبر حقوق، كالبراءات وحق المؤلف والعلامات التجارية… الأمر الذي يُمكّن الأشخاص من كسب الاعتراف والفائدة المالية أو المعنوية من عوائد ابتكارهم أو اختراعهم، وفقًا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، التي تحتفل، في 26 أبريل من كل عام منذ تأسيسها عام 1967م، باليوم العالمي للملكية الفكرية، نظرًا للدور الذي “تؤدّيه الملكية الفكرية في تشجيع الابتكار والإبداع”.

اقرأ أيضًا: أهم عشرة اختراعات غيرت العالم

بين العرف والدين والقانون

بالعودة إلى الملكية الفكرية في الحضارات القديمة، تؤكد بعض الروايات استمراريتها كفكرة متعارف عليها بين الشعوب السابقة، فبعد الإغريق، اعترفت روما بالملكية الفكرية عرفيًا دون تشريع قوانين تتعلق بها، فقد نسب الرومان اللوحات لرساميها، كما حاسبوا سارقي الأعمال الإبداعية. مثلًا فقد تم القبض على شخص يدعى “فيدنتينوس” وهو يلقي بعض أعمال الشاعر الروماني “مارتيال”، دون ذكره المصدر.

وبعد توغُّل الديانة المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، واجهت الملكية الفكرية تحديات منعتها من الصمود، فقد انتشرت معتقدات تُحقّر الفردية وتقدير الذات وإبداعاتها، وعليه نزع الإمبراطور زينون الاعتراف بالملكية عن المنتجات الفنية والابتكارات حوالي عام 480م، في الوقت الذي اكتسبت فيه الكنيسة سيطرة مطلقة على الإمبراطورية بأكملها.

تمثال لأول حاصل على براءة اختراع المهندس المعماري فيليبو برونليسكي- Mc Xas/Fotolia

ومع انحسار دور الكنيسة في الإمبراطورية الرومانية، تضاءل التأثير الديني، وعاد التوازن إلى المجتمعات التي بدأت تُقدّر الإنتاج البشري تحديدًا في أوروبا، ليتم إصدار أول قانون لبراءات الاختراع في جمهورية فلورنسا في 19 يونيو 1421م، لصالح المهندس المعماري فيليبو برونليسكي، لتصميمه سفينة نهرية.

قوانين الملكية الفكرية

وتتمثل أهميّة قوانين براءات الاختراع والملكية الفكرية، بأنها تضمن حماية منتجات العقل البشري من الاستخدام العشوائي، مما يضر بصاحبها على الصعيد المعنوي والمادي، لذلك تلا القانون الفلورنسي لبراءات الاختراع قوانين أخرى في أوروبا، منها قانون عام 1474م في البندقية الذي كان من شأنه ضمان حماية حقوق صاحب الملكية الفكرية.

 كما سُنّ قانون الاحتكارات في إنجلترا عام 1623م الذي اعترف بحقوق المخترعين، ووضع تعويضات بحال التعدي على الملكية الفكرية، لكنه بالمقابل فرض حدًا للفترة الزمنية التي يتمتع بها أصحاب براءات الاختراع، ومدتها أربعة عشر عامًا.

اقرأ أيضًا: اختراع الآلة الكاتبة.. قفزة في نشر المعرفة

وعلى الرغم من التقدم الذي قطعته قوانين الملكية الفكرية، تحديدًا مع بداية عصر التنوير في أوروبا، فإن حقوق المؤلفين ضمن ما يعرف بحقوق النشر كانت حتى ذلك الوقت مهمشّة، حتى صدر قانون الملكة البريطانية “آن” عام 1710م، والذي يعتبر أول قانون لحقوق النشر الحديثة، وأبرز القوانين مساهمةً بتنظيم الملكية الفكرية للأعمال المكتوبة.

الملكة البريطانية “آن”- Scottish National Portrait Gallery

فقبل صدور قانون الملكة آن، استباح الناشرون حقوق الكتّاب وجهدهم الشخصي، عبر طباعة وبيع الكتب والمؤلفات على هواهم دون موافقة أصحابها، لكن بعد صدور قانون الملكة آن حصل المؤلفون على الحماية، عبر منحهم حقوق التأليف والنشر لمدة أربعة عشر عامًا، مع إمكانية تجديد المدة لأربعة عشر عامًا إضافية بحال كان الكاتب على قيد الحياة. وعلى نهج النموذج البريطاني في مجال الملكية الفكرية، سارت عدة دول أوروبية كبلجيكا وهولندا وإيطاليا وسويسرا.

في حين ظهرت الحاجة لسنِّ قوانين أخرى تكفل حقوق المبدعين خلال القرن الثامن عشر، عندما شهدت المحاكم الأوروبية قضايا بين أطراف متنازعين على ملكية فكرية لإحدى الإنتاجات الإبداعية.

الملكية الفكرية العالمية

انتقلت الملكية الفكرية من نطاق الدول إلى النطاق العالمي خلال أوائل القرن التاسع عشر، عبر المعاهدات الدولية المختلفة، وكان أولها اتفاقية باريس عام 1883م، التي عُنيت بالملكية الصناعية بما في ذلك براءات الاختراع والنماذج الصناعية، وعلامات الخدمة والأسماء التجارية وغيرها، لمساعدة المبدعين على ضمان حماية مصنفاتهم الفكرية في البلدان الأخرى.

اقرأ أيضًا: 10 اختراعات من صنع نساء لا يمكنك الاستغناء عنها

وتلا اتفاقية باريس؛ اتفاقية برن عام 1886م التي مكَّنت المبدعين مثل المؤلفين والموسيقيين والشعراء والرسامين وما إلى ذلك، من التحكم بطريقة استخدام مصنفاتهم، وتحديد من يستخدمها، وبأية شروط.

بمرور الوقت، تأسست هيئات إدارية مركزية نتاج الاتفاقيات العالمية لحقوق الملكية الفكرية، واندمجت، مشكّلة مكتبًا تابعًا للأمم المتحدة، أصبح اليوم “المنظمة العالمية للملكية الفكرية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات