الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب يراهن على المذهب المالكي للوقاية من التطرف الديني

مراقبون يؤكدون بأن اعتماد المغرب على المذهب المالكي شكَّل عاملاً داعماً لمواجهة الفكر المتطرف

كيوبوست – حسن الأشرف

يراهن المغرب على المذهب المالكي الذي يعتمده كمذهبٍ رسمي في البلاد، من أجل تحصين الهوية الروحية والشخصية الدينية من كل أشكال التطرف والتشدد الديني، بالنظر إلى خصائص هذا المذهب المتمثلة في الاعتدال والوسطية، بالإضافة إلى الارتكاز على ثوابت أخرى مثل العقيدة الأشعرية، وتصوف الإمام الجنيد.

ويرى مراقبون بأن اعتماد المغرب على المذهب المالكي شكَّل عاملاً داعماً لمواجهة الفكر المتطرف، باعتبار أنه مذهب مرن يأخذ بعين الاعتبار تطورات العصر، وتقلبات الظروف الاجتماعية، كما أنه مذهب يعتمد المصالح المرسلة، والاستحسان في الاجتهاد الفقهي، ما يجعل هذا المذهب متسماً بصفة الوسطية بين العقل والنقل، والشرع والواقع.

القوة التأصيلية للنموذج المغرب

د.أحمد البوكيلي

في هذا الصدد يقول الدكتور أحمد البوكيلي، باحث في الفكر الإسلامي والحضارة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الحديث عن الدور المركزي للاختيارات المغربية في مجال تحصين الهوية الروحية والثقافية للأمة المغربية يتطلب من الناحية المنهجية والعلمية ضرورة تبني الرؤية الشمولية لاستراتيجية محاربة الإرهاب، سواء على مستوى السياسة الأمنية أو على مستوى السياسة الثقافية والتربوية.

وأشار البوكيلي، في تصريحاتٍ لـ”كيوبوست”، إلى أن “جوهر القوة التأصيلية للنموذج المغربي الذي يضرب في عمق الذاكرة التاريخية للأمة المغربية، بحكم أن هذه الاختيارات ليست حديثة، وإنما هي أصيلة تعكس الاجتهاد المقاصدي للعقلية المغربية في مجال تأصيل الاختيارات العقدية والمذهبية للأمة المغربية”.

اقرأ أيضاً: المجالس العلمية بالمغرب تواجه رهان الوسطية والاعتدال

ووفق المتحدث ذاته، يحتاج الباحث الأكاديمي لتفسير هذه العلاقة التركيبية في اختيار المغاربة إلى استيعاب ثلاثية العقيدة الأشعرية، والتصوف الجنيدي، والفقه المالكي، نظرا لأن الرؤية الأحادية للنموذج المغربي من الممكن أن تؤدي إلى تجزيئ النسق النظري للمنظومة الاجتهادية للمدرسة المغربية، في حين أن النظر إلى هذه الاختيارات المغربية من زاوية النظرة الشمولية يفضي إلى فهم القوة التنظيرية والتكاملية لمختلف الأبعاد المقاصدية المشكلة لهذه الاختيارات الدينية والحضارية.

ويسرد البوكيلي أهم النقاط الجوهرية للاختيار المذهبي والفقهي للمغاربة، أبرزها أن اعتماد المغاربة على المذهب المالكي أعطى للعقلية الاجتهادية المغربية الأفق الواسع للاجتهاد المقاصدي المبني على الأصول الفقهية للمذهب، وأهمها قاعدة المصلحة المرسلة، التي تفتح المجال لاستيعاب كل المستجدات المجتمعية الإيجابية التي لا تتناقض مع أصول الإسلام، وبالتالي إمكانية إدماج كل القيم الإنسانية التي تتجاوب وخدمة المصالح الإنسانية.

وبهذا المفهوم، يكمل البوكيلي، يأخذ الاختيار المذهبي بعداً حضارياً ينفتح على كل التجارب الإنسانية والقيم الحضارية المشتركة بطريقةٍ تعطي القوة الاجتهادية للعقلية الإسلامية لتقدم للعالم هذا النموذج المنفتح للتدين، مشيرا إلى أنه “هنا بالضبط تكمن القوة التأصيلية لبناء العقلية المحصنة من كل أشكال العنف والإرهاب، خصوصاً أن القاعدة النفسية للإرهاب تتمثل في النموذج الثقافي المعلق الذي يؤثر سلباً على آليات اشتغال العقلية الإسلامية، وذلك من خلال صناعة عقلية دينية متعصبة لا تؤمن بالانفتاح على الآخر، وتقوم على كراهية الغير وتكفيره والحكم عليه”.

مدرسة تربوية وإصلاحية

من جانبه يرى الدكتور خالد التوزاني، أستاذ باحث في الأدب والإسلاميات ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي “مساق”، أن المذهب المالكي الذي اختاره المغرب ثابتاً دينيا يسهم- إلى جانب باقي الثوابت؛ العقيدة الأشعرية وتصوف الإمام الجنيد- في الوقاية من التطرف والتشدّد، بما يحمله هذا المذهب من خصائص عامة، مثل قيم الوسطية والاعتدال وقبول الآخر المختلف، وإعمال الأعراف والعادات والتقاليد التي لا تتعارض مع تعاليم الشريعة الإسلامية، كما أن هذا المذهب المالكي تحول إلى مدرسة تربوية وإصلاحية أدّت وظيفة أساسية في بناء الشخصية المغربية بكل خصوصياتها ومقوماتها.

د.خالد التوزاني

واستطرد التوزاني، في حديثٍ مع “كيوبوست”، بأن هذا المذهب “يملك القدرة على استيعاب كل المتغيرات، والتكيف مع المستجدات، بما فيه من آليات المرونة والتكيّف والتغيّر، تبعاً لتبدل حاجات المجتمع والناس، ولذلك كان هذا المذهب ملائماً لخصائص الشخصية المغربية، وهي شخصية تتشبث بالأصول، وترتبط بالعادات والتقاليد، وتميل إلى الحرية والعزة والكبرياء، وهذا المذهب منحها تلك الحرية وتلك العزة، خاصة وأنه يقوم على العمل وليس مجرد التنظير”.

ولفت الباحث إلى أن المذهب المالكي اعتبر العادات والتقاليد مصدراً للتشريع، ما يعني أن المذهب المالكي ضد التعصب والتشدد، وضد الرأي الواحد أو الوحيد، بل يمنح الناس حرية الاختيار وينظر في كثير من العادات فيقبلها ما دامت لا تتعارض مع الكليات الخمس التي تحفظها الشريعة الإسلامية، وهذا ما يفسر ابتعاد المغاربة عن التطرف والغلو والإرهاب وميلهم إلى الرحمة والتسامح والتواصل وقبول الآخر المختلف.

اقرأ أيضا: المدارس العتيقة في المغرب… صمام أمان لصون الهوية الدينية

وزاد التوزاني قائلاً “لا غرابة أن ينتشر المذهب المالكي في المغرب، وباقي شمال إفريقيا وربوع إفريقيا، وبين صفوف الجاليات الإسلامية في أوروبا، نظراً لمرونة هذا المذهب وقوته وشموليته لمختلف جوانب حياة الإنسانية، مع الأخذ بعين الاعتبار تطور العصر وتغيّر الظروف من بلدٍ لآخر، ومن شخص لآخر في القدرة والتحمّل، فقيام المذهب المالكي على إجماع أهل المدينة وفقههم، وامتزاج ذلك بأصول عقلية وواقعية، في غاية من الدقة والمرونة والسعة؛ كاعتماد المصالح المرسلة، والاستحسان في الاجتهاد الفقهي، كل ذلك أضفى على المذهب المالكي صفة الوسطية والاعتدال، ما بين العقل والنقل، وما بين الشرع والواقع، وما بين حاجات الجسد وحاجات الروح، وأهمية السلوك المعتدل، والحرص على ما ينفع الناس”.

يحترم العقل ولا يهدم الواقع

وأفاد التوزاني بأنه “كثيراً ما يتوسط الفقه المالكي في المسألة الشرعية بين مذهبين متقابلين، إذ يختار في العادة الأكثر يسراً، وفي الوقت ذاته الأكثر موافقة لأصول الدين، دون إفراط ولا تفريط، وهو ما جنّب المغاربة -عبر التاريخ وإلى اليوم- الحروب الطائفية التي تتعصّب للرأي الواحد وترفض الآراء الأخرى، فجعل الشخصية المغربية منفتحة على كل المذاهب والآراء، بفعل مرونة المذهب المالكي الذي يحترم العقل ولا يهدم الواقع، وإنما يركّز على الأهم وهو سلامة الإنسان واستقرار المجتمع واطمئنان القلب”.

ويردف “كل هذا دفع المغاربة إلى اختيار المذهب المالكي، مع تصوف الجنيد والعقيدة الأشعرية، من أجل هذا التكامل المفضي إلى بناء شخصية سوية منفتحة على العصر، وعلى الآخر المختلف، شخصية تستوعب المتغيرات وتقبل الجديد إيماناً بضرورة التطور، ولذلك فلا غرابة أن يكون المغرب بفضل هذا المذهب وباقي الثوابت الدينية المغربية في منأى عن التيارات المتطرفة ومذاهب الغلو والآراء المتعصّبة والأفكار غير الواقعية، والتي تفرز ظواهر التطرف والإرهاب والعنصرية… وغيرها من الظواهر المسيئة للدين وللإنسان وللوطن”.

ولفت التوزاني إلى أن المذهب المالكي لقي ترحيباً ومساندةً وتشجيعاً من ملوك وسلاطين المغرب منذ تأسيس الدولة المغربية مع عهد المولى إدريس الأول قبل اثني عشر قرناً وإلى اليوم، ويظهر ذلك في رعايتهم لمؤسسة العلماء في المغرب، الشيء الذي أثمر كمّاً هائلاً من الكتب والمصنفات في المذهب المالكي، والتي ألّفها المغاربة، وشكّلت رصيداً علمياً زاخراً، تستفيد منه الأجيال الحالية وتستلهم منه قيم الوسطية والاعتدال، وتواجه تيارات التطرف والإلحاد والعصبية والعنصرية، في التزامٍ تام بباقي الثوابت الأخرى، وبتوجيهات الملك محمد السادس، بوصفه ملاذاً للأمة وحامياً للملّة والدين، وحصناً منيعاً أمام كل تيارات التطرف والتشدّد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة