الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الملحون والسماع الصوفي.. طقوس تحرض المغاربة على المحبة والسلام

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

لا يخلو شهر رمضان في المغرب من الملحون والسماع الصوفي؛ للتعبير عمَّا تكتنفه الذات من مشاعر وأحاسيس، بإيقاعات وألوان خاصة، تحتفي بالعشق والغزل والسلام والرثاء.

ناظمو الملحون والسماع الصوفي بالمغرب، مخلصون للتاريخ بكل تفاصيله، يرتدون لباسًا تقليديًّا (طربوشًا أحمر، وجلبابًا أبيض) في جلسات روحانية، ويُؤدون مقاطع موسيقية من التراث الأندلسي، وأبياتًا موزونة بشكل جماعي.

لحظات تتوحَّد فيها الأصوات، لترتقي عن مشاغل الحياة بحثًا عن الحب والسلام، ونبذًا لخطاب الكراهية والعنف.

اقرأ أيضًا: الصوفية في الأردن.. مستقبل غامض وعلاقة ملتبسة بالدين والسياسة

لفن الملحون جذور أندلسية

ظهر فن الملحون، لأول مرة، في القرن السابع الهجري، في العهد الموحدي؛ حيث نشأ في مدينتَي سجلماسة وتافيلات.

ويعتبر الفنان المسرحي والباحث المغربي المتخصص في الثقافة الشعبية المغربية عبدالمجيد فنيش، أن “بناء قصائد الملحون بالمغرب، لديه جذور أندلسية”.

ويُضيف عبدالمجيد فنيش، خلال حديثه إلى “كيوبوست”: “الملحون يُعد من روافد الذاكرة الفنية المغربية؛ لارتباطه بطقوس الحياة اليومية في المغرب منذ أكثر من ستة قرون”.

“الملحون استفاد من أشعار اليهود والمسلمين بالأندلس”

ويقول الباحث المغربي: “إن الموسيقى الأندلسية كانت توصف بالنخبوية وأرستقراطية؛ لذلك نشأ الملحون كرد فعل عليها”.

ويتابع المختص في الثقافة الشعبية المغربية: “الملحون استفاد من الموسيقى الأندلسية، ومن أشعار أبدعها المسلمون واليهود في الأندلس”.

عبدالمجيد فنيش؛ كاتب مسرحي مختص في الثقافة الشعبية بالمغرب

اقرأ أيضًا: أرض تنبت الأولياء

“سلطة الملحون في كلماته”

ويُضيف المتحدث ذاته: “سلطة الملحون في كلماته، وليست في الآلات الموسيقية، وهذا ما يُعبِّر عنه المثل المغربي (الملحون فراجتو في كلامو)؛ أي قوته في كلماته”.

لا يحتاج هذا الفن إلى جمهور كبير، بل فقط إلى متذوقين ومستمتعين بروحانيته.. يحتسون أكواب الشاي المغربي، ويُسافرون بقصائده المتمردة على قواعد اللغة العربية إلى مختلف محطات التاريخ المغربي.

ويرجع الأصل في تسميةِ الملحون إلى أنه يَصدر عن صاحبه مُلَحَّنًا منذ الوهلة الأولى، كما لا يلتزم مؤدوه بالقواعد أو ضوابط اللغة العربية.

ويُعد وسيلةً تعبير اعتمدها المغاربة؛ للسب والتوسل والغزل وأحيانًا للإخبار وتدوين التاريخ بلهجة عامية موزونة.

اقرأ أيضًا: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة والهدف منها؟

ومن رواد فن الملحون المغربي، نذكر التهامي المدغري، وسيدي قدور العلمي، والجيلالي متيرد، ومحمد بن سليمان، وأحمد الغربلي، ومحمد الكندوز، وإدريس بن علي.. وغيرهم الكثير.

المسكوت عنه في الملحون

يعتبر الباحث المختص في الثقافة الشعبية بالمغرب عبدالمجيد فنيش، أنه “في السابق لم تتناول وسائل الإعلام في المغرب الملحون بشكله العام؛ بل اختزلته في الغزل والمديح النبوي، وقصائد الفكاهة والترفيه”.

يشير عبد المجيد فنيش إلى أن الملحون بمثابة نقد اجتماعي، موضحًا: “توجد عشرات القصائد التي حَكَت عن واقع المجتمع وبؤسه ووثقت لتاريخه، وربما وثَّقت لأحداث لم تُتناول في التاريخ، ولم يذكرها المؤرخون”.

اقرأ أيضًا: كيف تعالج اكتئابك بالموسيقى؟

ويُضيف الباحث المغربي: “حاليًّا نُسجل تزايد الاهتمام بهذا الفن، وهناك عدة بحوث جامعية تتناول المسكوت عنه بالملحون، بعدما كان الحديث عنه من الطابوهات”.

ويُعتبر فن الملحون فنًّا لإطراب الذات والغير في الآن ذاته، كما نجح في أن يحفظ التاريخ المغربي من النسيان، ويُغذِّي الجانب الروحاني والجمالي في حياة المغاربة.

السماع الصوفي يُحَرِّض على السلم

ينقل السماع الصوفي عشاقه إلى عوالم الحب والسلام، بعدما صمد أمام التغيرات التي مسَّت الفن المغربي.
وتحفظ الأضرحة والزوايا بالمغرب تراثَ السماع الصوفي، كما تعمل الدولة المغربية على تشجيع هذا النوع من التراث العريق.

ومن أشهر مهرجانات السماع الصوفي، مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، ويُعد مناسبةً للاستمتاع بالغنى الفني والروحي والتاريخي لهذا الفن العريق، وتعريفًا بالصورة الإيجابية للإسلام دوليًّا.

وللتعرف أكثر على السماع الصوفي، يُقرِّبنا الفنان والمنشد المغربي عبدالله امهاه، في هذا الحوار من خصوصية السماع الصوفي بالمغرب، ولماذا يرتفع الإقبال عليه في شهر رمضان؟

السماع الصوفي وتحفيز الذات

ويُجيب عبدالله امهاه: “من المعروف في شهر رمضان بالمغرب أنه تتقاطع الشعائر التعبدية وطقوس السماع الصوفي التي تُحفز المغاربة أكثر على الامتثال للأحكام الشرعية خلال هذا الشهر الكريم”.

ويُضيف المتحدث ذاته: “السماع الصوفي يُساعد على خلق أجواء رمضانية، والتحفيز على صلة الرحم ومدح النبي وتحقيق السلم الداخلي”.

ويُتابع الفنان والمنشد المغربي، في حديثه إلى “كيوبوست”: “في رمضان؛ خصوصًا في الأيام العشرة الأخيرة، يُقبل المغاربة على السماع الصوفي والأمداح، التي تُعد بمثابة فترات للاستراحة لا تخلو من أكواب الشاي”.

ويمضي عبدالله امهاه قائلًا: “إن هناك اختلافات بين الفرق من حيث تأدية السماع الصوفي، فهناك فرق تستعمل الآلات الموسيقية، وأخرى تكتفي فقط بـ(الطبل)”.. وفي طقوس المديح المغربية يُفضل عدم استخدام الآلات الموسيقية؛ لأن قوة الطاقات الصوتية للمؤدين قادرة على تغطية غياب الآلات الموسيقية، وهذا لا يبخس من الفرق الأخرى.  

اقرأ أيضًا: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

السماع الصوفي مرتبط بالزوايا

ويشير امهاه إلى أن “السماع الصوفي يؤدَّى في البيوت والتجمعات العائلية والمهرجانات، وأيضًا يُخصَّص في مسابقات القرآن حيز زمني لفقرات السماع الصوفي”.

ويضيف المتحدث ذاته: “بسبب الحجر الصحي، قدَّم بعضُ فرق المديح فقرات للسماع الصوفي عن بُعد، واستخدم وسائل التواصل الاجتماعي”.

ويؤكد المنشد المغربي أن السماع الصوفي ارتبط بالزوايا، موضحًا: “في كل زاوية يوجد شيخ ومريدوه، وأيضًا أوراد، عبارة عن أذكار يلقنها الشيخ لأتباعه”.

ويشير امهاه إلى أن “لكل زاوية مديحها الخاص وقصائدها التي ينظمها شيخها؛ مثلًا في الزاوية (الحراقية) يمدحون ما نظمه (الشيخ الحراق)”.

ويرى امهاه أن السماع الصوفي يوجد في جميع الزوايا بالمغرب طيلة السنة؛ لكن يرتفع الإقبال عليه في شهر رمضان.
وعزا المنشد المغربي ذلك إلى أن “القلوب في هذا الشهر مهيَّأة للطاعة ومتشوقة للعبادة، وسماع المديح”.

السماع الصوفي موعد لتطهر الذات

تُعبِّر كلمات السماع الصوفي عن وجدان الفرد، وتزرع في المستمعين قيمًا جمالية راقية تُسهم في ترويض القلوب وتهذيبها.

“في السماع الصوفي يتطهر الإنسان من أعباء الحياة ومشاقها، وترتفع معنويات الفرد”، يقول الفنان المغربي عبدالله امهاه.

الحضرة فن نسوي أندلسي- “مواقع التواصل الاجتماعي”

واقتحمتِ النساء عالمَ السماع الصوفي بالمغرب، ولم يعُد حكرًا على الذكور؛ ومن أبرز الأسماء النسائية “أرحوم البقالي”، ومجموعتها للحضرة الشفشاونية شمال المغرب.

وتعتبر الحضرة من الفنون المغربية الأندلسية العريقة، ويعود تاريخها إلى القرن السابع عشر، وتُنشد أناشيدها في الزوايا والأضرحة.

وما يُميز فن الحضرة بالمغرب أنه فن نسوي، تؤديه مجموعة من النساء في البيوت والزوايا؛ حيث يرددن أذكار وطقوس المديح التي تتسم بالصوفية والروحانية.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية

مقالات ذات صلة