الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“المقاهي”.. تاريخ أثرى الحياة السياسية والفكرية في أوروبا

كيوبوست

كغيرها من المرافق، اضطرت المقاهي إلى أن تغلق أبوابها مع بداية انتشار فيروس كورونا وحتى يومنا هذا، ولا شك أن لكل مرفق دوره في الحياة اليومية، إلا أن دوراً استثنائياً تحظى به المقاهي في أوروبا، التي لطالما اجتمع فيها الفلاسفة والثوار والكتاب، ومنها خرجت الأفكار وأمهات المؤلفات، وظلت إلى الأبد المكان الأهم للتفاعل الاجتماعي، بعيداً عن الحانات التي ارتبطت بالسُّكر والمشكلات.

لكن تلك المقاهي، التي أثْرَت الحركة الفكرية والسياسية في أوروبا، تحديداً خلال عصر التنوير، ومن ثمَّ عادت إلينا كمنتج رأسمالي، كانت انطلاقتها من العالم الإسلامي.

خلخلة الطبقية

كبديل عن الحانات، ولأن الدين الإسلامي يحرم المشروبات الروحية، أوجد المسلمون في مدينة القسطنطينية (إسطنبول حالياً)، في القرن الخامس عشر، أول مقهى، باسم “Kiva han“؛ كمكان للالتقاء وتبادل الحديث والاستماع إلى الأغاني، والتواصل مع تجار البندقية، ثم انتقلت المقاهي إلى مدن عربية كانت تعاني الاحتلال العثماني؛ أولاها مدينة مكة في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي ولَّد عاملَين من شأنهما إحداث تغير غير محبذ بالنسبة إلى أية سلطة احتلالية؛ العامل الأول تمثل في أن المقاهي مكان يجري فيه تبادل الأفكار، أما العامل الثاني فقد كان ذا طابع جذري؛ عندما بدأت المقاهي بخلخلة البنية الاجتماعية الطبقية التي كانت سائدة في الإمبراطورية العثمانية، وكان ذلك من خلال قدرة جميع شرائح المجتمع على طلب فنجان قهوة غير مكلف، والجلوس في نفس المكان وعلى نفس الطاولات.
لاحظت السلطات العثمانية القوة الكامنة التي تخفيها المقاهي؛ لذا أصدر السلطان مراد الرابع، في عام 1633م، مرسوماً ينص على أن استهلاك القهوة يعد جريمة يعاقب عليها القانون، وعمل بشكل دؤوب للقبض على صانعي القهوة!

اقرأ أيضاً: سانت بطرسبرغ.. مدينة الثورات والحروب ودرة السياحة الروسية

بعدها انتقلت المقاهي إلى أوروبا، فقد افتتح أول مقهى في البندقية عام 1629، وفي لندن أنشئ أول مقهى عام 1652م، وهناك ظهرت فكرة المساواة أيضاً ضمن مجتمع ذي تسلسل هرمي محكم؛ ولكن الأمر الإضافي الذي ميَّز المقاهي البريطانية أنها كانت ذات طابع جماعي، فقد ضمت طاولات جماعية تتناثر فوقها الصحف، وبدورهم كان الزوار يناقشون معاً أخبار الصحف.
كانت
 المقاهي التي أُطلق عليها (مصنع الأخبار)، مثار رعب بالنسبة إلى ملك بريطانيا حينها تشارلز الثاني، فخلال الحرب الأهلية البريطانية قطع رأس والده شارلز الأول، وأصبح أي مكان يتم فيه الحديث عن السياسة وقرارات الدول وسياساتها مرعباً بالنسبة إليه، وفي ديسمبر من عام 1675م أمر بإغلاق جميع المقاهي في لندن؛ لكن القرار لم يصمد طويلاً، فقد استمر 11 يوماً فقط، وكسبت المقاهي معركتها ضد الدولة في بريطانيا.

المحامي كاميل ديمولين يحرِّض الجماهير في Café de Foy- المصدر: laporteouverte

انطلاقة الثورة الفرنسية

أخذت المقاهي الباريسية مع بداية انتشارها طابعاً أرستقراطياً؛ فقد اعتاد كتاب وفلاسفة، كجان جاك روسو وفولتير وغيرهما، على ارتياد مقهى “Procope”؛ وهو أقدم مقهى في باريس، افتتح عام 1672م، لكنه أغلق وأعيد افتتاحه في عشرينيات القرن الماضي، واتسمت المقاهي في باريس، على عكس مقاهي لندن، بالفخامة.

مع مرور الوقت، تغير طابع المقاهي الباريسية وأصبحت مكاناً للنقد والتحريض؛ لذلك لعبت دوراً ريادياً في انطلاق الثورة الفرنسية (1789- 1799)، ففي مقهى Café de Foy، تمكن خطيب الشارع، المحامي الشاب كاميل ديمولين، من حشد الجمهور في المقهى، وصعد على إحدى الطاولات شاهراً مسدسه، وبدأ يخطب ضد الملك لويس السادس عشر؛ احتاجاً على عزل ونفي وزير المالية جاك نيكر، المتعاطف مع الطبقة الفقيرة، وفي اليوم التالي تم اقتحام سجن الباستيل الذي اعتُقل فيه المعارضون.

مقهى “Procope”

وظلَّت المقاهي منذ إنشائها، وإلى فترة الحرب العالمية الثانية، مكاناً ينفي الخصوصية ما بين الطاولة وجارتها، حتى الاحتلال النازي لفرنسا، وتشكُّل المقاومة الفرنسية التي استخدمت المقاهي كمقرات للاجتماع؛ ما استدعى تعاون أصحاب المقاهي لوضع فواصل خشبية تحافظ على خصوصية مَن يخططون لمقاومة الاحتلال.

وفي القرن العشرين كانت المقاهي ملتقى الفلسفة والفكر والفن؛ فقد واظب مفكرون وأدباء؛ مثل جان كوكتو وإرنست همنغواي وإف سكوت فيتسجيرالد، على الوجود فيها.

الفاصولياء الغامضة

ارتبطت المقاهي في فيينا، عاصمة النمسا، بذكرى الانتصار على الغزاة، عندما تمكن النمساويون في عام 1683م من طرد الغزاة الأتراك، الذين خلفوا وراءهم أكياساً تحتوي على حبوب فاصولياء غامضة، حسب اعتقاد السكان المحليين. وبدوره قام الدبلوماسي والجندي البولندي جيرزي فرانسيسك كولشيكي، الذي وجِد هناك حينها، بافتتاح المقهى الأول في فيينا باستخدام حبوب الفاصولياء الغامضة تلك التي تبين في ما بعد أنها حبوب بُن.

أقدم كافيه في فيينا- City of Vienna

وكان كولشيكي على علم بأن حبوب الفاصولياء الغامضة هي في الحقيقة قهوة؛ لأنه كان أسيراً لدى الدولة العثمانية. ومن جانبهم، أُعجب النمساويون بمشروب القهوة، أما في بولندا التي يعود الفضل إلى أحد أبنائها في نشر ثقافة المقاهي في النمسا، فقد افتتح أول مقهى في عاصمتها وارسو عام 1724.

اقرأ أيضاً: لحظة فتح قبرتوت عنخ آمون”.. كيف بدأت لعنة الفراعنة؟

وتحافظ فيينا حتى يومنا هذا على العديد من مقاهيها التي يبلغ عمرها أكثر من 300 عام، والتي تمتلك خاصية تميزها عن باقي مقاهي العالم؛ كونها “غرف معيشة” أكثر منها مقاهي، إذ يمكن للزبون أن يقضي يومه كاملاً فيها دون أن ينزعج منه أصحابها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة