الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب يعيد الحركة في “الكركرات” سلمياً

أعلنت جبهة البوليساريو الانسحاب من وقف إطلاق النار بما يهدد استقرار المنطقة.. بعد نحو ثلاثة عقود من الاستقرار الهش

كيوبوست

أعاد المغرب استئناف الحركة عبر معبر الكركرات الحدودي بعد توقف استمر ثلاثة أسابيع، وفي أعقاب تحرك القوات الملكية المغربية تجاه المعبر لإنهاء الإغلاق الذي قام به عدد من النشطاء الصحراويين على الطريق المؤدي إلى المعبر؛ مما أدى إلى تكدس المركبات على الحدود المغربية- الموريتانية.

تحرك قوات البوليساريو تجاه معبر الكركرات وتعطيل حركة المرور لأحد المعابر الحيوية التي تربط المغرب بمحيطه الإفريقي أمر لم يكن ممكن السكوت عنه، حسب محمد الزهراوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الذي أكد، لـ”كيوبوست”، أن ما حدث كان بمثابة خرق للقانون الدولي والمواثيق الدولية والمحلية كافة، ومن ثمَّ لم يكن أمام الجيش سوى التدخل لإعادة الحركة إلى المعبر وتحقيق انسيايبة الحركة بعد توقف لم يتضرر منه المغرب فقط؛ ولكن أيضاً موريتانيا، ودول إفريقية أخرى.

محمد الزهراوي

وأضاف الزهراوي أن تدخل القوات الملكية المغربية جاء سلمياً؛ لطرد الميليشيات المسلحة وإنشاء حزام أمني يكون تحت السيطرة من الناحية المغربية، بينما تتحمل موريتانيا مسؤولية الجانب الآخر الواقع في حدودها من المعبر، وبما يخدم استمرار الحركة التجارية والمدنية من دون عوائق.

تدخل هادئ

لم يرغب المغرب في مواجهة مباشرة، ومن ثمَّ سعى للتعامل مع الأمر بحكمة والتحرك فقط لتأمين الكركرات وإعادة الحركة إلى طبيعتها، حسب الدكتور العباس الوردي أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس، الذي يؤكد، لـ”كيوبوست”، أن المملكة حافظت على سياسة ضبط النفس والتدخل وَفق المبادئ الأممية، مع اعتراض مسلحين الطريق وقيامهم بإنشاء خنادق على بُعد أمتار من المنطقة العازلة.

وأوضح الوردي أن المغرب تعامل بشكل سلمي مع الموقف وعمل على إنهاء الأزمة من دون اللجوء إلى المواجهة المسلحة؛ لحرصه على الحفاظ على الأمن، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة عليها تحمل كامل مسؤوليتها في ما يتعلق بالعمل من أجل التسوية السياسية العاجلة للمسألة.

اقرأ أيضًا: الهامش.. وصناعة التطرف في المغرب

وأعلن المغرب نشر قوات في المنطقة العازلة رداً على ما وصفه باستفزازات مقاتلي البوليساريو؛ حيث تم تأمين المنطقة العازلة بالكامل بحازم أمني في غضون ساعات من صدور قرار التدخل في المنطقة التي تشهد توترات منذ عام 2016، وتعتبر آخر منطقة يسيطر عليها المغرب على الطريق المتجه نحو المنطقة العازلة التي تحرسها قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة “مينورسو”؛ حيث تحافظ البوليساريو على وجودها هناك.

بعض مقاتلي البوليساريو – وكالات

من بين أهداف الحزام الأمني في المنطقة وضع حد للتهديدات التي تحيط بالأمن الإقليمي في المنطقة نتيجة الاستهدافات المتكررة من جبهة البوليساريو، حسب الأكاديمي والمحلل السياسي المغربي محمد بودن، الذي يؤكد لـ”كيوبوست” أن القوات المسلحة الملكية تمتلك إمكانات تجعلها قادرة على تحقيق أهدافها؛ خصوصاً أن تحركها جاء بناءً على توجيهات ملكية بتحقيق الاستقرار.

ولفت بودن إلى أن الأمم المتحدة نبهت إلى التحركات غير الشرعية في المنطقة العازلة؛ خصوصاً في ما يتعلق بإغلاق المعبر أو ممارسة مضايقات عليه، مؤكداً أن الجيش قام بممارسة العمل السيادي على الأراضي المغربية، وسيعمل على الحد من العبث الذي كانت تسعى البوليساريو لإحداثه بالمعبر.

استفزازات متتالية

اختارت البوليساريو أسلوب الاستفزازات المتتالية كسبيل للعودة إلى الواجهة بعد أن فقدت مصداقيتها أمام المجتمع الدولي، حسب الدكتور إدريس لكريني أستاذ العلاقات الدولية في المغرب، الذي يؤكد، لـ”كيوبوست”، أن المغرب تمكَّن من الرد في المحافل الدولية على جميع الأكاذيب التي ترددها الحركة خلال الفترة الماضية؛ وهو ما ظهر في التفهم الدولي للموقف المغربي المستند إلى الحل على أسس قانونية، خصوصاً بعدما طرح مشروع الحكم الذاتي.

إدريس لكريني

وأضاف لكريني أن المغرب تمكَّن بعودته إلى الاتحاد الإفريقي، مؤخراً، من تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية؛ من بينها تحييده في القضية باعتبارها قضية تدخل في صميم اختصاص الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن قوة الموقف المغربي والدعم الذي حصلت عليه الرباط من دول إفريقية وعربية عديدة جعلا البوليساريو يشعرون بالهزيمة وحاولوا العودة إلى الواجهة بإثارة أزمة المعبر.

وكان الاتحاد الإفريقي قد دعا، عبر رئيس مفوضية الاتحاد، موسى فقي محمد، إلى الإسراع في تعيين مبعوث أممي خاص بملف الصحراء؛ من أجل تسريع إطلاق العملية السياسية، مؤكداً دعم الاتحاد للجهود الأممية في التوصل إلى حل سياسي عادل ومقبول من أطراف النزاع.

وأصدر زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، مرسوماً يقضي بإنهاء الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 1991، داعياً إلى اتخاذ الإجراءات والتدابير المتعلقة بتنفيذ مقتضيات حالة الحرب وفتح الباب أمام استئناف القتال دفاعاً عما وصفه بالحقوق المشروعة للشعب.

زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي – وكالات

قرار الانسحاب غير مفهوم، حسب العباس الوردي، الذي يؤكد أن القرارات الدولية بطبيعتها ملزمة لجميع الأطراف، مؤكداً ضرورة أن تتحمل الجزائر مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي باعتبارها الحاضن الرئيسي لجبهة البوليساريو؛ والتي أصبحت تشكل خطراً على الأمن الإقليمي بعدما أظهرت عدم قدرتها على تسوية حتى نزاعاتها الداخلية، وهو ما يستلزم موقفاً جزائرياً بعدما أثبتت الجبهة استحالة الارتقاء إلى مرتبة دولة؛ خصوصاً مع تاريخها المعروف القائم على المرتزقة والتمويل الخارجي، مشيراً إلى أن الجزائر تلعب بالنار عبر إشعال حرب بالوكالة ستكون انعكاساتها سلبية على المنطقة.

اقرأ أيضًا: التعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين: أفكار من الخبرات المغربية

د. العباس الوردي

يؤكد الوردي أن المغرب سيبقى متمسكاً بحقه في الحفاظ على وحدة أراضيه وسيادته عليها؛ بما فيها الأقاليم الجنوبية، لافتاً إلى أن الرؤية المغربية بمشروع الحكم الذاتي الذي اقترح عام 2007 ويحظى بترحيب نحو 85% من دول العالم، هي الرؤية المثالية للتعامل مع الأمر.

موقف جبهة البوليساريو بالانسحاب من الاتفاق يعكس الوجه الحقيقي الرافض للانخراط في تسوية سياسية أو التعامل بحسن نية، حسب إدريس ليكرني، الذي يرى أن الجبهة تظهر للعالم استعدادها للحوار؛ لكن في الوقت نفسه تواصل خرق الاتفاقيات الدولية، في الوقت الذي يقوم فيه المغرب بإعطاء الفرصة الكاملة للأمم المتحدة ودول الجوار في جهود الوساطة.

اقرأ أيضًا: فيروسات التكفير والتطرف تنبعث في زمن “كورونا” بالمغرب

سيناريوهات مختلفة

وتبلغ مساحة الصحراء الغربية نحو 226 ألف كيلومتر مربع، يُدير المغرب نحو 80%، بينما تدير جبهة البوليساريو نحو 20%، ويقدر عدد سكانها بنحو نصف مليون شخص يتوزعون على المدن الرئيسية. ووافق المغرب على مبادرة منح البوليساريو الحكم الذاتي تحت الإدارة المغربية؛ وهو ما رفضته البوليساريو، بينما تعطَّل استفتاء كان يفترض أن يتم الشروع فيه بعد إقرار وقف إطلاق النار عام 1991؛ بسبب عدم الاتفاق على مَن يحق له المشاركة فيه وما ستتضمنه ورقة الاقتراع.

يؤكد إدريس ليكرني أن المغرب نجح في التعامل مع الأزمة المفتعلة، وأجهض محاولات البوليساريو العودة إلى الواجهة؛ بسبب طريقة التدخل في التوقيت المناسب وبالشكل الذي يؤكد صحة الموقف المغربي، معتبراً أن التهديد بالعودة إلى العمل المسلح من جانب الجبهة ليس جديداً على الخطابات الرسمية، ويأتي ضمن خلط الأوراق والتخارج من الانخراط في التسوية السياسية، تحت إشراف الأمم المتحدة؛ بما يتضمنه من طرح مشروع الحكم الذاتي.

وأضاف ليكرني أن بلاده حريصة على استخدام اللغة الدبلوماسية حتى في أزمة المعبر؛ وهو ما برز في اللغة المستخدمة للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية بشأن التحرك العسكري الذي جاء وفق الضوابط القانونية، ولم يتضمن استعمال السلاح إلا في حالات الضرورة، مؤكداً أن وجود بؤرة خارجة عن القانون تقع تحت سيطرة العصابات أمر يؤدي السماح بوجوده إلى عواقب وخيمة.

محمد بودن

يشير محمد بودن إلى أنه حال تعرض الجيش المغربي إلى هجمات، فإنه سيقوم بالتحرك للدفاع الشرعي انطلاقاً من المادة 51 لميثاق الأمم المتحدة، مؤكداً أنه أحياناً تكون الإجراءات الردعية هي أفضل الطرق لخلق الاستقرار؛ خصوصاً أن التحركات من الأساس هدفها تحقيق السلم والأمن في المنطقة ومواجهة التحركات غير الشرعية التي تقوم بها الميليشيات.

يحاول المغرب تفادي الحرب، حسب محمد الزهراوي؛ لكن إذا اضطرت إلى دخولها كسيناريو أخير لا نتمنى أن تذهب إليه الأوضاع، فإن قواعد الاشتباك ستتغير، وستتدخل القوات لأبعد نقطة، ولن تكون عمليات كر وفر؛ فهذه الحرب ستكون مصيرية للمملكة، خصوصاً في ظل انسداد ملف التسوية الأممي والدعم الجزائري للبوليساريو من أجل إشعال فتيل الحرب، مؤكداً أن المملكة ستعمل على الدفاع عن حدودها ووحدة أراضيها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة