الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةحوارات

المفكر السعودي عبدالله الغذامي: نسعى في الخليج لتكريس التعددية الثقافية

شخصية العام الثقافية في جائزة الشيخ زايد للكتاب يتحدث لموقع "كيوبوست" عن التحولات الفكرية والثقافية التي تعيشها الدول الخليجية في ظلِّ عالمٍ تسوده متغيرات متسارعة..

كيوبوست- أمل صقر♦

بين يدي الحوار…

يحتاج إجراء حوار مع الناقد والمفكر السعودي الدكتور عبدالله الغذامي إلى احتشادٍ فكري، بالنظر إلى الفضاءات العريضة التي تمتد إليها اهتماماته الفكرية ورؤاه وجهوده العلمية التي تواصلت ما يقرب من نصف قرن من الزمان، ولم يتردد إزاءها المثقف المهموم بقضايا وطنه وأمته، والمستند إلى معرفة أصيلة وراسخة، في الاشتباك مع مشكلاتها وإشكالياتها بجرأة وإقدام تؤطرهما الرصانة والعمق، ويكملهما الحيوية الدافقة والقدرة على تقريب أصعب الأفكار إلى أذهان عموم القراء، دون المساس بالدقة أو الانضباط العلمي الذي يبلغ حد الصرامة.

ومفكر بحجم الدكتور عبدالله الغذامي ليس في حاجة إلى مناسبةٍ بعينها لإجراء الحوار معه، لكن اختياره “شخصية العام الثقافية” في “جائزة الشيخ زايد للكتاب”، ووجوده في أبوظبي لتسلم الجائزة أتاح لنا فرصة اللقاء به، وإجراء هذا الحوار. وكانت استجابة الدكتور عبدالله الغذامي الكريمة والبشوشة لرغبة موقع “كيوبوست” في إجراء الحوار معه، مدخلاً إلى رحلة فكرية معه، بدأت بالحديث عن الجائزة، وامتدت إلى شؤون وشجون وهموم فكرية طرحناها عليه، وأجاب عن أسئلتنا بكرم واستفاضة يجعلان من هذا الحوار واحداً من الحوارات التي نعتز بها.

أجاب الدكتور عبدالله الغذامي عن كل أسئلتنا، متدفقاً كعادته، وقادراً على تبسيط أعقد الإشكاليات، على النحو الذي صقلته خبرته الطويلة في مخاطبة الجمهور الأوسع والوصول إليه، وهي المهارة التي أوضح لنا ظروف اكتسابه لها، واتخاذها منهجاً في الكتابة، لم يتوقف كرم الدكتور عبدالله الغذامي عند هذا الحد، فقد أخبرنا بأنه يُقدِّم في هذا الحوار معلوماتٍ وأفكاراً لم يُدلِ بها في حواراتٍ سابقة، وأنه سوف يُفرد لهذا الحوار جزءاً في كتابٍ جديد له قيد الإعداد..

اقرأ أيضًا: الدكتور عبدالله الغذامي لـ”كيوبوست”: تراجع التشدد في المجتمع أسهم في تراجع الإلحاد

وفيما يلي ملخص لأبرز ما ورد في الحوار من أفكار، كما يتوفر رابط للحوار، مفرغاً كاملاً (بتصرف) على الرابط التالي

الفيديو التالي تسجيل صوتي للقاء كاملا

أسماء الفائزين بـ”شخصية العام الثقافية” في “جائزة الشيخ زايد للكتاب” تعكس تنوعاً عابراً للأجيال والثقافات والانتماءات والميول الفكرية والتخصصات.

1- نهنئكم يا دكتور باختياركم شخصية العام الثقافية في جائزة الشيخ زايد للكتاب.. ماذا يعني هذا الفوز بالنسبة إليكم؟

– شكراً جزيلاً، إذا نظرنا من الناحية الموضوعية يحسن أن نركز على الجائزة نفسها، وما تعنّيه بالمعنى الثقافي. فالجائزة بالتنوع الذي فيها يشهد عليه أسماء الفائزات والفائزين في السنوات كلها، والتنوع الذي فيهم، العابر للأجيال وللثقافات وللانتماءات وللتخصصات، بما فيها التي تجنح باتجاه المستقبل مثل فكرة المؤلف الشاب، وجائزة الشخصية الثقافية التي هي تكريمية لشخصٍ ما ترى الجائزة أن له رصيداً ثقافياً، وتريد أن تقدره، هذا هو معنى التعددية الثقافية في الجائزة، هذا معنى التسامح الثقافي. الجائزة تعني أن الاختلافات محترمة، وتقدَّر بما أنها اختلافات، لكنه اختلاف يفضي إلى ائتلاف، ويفضي إلى بنية متكاملة العناصر مع تعدد هذه العناصر المكونة للبنية.

د. عبدالله الغذامي يستلم جائزة شخصية العام الثقافية في جائزة الشيخ زايد للكتاب

لدى دولة الإمارات مؤسسات ثقافية تمتلك الحيوية والقدرة على التفاعل المستمر والحضور الدائم.

2- كيف ترون الواقع الثقافي والفكري في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما تقييمكم لتأثير الجهود الثقافية الإماراتية خليجياً أو على المستوى العربي؟

– هو الدور الذي تقوم به الإمارات عبر مؤسساتها… فمثلاً اتحدت المؤسسات الثقافية في أبوظبي تحديداً حول مركز أبوظبي للغة العربية، والمركز مظلة لجائزة الشيخ زايد، ولمعرض الكتاب، ولأمير الشعراء، ولمشروع كلمة للترجمة، هذه بمجملها أنشطة مهمة جداً بدءاً من الترجمة كمشروع، وامتدادًا إلى هذه الجوائز التي هي جوائز تحفيز وإعطاء المعنى التعددي الثقافي، وعندما نقول لدينا ثقافة ومؤسسات ثقافية فهنا هذه المؤسسات تتحرك بالفعل. وهناك حيوية في الحركة وحيوية في التفاعل، هذه التفاعلية مستمرة، ولها حضور دائم… هنا أركز على جانب التفاعل أما أن يكون فيه متحف في بلد…كل الدنيا بها متاحف، لكن هناك ما هو أبعد من المتاحف.. هو التفاعلية، والتفاعلية هي الأصل. 

اقرأ أيضًا: ميسون صقر لـ”كيوبوست”: سعادتي كبيرة بجائزة الشيخ زايد للكتاب لأنها مرتبطة باسمه

3- تقود دولة الإمارات العربية المتحدة مساراً للعقلنة والتنوير في الفكر العربي منذ مطلع القرن الحالي، فهل ترون أن هذا الدور يؤتي أكله على النحو المأمول؟ وما هي برأيكم الركائز التي يمكنها أن تزيد من نجاح هذا المسار وتعزيز فاعليته خلال المرحلة المقبلة؟

– دولة الإمارات كانت إمارات متفرقة وقت الاستعمار، كل واحدة لها تاريخ كبير خاص بالأساطيل والبحار، ولها وجود تاريخي قديم وعريق، مثلها مثل كل دول الجزيرة العربية والعالم العربي. لكن بعد الاستقلال ظهر الاتحاد: الإمارات العربية المتحدة، الذي تأسس على معنى التسامح، حيث كان اللقاء الأول بين المغفور لهما الشيخ زايد والشيخ راشد بن مكتوم، واتفقا ثم انضمت بقية الإمارات، وتصالحوا على نوعٍ من الدستور الذي يؤلف بينهم. ولم يحصل فيه أي خلاف أو أي شقاق. ومؤخراً مع وفاة المغفور له الشيخ خليفة رحمه الله تمت مبايعة سمو الشيخ محمد بن زايد حفظه الله بإجماع كامل، وفي دقائق، وكان الإعلان سريعاً جداً. هذا دليل على استقرار بوعي، هذا الذي يجعل الإمارات في هذه الحالة تتمكن من قيادة مشاريع ترتبط بأبعاد تتجاوز الحجم، وهي تسعى إلى ذلك بشكلٍ واضح. فهي تستقطب العقول العربية والغربية… كم فائزٍ وفائزة في جائزة الشيخ زايد من غير العرب، مستشرقين ومستشرقات.

ارتباط الإمارات جذري بالمملكة العربية السعودية، مثلاً، أخصها لأني سعودي وتحضر في أذهاننا دائماً كلمة الأمير خالد الفيصل حين قال: “السعودي إماراتي والإماراتي سعودي” وهي حقيقة ماثلة وواقعية.

لقاء سابق بين الملك سلمان بن عبد العزيز والشيخ محمد بن زايد والشيخ محمد بن راشد

أيضاً في علاقة الدولتين السعودية والإمارات مع مصر، فهذا يعطي جذراً قوياً فالثلاثي موجود الآن، وبارز استراتيجياً وبوضوح، وهناك تنسيق سياسي واقتصادي وثقافي ومستقبلي بين الثلاثي: (الإمارات- السعودية- مصر) هذا الثلاثي متماسك وقوي، ونحن كشعوب يجب أن نناضل من أجل بقاء هذا التآلف والتفاهم لأنه هو الذي يمكن أن يحقق الاستقرار للمنطقة العربية.

المنطقة العربية الآن في هذا الظرف القاسي جداً تعاني تفككاً كبيراً، ما يحدث في لبنان، وما يحدث في العراق، وما يحدث في اليمن، وما يحدث في ليبيا، وما يحدث في السودان.. إلى آخره، هذه الظروف ليست حسنة، فإذا تماسكت الدول الثلاث فلاشك أن تماسكها يعطي راحة لنا، أنا وأنتِ كأناسٍ منتمين لهذا الثلاثي، ويعطي حساً بالاطمئنان.

اقرأ أيضًا: السعودية والإمارات تُعيدان بناء لبنان.. وإيران تهدمه

في منطقة الخليج، تحول النظام القبلي إلى نظام سياسي، نموذج يختلف عن فكرة الديمقراطية من جهة أو الديكتاتورية من جهة، هو نظام كأنه رأس هرم يرتكز على قواعد متسلسلة. ولا وجود لرأس الهرم دون وجود جسد الهرم نفسه، فلو رأس الهرم اختفى، الهرم نفسه تلقائيا يصنع رأساً جديداً بشكلٍ طبيعي.

الإمارات ضمن القطب العربي المستقبلي، كل مكونات هذا القطب لديها رؤية للمستقبل… المملكة عندها رؤية 2030، الإمارات أيضاً عندها مشروعها المستقبلي المستمر.. القيادة الشابة في السعودية والإمارات… في مصر الجيش المصري أثبت باستمرار أنه يحمي الدولة المصرية، وبعد 2011 أنقذ مصر من أن تتحول إلى ليبيا أو سوريا، فالجيش المصري يعادل العائلات المالكة في الخليج..

هناك تنسيق سياسي واقتصادي وثقافي ومستقبلي بين الثلاثي: (الإمارات- السعودية- مصر) هذا الثلاثي متماسك وقوي.

الأمير محمد بن سلمان أكرمني بدعوته لي قبل إعلان رؤية 2030 لمناقشتها مع سموه.

4- تستكمل المملكة العربية السعودية تحولاً مهماً نحو التحديث والانفتاح، سيكون له تأثير مفصلي في المنطقة وفي العالم العربي والإسلامي.. فما هي أهم ملامح هذا المشروع من وجهة نظركم؟ وما هي التحديات التي لا تزال تعترضه؟ وما مدى قدرته على التغلب عليها؟

– التحديات إذا لم توجد فلن يكون هناك مشروع أصلاً، ميزة المشروع أنه يمتحن نفسه مع التحديات، والمسألة هي القدرة على مواجهة التحديات، وربما أنني لا أكشف سراً أن الأمير محمد بن سلمان أكرمني بدعوته لي قبل إعلان رؤية 2030 بمفردي، كما دعا مجموعة من أربعة أشخاص لاستشارتهم. أول لقاء كان معي، ولمدة ساعتين، وشرح الفكرة كاملةً، سألت سؤالاً استدعى إجابة حملت الإجابة أن هناك الخطة (ب)، أي مخطط لمشروع لديه الخطة (ب) معناه أنه يعي أن هذا المشروع سيصادف تحدياتٍ كبرى، وليست تحديات بسيطة، لأن التحديات البسيطة يمكن التنبؤ بها، فالمخططون عادة يتوقعون مثلاً حدوث أزمة اقتصادية، أو وباء عالمي أو ظروف مناخية صعبة، لكن ممكن يأتي شيء لم يخطر على البال، ويخالف كل التوقعات التي بحوزتنا، فماذا نفعل؟ أي مشروع كبير من الممكن أن ينهار إلا إذا كان للمشروع الخطة (ب).

التحدي الأكبر الذي انتصرنا عليه في السعودية هو العقدة الثقافية الاجتماعية التي حرمت المرأة من ممارسة دور تمتلك القدرة على أدائه بكفاءة.

أما التحدي الأكبر الذي خلصنا منه هو العقدة الاجتماعية، العقدة الثقافية الاجتماعية التي حرَّمت قيادة المرأة للسيارة، وكشف الوجه، وعمل المرأة في مجالات غير (ممرضة- طبيبة- معلمة).

الآن اختفت هذه المحرمات، أصبحتِ الفتاة إذا عادت من البعثة الدراسة الخارجية تتساوى مع الولد، وبات يمكنها العمل في كافة القطاعات (قيادة الطائرة، الالتحاق بالجيش…). كذلك لم يعد على الفتيات أخذ موافقة ولي الأمر للسفر. فبالتالي أزيلت عقبة اجتماعية خطيرة جداً كانت تهشم المجتمع من داخله، وكأن هناك عبودية، وهي غير مقصودة، كنا كأولياء أمور غير راغبين في هذه القيود، حتى المجتمع لم يكن موافقاً عليها.. سوى فئةٍ مسيطرة مؤثرة، وصوتها عالٍ فيُظن أنها صوت الجميع. هذه عقبات كانت أساسية. أهم من الاقتصاد. هذا تغير نوعي جعلنا طبيعيين، وكنا طبيعيين أصلاً لكن هناك من يكتم طبيعيتنا، يقهرها قهراً ويمنعها من أن تعبِّر عن نفسها، وهذا تحدٍّ كبير وتجاوزناه.

رغم صعوبة التقاليد والعادات المرأة خلف المقود- وكالات

5- الآن النظام بات داعماً للمرأة بصورة كاملة، فالسؤال: هل أداء المرأة السعودية مُرضٍ…دورها في المجتمع بعد هذه القرارات، كيف يمكن لحضرتك تقييمه؟

– دورها مُرضٍ تمام، وهي تواجه بتنافسيةٍ كبيرة في سوق العمل، فليس كل فتاة تدخل سوق العمل تجد وظيفة، فلا توجد كوتة توظيف في الشركات… من جانبٍ آخر، لا يوجد ولد يتخرج من الجامعة ولا يجد وظيفة إلا في بعض الحالات، ممكن يحصل حالة على سبيل المثال، حالة في طب الأسنان، هناك تشبع حصل ما يشبه البطالة.

الآن الوضع تغير، نجد أن كثيراً من شركات القطاع الخاص نسبة دخول البنات هي الأعلى في التوظيف، والفتاة إذا توظفت، وبدأت تنفق على أهلها، فهذا سيوثر على انتعاش الاقتصاد، ويخفف الأعباء على الدولة.

الجيش المصري حمَى الدولة المصرية وأنقذها من مصير يشابه سوريا والعراق.. وهو يعادل العائلات المالكة في الخليج.

6- هل ترون أن التيار الليبرالي في منطقة الخليج قد أدى دوره المطلوب منه في إنجاز التحول الحالي في منطقة الخليج؟ وما هي المسؤوليات والمهام التي يجب أن يضطلع بها في المرحلة الحالية؟

– لديّ كتاب عن الليبرالية، وعندي محاضرات عنها، وانتقدتها مثل ما انتقدت الحداثة وأنا حداثي، فانتقدت الليبرالية وأنا ليبرالي، أعتقد أنه يجب أن نتجاوز هذا لأن فكرة مصطلح الليبرالية أصبحت موصومة.

الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والمعرفي الآن أصبح في زمن التعددية الثقافية، إذا بدأنا نطلق مصطلح ليبرالي وغير ليبرالي فهذا يعني أنه مجتمع استقطاب. أنا منذ ظهوري حداثي، وإلى اليوم وإلى بكرة، لكن لا أرغب الآن أن أسمي نفسي (حداثي) لأني أعتبرها وصمة ثقافية في زمن التعددية الثقافية، أنا أقول الآن بالتعددية الثقافية، وهذا مصطلح ينتمي إلى مرحلة ما بعد الحداثة.

التعددية الثقافية تحيل إلى مفهوم أن قيمة الإنسان فيما ينتج وليس فيما يقول، أنا في زماني المبكر كله كنت عروبياً قومياً ناصرياً طوال تاريخي، كنت وغيري كل واحد حسب انتمائه في حالة استقطاب، كأننا في خندقٍ نتربص ببعضنا بعضاً.

اقرأ أيضًا: الشرفي: المجتمعات العربية الإسلامية لم تشارك في انتاج الحداثة (1-3)

البعض لا يزال لديه هذه التقسيمات: ماركسي.. ليبرالي.. حداثي.. هذا الكلام لم يعد له معنى كان له معنى وقت الرجعية الثقافية، وقت الانهيار الثقافي، والانهيار السياسي والاقتصادي.

الآن الاستقطاب الوحيد الموجود في المنطقة العربية الاتجاه الإخواني.. اتجاه الإسلام السياسي.. ما عداه لا يوجد استقطاب. الليبراليون تفتتوا وتشتتوا وضعفوا، ومن حسن الحظ أنهم ضعفوا لأنهم يجب أن يدخلوا إلى تفكيرٍ آخر.. تفكير التعددية الثقافية. أنا أعرف كثيراً من الليبراليين الكويتيين، وهم أبرز المجاميع الليبرالية في منطقة الخليج، وكلهم أصدقاء، الآن دخلوا إلى منطقة التعددية الثقافية، وأصبحوا لا يستقطبون أنفسهم تحت شعار الليبرالية.

الاستقطاب الوحيد الموجود في المنطقة العربية الآن هو جماعة الإخوان المسلمين، والفروع المتفرعة عنهم، فروع أصغر وهناك متعاطفون. المتعاطفون أبرياء يظنون أن المسألة مسألة لله، مسألة دينية لإقامة شأن الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية، وهذه شعارات جميلة، لكن ما تراهن عليه ليس صادقاً.

الجيش المصري حمَى الدولة المصرية- وكالات

سنة 2013 كانت حاسمة إما أن تنتهي مصر أو أن تبدأ مشروع الخروج من تحت الأنقاض. أعتقد أن احترام الجيش المصري في هذا الحالة واجب، عادة لا نحب حكم العسكر وهذا صحيح، لكن لو تمسكنا بشعار لا لحكم العسكر وهو شعار صحيح من حيث المبدأ، ويقابله شعار الحل هو الإسلام، وهذا شعار صحيح، الشعاران صحيحان. لنمشي في المحاولة التفكيكية لو استحال على العسكر أن يمسك زمام الأمور، وظل شعار الحل هو الإسلام.. فما الذي سيجري لمصر؟

عندما أحاول الإجابة على سؤال: هل عبارة لا حل إلا الإسلام، صحيحة أم غير صحيحة، هذا ضياع للوقت في الجدليات، لأن الشعار قائم على خدعة لفظية أصلاً. هذ الذي أدركه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، عندما رفع الخوارج المصاحف على الأسنة، وقالوا لا حكم إلا لله، الشعار صحيح: لا حكم إلا لله، من يجادل فيه مخطئ، سيدنا علي ترك الجدال فيه، قال: كلمة حق يراد بها باطل.

اقرأ أيضًا: خديعة الربيع العربي: كيف خدعت جماعة الإخوان المسلمين واشنطن في ليبيا وسوريا

لماذا لم يرفع الإخوان في مصر شعار لا حكم إلا لله؟ لأنهم يعرفون رد الإمام علي عليه أصلاً، فبدلوه، قالوا: الإسلام هو الحل. الجمهور البسيط وحتى المثقفين يقولون صحيح الإسلام هو الحل لكن لستم أنتم (الإخوان) الحل، العيب فيكم أنتم وليس في الإسلام اتركوا الإسلام، الإسلام له رب يحْميه، والإسلام له ناس يتعبدون الله بقلوبٍ صادقة، ويفعلون الخير كله باسم الله.

لو كانت الليبرالية ستستقطب مثلما يفعل الإخوان المسلمون، سنعود نحن مرة أخرى ثلاثين عاماً إلى الوراء، ونبدأ نتصارع مرة أخرى.. ونتصارع على ماذا؟ على شعاراتٍ في حقيقتها صحيحة، لكنها لفظ صحيح أريد به باطل.. وصلنا إلى مرحلة من يقول بالليبرالية هو نفسه من يقول الإسلام هو الحل هو نفسه.. اختلف الشعار لكن الأفعال واحدة.

سنة 2013 كانت حاسمة إما أن تنتهي مصر أو أن تبدأ مشروع الخروج من تحت الأنقاض

لذا يجب أن نتجاوز تلك المصطلحات لأنها خداعة وموصومة، والسؤال كان عن الليبرالية.. الليبرالية تستقطب أيضاً وتقصي وتقتل وتدمر، والليبرالية الجديدة التي تسمى النيوليبرالية متوحشة اقتصادياً.

آن الأوان أن نغادر تلك المصطلحات، وندعو إلى فكرة التعددية الثقافية. ما يجب الآن هو تحرير المصطلحات، والاستقلال عن سلطة المصطلح، لأن المصطلح له سلطة قوية أخطر من سلطة الإنسان، سلطة الفكرة لأن الفكرة تستحوذ.

الليبرالية يمكن أن تقصي وتقتل وتدمر.. ومصطلحات مثل “ليبرالي” و”غير ليبرالي” تخلق مناخاً من الاستقطاب في المجتمعات الخليجية، وما يجب أن نسعى إليه هو قبول “التعددية الثقافية”.

7- لماذا أصبح التراث العربي والإسلامي أحد روافد دعم تيارات التطرف والتشدد.. على الرغم من أن العقلانية والتنوير والتعددية من أهم سماته؟ وكيف يمكن إعادة تقديم التراث على النحو الذي يعيد لهذه السمات مكانتها وموقعها الطبيعي فيه؟

– هنا توجد الخطورة وهي مشكلة إعادة تقديم التراث، وهي مشكلة سلطوية، فأنا عندما أقول أنا عبدالله الغذامي سوف أقوم وأنظر في التراث.. معناه أني أفرض قراءتي وفهمي ونموذج تفكيري، وما اطلعت عليه، وأنسى ما لم أطلع عليه.

التراث موجود مثل الهواء بالضبط، ولا يمكن أن نحجب شيئاً من الهواء على الإطلاق، وكون الهواء أحياناً نظيفاً وأحياناً ملوثاً، التراث أيضاً يكون نظيفاً ويكون ملوثاً، كما قال رولان بارت “الكلمات ملوثة بأنفاس الآخرين”.

فيروس داعش والإرهاب هو الذي جعلنا نتحسس من التراث، مثلما نحن نتحسس من الهواء بسبب فيروس كورونا.. التراث بريء والهواء بريء، الهواء مَرِضَ بفيروس فهو مصاب مثلنا، والتراث أيضاً مَرِضَ بفيروس أو فيروسات..

اقرأ أيضًا: من التحول إلى الإلحاد.. قراءة لفكر أدونيس في الثابت والمتحوِّل

أستطيع أنا أن أقرأ التراث، وأعمل تأويلاً لحادثةٍ ما بطريقتي.. ويأتي آخر ويؤول الحادث ذاته بطريقته، فكل واحد منا عنده تفسيره.

فما الدافع وراء آليات التفسير؟ العلة في الدافع وراء تفسير أمرٍ ما أو حديثٍ ما أو حكمٍ ما.. هذه اللعبة مع التراث الذي يريد أخذ المعاني إلى حدود التطبيق، ويكون هو المطبق، هذه هي العلّة، يأخذ المعنى، يأخذه من التراث بالطريقة التي يميل إليها لأن العقل سيقوده إلى نوعٍ من التأويل، يفعل بعد ذلك فعل التطبيق بيده.

فكرة أن نُقّول التراث وأن نعدل التراث…من الّذي يعدل التراث؟ من يملك السلطة على تعديله؟ من يطبق التعديل؟ هل أنا من يفسر ويطبق أم منْ؟ ثم السؤال الأخطر من كل هذا: أين نحن الآن من حرية التفكير؟ يجب أن نقيد التفكير حين إذن، ونقول فكِّر بهذه الطريقة، واقرأ بهذه الطريقة.. اقرأ هذا ولا تقرأ هذا.

هذه جميعها أمور من المحالات، وهنا تصبح لعبة ديكتاتورية مرة أخرى.. نعالج الظلم بظلم، نعالج الديكتاتورية بالديكتاتورية مثلها.

كتابة المقالات الصحفية حول موضوعات نقدية كبرى دفعتني إلى تأليف كتبي اللاحقة بالدرجة نفسها من اليسر والليونة الأسلوبية دون أن أضحي بالفكرة.

8- انتقلتم من المجال الأكاديمي، ومن ساحات النقد الأدبي الذي حفرتم اسمكم بين رموزه، إلى مجالِ العمل العام والاشتباك المباشر مع قضايا المجتمع ومعاركه، بتعقيداتها وتبعاتها وتكاليفها، فكيف تقيمون هذه التجربة؟ وكيف تعاطيتم مع تعقيداتها ومشكلاتها؟

– أنا لم أكنْ محصوراً ومقيداً بقيد الأكاديمية إلا في كتابي الأول «الخطيئة والتكفير» عام 1985، هذا الكتاب كان أكاديمياً وكنت مقيداً بالأكاديمية، فاكتشفت أخطاء الأكاديمية، وصعوبة استقبال الناس لها سواء طلبتي في الجامعة أو في المجال العام.

وعندما طلب مني تركي السديري، رحمه الله، رئيس تحرير جريدة (الرياض) أن أكتب مقالاتٍ في جريدة (الرياض) أبين فيها البنيوية، وما بعد البنيوية، والتشريحية. في البداية تخوفت، فكيف سأضع هذا الكلام كله في مقالٍ صحفي، فجربت أول مقال، وتبسطت فيه قدر الإمكان كأني أحكي، ونجح المقال الأول واستمررتُ فنجحت المقالات.

وبدأت أقول لماذا لا أجعل كتبي أيضاً بنفس السهولة والليونة الأسلوبية دون أن أضحي بالفكرة، فعمَدْت إلى أن أكتب بمثل ما أحكي، بحيث لا يكون هناك فارق كبير في المستوى الشفهي والمستوى الكتابي، أضع خط اللغة التي يمكن أن نسميها العربية الفصحى المحكية، ثم مع تعدد اللقاءات الإعلامية هذَّبتُ طريقتي في التعبير والتفكير، فأصبحت لغتي أقرب إلى السلاسة.

هذه المناقشات ساعدتني على تأليف كتابي “العقل المؤمن والعقل الملحد”، ثم كتابي “قلب المؤمن”، ثم أخيراً “مآلات الفلسفة”

ولما دخلت حيز “تويتر” أول دخولي تخوفت فتغريدة في ذلك الوقت 140 حرفاً قصيرة جداً فجربت وجربت إلى أن نجحت 140 حرفاً.. نتج عن هذا أنني بدأت أكتب مقالات باسم توريقة، حيث فيها أحول ما أكتبه في بضع صفحات إلى بضعة أسطر..

هذا التحول من الأكاديمية البحتة التي تخاطب فئة خاصة إلى المشروع الفكري المنفتح على القاعدة العريضة. بالنسبة لي مخاطبة الأكاديمي ليس لها معنى، فهي مشابهة لتحاور طبيب مع زميلٍ له.

تخوفت من دخول “تويتر”.. واليوم لا أستغني عنه إطلاقاً.

9- في السياق ذاته، لديكم تجربة مميزة في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وهو ساحة اشتباكٍ شائكة أخرى، فما هي دوافعكم إلى هذه الخطوة؟ وكيف ترون تجربتكم في “تويتر”؟

– في البداية تمنعت، وقلت ما هو الشيء الذي أستطيع أن أقوله في 140 حرفاً، بعد ذلك جاءتني فكرة إجراء دراسة عن “تويتر” فقررت الدخول إلى “تويتر” لعمل بحث، وليس بنية أني فقط مغرّد، لكن لإجراء البحث كان لابد من التفاعل فغردت وتفاعلت مع الناس. ونشرت كتابي «ثقافة تويتر»… ثم الآن لا أستطيع أن أغيب عن “تويتر” على الإطلاق.. أصبح مثل إدمان القهوة.

كتبي الأخيرة «العقل المؤمن والعقل الملحد»، و«قلب المؤمن» و«مآلآت الفلسفة» كانت استجابة لنقاشاتٍ نجمت عن أسئلة وردتني في رسائل “تويتر” تستفسر عن المعاني الوجودية وتمثل قلقًا بالغاً لمن طرحوها.

10 – أخيراً، هل هناك ما تود قوله لمحبيك ومتابعي مسيرتك في الخليج والعالم العربي؟

– المتابعات والمتابعون، أولاً هم أصحاب الفضل في متابعتي، ووجودي في “تويتر” هو لهذا السبب، لأن أكون على وصلٍ وتواصل مع القاعدة العريضة على مستوى العالم العربي، والمهاجرين العرب، في كافة أنحاء المعمورة.

في “تويتر” الفائدة الجليلة التي حدثت فيه بالنسبة لي هو نظام الرسائل الخاصة، وأغلبها عبر 11 سنة من وجودي على “تويتر” من باحثات وباحثين في الوطن العربي، يسألون عن قضايا تتعلق برسائل الماجستير والدكتوراه، وأبحاث خاصة بهم. وهناك فئة أخرى كانوا يتوثقون في مسائل دقيقة جداً؛ في مسألة الايمان بالله مثالاً، فلديهم أسئلة عميقة…

هذه المناقشات ساعدتني على تأليف كتابي «العقل المؤمن والعقل الملحد»، والسؤال الأساسي فيه كيف لعقول البشر أن تؤمن أو تلحد؟ فالعقل قادر على الاثنين معًا. ثم كتابي «قلب المؤمن»، ثم أخيراً «مآلات الفلسفة». والكتب الثلاثة التي حركها بحق هي أسئلة على الخاص، تسأل عن المعاني الوجودية، وتمثل قلقاً شديداً لدى من يطرحها.

تقاصرت هذه الأسئلة الآن، وأنا شخصيًا ربطتها بفكرة أنه في زمن التشدد الديني كانت هذه الأسئلة تشتد جداً، وتذكرت كلمة روسو “إن التعصب الديني أخطر من الإلحاد”. لما بدأت ترتخي الأمور، وتتحسن علاقات المجتمع، ويخف التشدد، تراجعت ظاهرة الإلحاد.


 أمل صقر: باحثة سياسية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.أمل صقر

باحثة سياسية

مقالات ذات صلة