الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب يلغي تدريس مادة الفلسفة: هل هي ضرورية حقًا؟

لماذا اعترض أساتذة الفلسفة على هذا القرار؟

كيو بوست –

أثار قرار وزارة التربية والتعليم المغربية بحذف مادة الفلسفة من الامتحان الوطني “البلكوريا”، واستبدالها بالتربية الإسلامية غضب أساتذة الفلسفة في المغرب، الذين اعتبروا القرار بمثابة إعلان حرب أيديولوجية ضد “مادة الفلسفة”. كما اعتبر مهتمون بشؤون التعليم بالمغرب، أن الاستغناء عن تدريس الفلسفة يمس مشروع الحداثة في المغرب، داعين القوى التقدمية والحقوقية والمدنية إلى التعبير عن رفضهم للقرار.

ولكن، هل لإلغاء تدريس مادة الفلسفة عواقب وخيمة كما قال المعترضون؟

الفلسفة بمعناها اللغوي مشتقة من الكلمة اليونانية فيلوسوفيا ومعناها “حب الحكمة”. وهي دراسة الأشياء والظواهر الوجودية والمعرفة والقيم وكل الظواهر الكونية، والحكم عليها ومحاولة تفسيرها عن طريق العقل، بعيدًا عن التفسير الأسطوري والميتافيزيقي الغيبي، والفلسفة تقود بالمعنى المختصر إلى البحث عن الحقائق، وتفسير الظواهر.

وجدت الفلسفة بادىء الأمر في اليونان، بحسب معظم المؤرخين، دون أن ينفي ذلك وجودها في حضارات شرقية أخرى، إلّا ان الفلسفة اليونانية تعتبر هي المشكّل الرئيس لمعظم الاتجاهات الفلسفية المعاصرة.

وقد بدأت الفلسفة في اليونان القديمة في القرن السابع قبل الميلاد، في زمن “طاليس” الذي يعتبر أول الفلاسفة، حيث كانت البيئة الاجتماعية والسياسية متطورة نسبيًا، مما مهد لنشوء الفلسفة. ومما ساعد على ظهور الفلسفة في ذلك القرن:

– ظهور نظام سياسي ديمقراطي هو نظام الدولة المدنية.

– بدء المعاملات التجارية بالعملة بدلًا من المقايضة.

– ظهور خطاب منظّم ومكتوب يعتمد على الحجة والبرهان، بدلًا من الكلام الملفوظ الذي يركّز على السرد الخيالي (الإنشاء).

والسبب الأول من الواقع اليوناني، أي نظام الدولة المدنية، هو الذي دعا المعارضين لقرار وزارة التربية المغربية للاحتجاج على إلغاء تدريس مادة الفلسفة؛ لأن الفلسفة كجهد عقلي مبني على التأمل والخيال، يحتاج أول الأمر لنظام مدني مرن يعطي الحافز للتفكير، وهو البديل عن الأنظمة الحديدية والرجعية، التي تعتمد في خطابها أغلب الأمر على صيغة تلقين الأوامر والإملاءات، واعتماد الوعظ والنظريات الجاهزة، بدلًا من التربية في مساحة حرة من التفكير، وتنمية ملكة النقد للطلاب.

فقد منعت الفلسفة في ظل أنظمة تقيّد حرية التفسير، وبالقياس مع النظام اليوناني القديم، فقد كان نظامهم الديني قبل نشوء الفلسفة، انعكاسًا لواقعهم الاجتماعي والسياسي، وتعاملوا مع الظواهر الطبيعية على أنها مسلمات لا يجوز نقدها، أما بروز الفلاسفة مثل طاليس الذي بدأ يفكر بعقل نقدي، جعله يعتقد أول الأمر أن الطبيعة تشكلّت من الماء: “العالم يأتي من المحيط ويعود إليه”. وكان تفسيره بحسب إمكانيات ذلك العصر، يعتبر تقدمًا علميًا، حتى وإن لم يُرضِ أبناء عصره. وسافر طاليس إلى أماكن تواجد الأنهار، ورأى مخلوقات طبيعية تخرج من الماء، مثل الضفادع، كما رأى أن التراب يخرج من الماء.

فتحت فكرة طاليس -على الرغم من محدوديتها- الباب أمام تفسيرات أخرى، أكثر علمية مما تقوله الأساطير حول أن “الآلهة خلقت الكون، وكفى”، ومنع على الإنسان التفكير فيما وراء تلك الـ”كفى”، فقد جاء بعده الفيلسوف “هيراقليدس” الذي قال إن أصل العالم هو النار.

ثم بدأت الآراء المبنية على الحجج وحرية التفكير والاعتقاد تزداد، حتى امتلأت اليونان بالفلاسفة، وانتشرت الحكمة في اليونان.

كثرة النظريات الفلسفية ونقدها لبعضها البعض حفّز الفلاسفة على إيجاد نظريات جديدة، فأصبحت الفلسفة في اليونان تراكمية، ثم انشقّت إلى فرعين، الفلسفة المادية التي تعتقد بأن المادة هي أصل الطبيعة وسبقت الوعي وهي بداية كل شيء، والفلسفة المثالية التي تقول بأن الوعي سبق وجود المادة.

كانت محاولات تفسير أصل الكون، هي المقدمة الطبيعية لما وصل إليه العلم تراكميًا من اكتشافات بخصوص تلك المسألة، وابتكار لنظريات الانفجار العظيم.

أما الفلسفة بكليتها فهي الضد الطبيعي للتلقين الخام، وضد التفسيرات الغيبية والسهلة لنشوء الظواهر، لأنها تزيد من قدرة الإنسان على التحليل والاستدلال الصحيح. وبسبب قدرة الفلاسفة على الابتكار النظري، فهم يزوّدون المجتمع بمبادىء الحياة جميعها؛ السياسية والاجتماعية والتربوية، ويرشدونه إلى غايات استخدام تلك المبادىء. وتساعد الفلسفة بسبب عمقها النظري على اكتشاف عيوب المنظومة الاجتماعية ونقدها، وطرح الحلول لتلك المشاكل، عبر الحث على زيادة الوعي لدى أفراد المجتمع، وحثهم على التفكير والاستدلال، لخلق أنظمة اجتماعية وتربوية حديثة، قادرة على ممارسة أسلوب الحياة المناسب.

فالفلاسفة كانوا هم المحرّك الأول للمياه الراكدة في مجتمعاتهم، مثلًا طبيعة الحياة الأمريكية التي تتعامل بالبرجماتية، كان منبعها الفيلسوفان وليام جيمس وجون ديو، أما أفكار كانظ وهيجل، فقد أثرتا في بسمارك الذي استطاع من خلال تلك الأفكار أن يوحد ألمانيا.

وكذلك الثورة الفرنسية التي غيرت وجه العالم، بسبب مبادئها وقوانينها الجمهورية، فقد انطلقت من أفكار مونتسيكيو وفولتير التي طبقها الشعب.

فالفلاسفة أولًا هم الذين صنعوا عالم الأفكار، وكانوا اللبنة الأولى في بناء المجتمعات المتقدمة، وإلغاء تدريس تلك المادة يعني أن المجتمع سيظل عرضة للركود والجمود الفكري.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة