الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المقبرة اليوسفية.. هل من مساعٍ رامية لمحو الآثار العربية والإسلامية في القدس؟

إسرائيل تؤكد أن المشروع يخدم سكان الحي الإسلامي في القدس.. والفلسطينيون يتهمونها بمحاولة طمس روح التنوع الديني في المدينة العتيقة

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة  

ضجة واسعة تثيرها مقبرة اليوسفية الملاصقة للمسجد الأقصى في مدينة القدس من الجهة الشرقية، وذلك بعد أن أقدمت آليات إسرائيلية على تجريف أجزاء من المقبرة؛ الأمر الذي أثار ردة فعل أهالي القدس الفلسطينيين الذين يقولون إن “الشرطة الإسرائيلية حاولت إخفاء عظام الأموات ومصادرتها بعد عمليات تجريف في المقبرة” .

ويعد هذا التجاوز الرابع على التوالي على أرض المقبرة خلال 7 سنوات؛ إذ في سنة 2014 قامت البلدية بإغلاق أكثر من 40 قبراً بالباطون؛ لمنع الدفن فيها، وفي سنة 2017 جرفت جزءاً كبيراً من الأرض واقتلعت الأشجار وخَرَّبَتِ المنطقة الجنوبية من المقبرة. وفي شهر 12/2020 اقتحمت جرافات إسرائيلية في القدس أرض مقبرة صرح الشهداء، وهدمت سورها، وبدأت أعمال التجريف والتخريب فيها؛ لإقامة حديقة ضمن مشروع كبير “ما حول أسوار القدس” يتضمن القطار الهوائي “التلفريك” ومسارات واستراحات.

اقرأ أيضاً: 5 مناطق استولت عليها “إسرائيل” لتغييب تاريخ القدس

مقاومة ضعيفة

ويصف مراقبون في الشأن الفلسطيني ردة الفعل الشعبية والرسمية على هذه الاعتداءات على مر السنوات بأنها كانت ضعيفة جداً؛ بل لم تكن هناك ردة فعل أصلاً، وذلك حسب ما أشار إليه المحامي المقدسي حمزة قطينة، الذي يؤكد أنه في بعض الأحيان لم يحضر للدفاع عن المقبرة سوى رجل واحد فقط تجاوز السبعين من عمره، هو رئيس لجنة المقابر، الحاج أمين أبو زهرة.

ويؤكد قطينة أن ملكية الأرض كمقبرة إسلامية ثابتة قطعاً بالوثائق الرسمية، علاوةً على القبور والصرح الشاهد على هذا الوضع، ومنذ سنة 1964 أكدت محكمة الاستئناف الأردنية -فترة الحكم الأردني في القدس الشرقية- أن هذه الأرض أصبحت جزءاً من منطقة المقابر ضمن المشروع الهيكلي الجديد، والدفن فيها قد توالى منذ سنة 1967.

 

عبير زياد

وفي هذا السياق، تؤكد الناشطة المقدسية ورئيسة قسم الأبحاث الأثرية‏ في ‏المسجد الأقصى‏، عبير زياد، أن الأرض التي عمدت على تجريفها القوات الإسرائيلية مؤخراً هي ملك لعائلة المظفر بالقدس، وهي ملاصقة لمقبرة اليوسفية، مشيرةً إلى أنه تم بيعها لأمانة القدس في عهد السيطرة الأردنية على مدينة القدس؛ لإقامة نُصب لضحايا من الجيشَين العراقي والأردني، منوهةً بأن الأردن سجَّلها حديقة عامة لأجل النُّصب بعد أن كانت تحت سيطرته، ومن ثم جاء الاحتلال الإسرائيلي وتحولت السيطرة إلى بلدية القدس.

وتضيف زياد، في حديثها إلى “كيوبوست”، قائلةً: “ولكون تلك الأرض ملاصقة للمقبرة التي أصبحت ضيقة، بدأ الناس بالدفن وأصبحت تقترب من النُّصب، فأصبحت جزءاً من المقبرة، حيث عمد آل المظفر إلى رفع قضية على البلدية وتم إعطاؤهم تعويضاً، وبلدية القدس تقول إن الأرض هي ملك لها ولا توجد فيها أي قبور؛ لكن الحقيقة أنها تحتوي على قبور، وهذا ما تأكد بعد التجريف”.

وتشدد زياد على أن الدين اليهودي يؤكد أن أي أرض لو كانت تحتوي على عظام لأحد الموتى اليهود لتم إيقاف ومنع التجريف أو البناء فيها، متسائلةً في الوقت نفسه: “لماذا أمواتنا لا يوجد أي احترام أو قدسية لهم؟ لأنه بطبيعة الحال لا يوجد أحد يدافع عنهم والجميع صامت ويتفرج”.

عمليات تجريف الجزء الشمالي من المقبرة اليوسفية متواصلة- وكالات

وتؤكد زياد أن سلطات الاحتلال مُصرة على الاستمرار في الحفر حول المقبرة، وتم تركيب كاميرات وسياج وبوابة خاصة؛ لأجل الاستمرار في المخطط، مشيرةً إلى أنه تم الإقرار على إبعاد اثنين من  لجنة رعاية المقابر الإسلامية في القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، وتم منعهما من دخول المقابر الموجودة بالقدس، ملمحةً بأن بلدية القدس التابعة للاحتلال الإسرائيلي نشرت مخطط الحديقة، مدعيةً عدم وجود قبور بالمنطقة.

مشروع خدمي

وفي هذا السياق، أعلن رئيس بلدية القدس موشيه ليون، عبر حسابه على “فيسبوك”، أن ما يحدث في مقبرة اليوسفية، هو جزء من تطوير المتنزه الذي بجوار سور البلدة القديمة، وتم تنفيذ عمليات الترميم بتكلفة نحو 20 مليون شيكل، لصالح السكان الذين يعيشون في الحي الإسلامي وما حوله، وتضمن ذلك نقل محطة نفايات البلدة القديمة التي كانت موجودة هناك لأكثر من 40 عاماً، وإضافة المقاعد والإنارة لرفاهية السكان، كما تم تجديد الأرصفة والأرضيات، مشيراً إلى أن الأعمال بدأت منذ عدة أشهر وقد حصلت على جميع التصاريح والموافقات اللازمة؛ بما في ذلك موافقة المحكمة اللوائية، على حد قوله.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني المسجد الأقصى للمسلمين غير العرب؟

ويوضح ليون أن هذا المتنزه محدد كمنطقة عامة مفتوحة للجميع وليس كمقبرة، ومع ذلك يجب التأكيد أنه لم ولن يتضرر أي قبر أثناء الأشغال، ولا توجد أية نية لإخراج أي قبر من مكانه؛ حيث يتم تنفيذ أعمال التطوير بأقصى قدر من الحساسية، بهدف تحسين نوعية حياة السكان المسلمين وإتاحة المكان لعشرات الآلاف من المصلين، كما هي الحال في جميع أنحاء البلدة القديمة.

لكن عبير زياد تنفي وجهة النظر الإسرائيلية تلك، مؤكدةً أن هناك أهالي مرابطين بجانب قبور أبنائهم لحمايتها في مقبرة اليوسفية، مشددةً على أنه تم تجريف الجزء الشمالي من المقبرة اليوسفية والتي كانت تخضع ضمن إطار ملكية أمانة القدس في عهد السيطرة الأردنية، مؤكدةً أن المخطط المستقبلي سيعمل على تجريف كامل المقبرة.

ديمتري دلياني

وفي سياق متصل، يعتبر المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، ديمتري دلياني، أن الهدف من عملية الاعتداء على المقبرة اليوسفية أنها جزء من المخطط التهويدي لمدينة القدس وإعادة تكوين هوية مزيفة لها غير هويتها الإسلامية- المسيحية- العربية- الفلسطينية الأصيلة، مشيراً إلى أن إسرائيل تسعى إلى وضع حديقة عامة في تلك المنطقة، تمتد ضمن مخططهم لما يسمونه بالحديقة التوراتية، التي تسعى بلدية القدس لتنفيذها خلال الأعوام العشرين المقبلة حول البلدة القديمة كأكبر عملية تزييف لتاريخ وحضارة لأية مدينة في العالم.

اقرأ أيضاً: تقسيم المسجد الأقصى يلوح في الأفق: هكذا تجري مخططات الاحتلال

ويضيف دلياني، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”: “بالنسبة إلى إسرائيل كل ما هو غير يهودي وكل مَن هو غير يهودي هو مستهدف؛ فهي تسعى إلى (أسرلة) القدس وتهويد آثارها ومعالمها، وهي عملية مستمرة منذ اليوم الأول للاحتلال عام 1967، وستستمر على الرغم من مقاومتنا التي ستستمر لوقف الممارسات الإسرائيلية التهويدية في القدس وإنقاذها بمقدساتها ممثلةً في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والآثار الإسلامية والمسيحية”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة