الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمجتمع

المغرب يحيي ذكرى “الهولوكوست”.. ذاكرة للتاريخ ودرس للمستقبل

مراقبون لـ"كيوبوست": هذا الاعتراف سيجلب التعاطف والاحترام بين الشعوب ويسهم في تبديد سوء الفهم بين اليهود والمسلمين

المغرب- حسن الأشرف

“ليس هناك مواطنون يهود، أو مواطنون مسلمون.. يوجد مغاربة فقط”.. عبارة واحدة كانت كفيلة بإنقاذ حياة آلاف اليهود من نيران المحرقة الشهيرة “الهولوكوست” في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.

لم يكن قائل هذه الجملة سنة 1941 سوى السلطان المغربي الراحل محمد الخامس، وهو جد العاهل المغربي الحالي الملك محمد السادس.

اقرأ أيضاً: مسلم بريطاني يوضح أهمية الاحتفاء بذكرى الهولوكوست

وقد واجه السلطان المغربي الراحل بكل شجاعة حكومة “فيشي” التي أنشأتها ألمانيا النازية في فرنسا برئاسة المارشال فيليب بيتان Philippe Pétain، وذلك بإعلانه رفض تسليم اليهود المغاربة الفارين من النازية إلى نظام “فيشي” الفرنسي، رغم أن المغرب كان حينها تحت “الحماية” الفرنسية (الاستعمار).

وما زال اليهود المغاربة يتذكرون قولة الملك محمد الخامس، حينها، في حفل “عيد العرش”، “أنا لست ملك المسلمين فقط، وإنما ملك لكل المغاربة”، رافضاً القوانين المعادية لليهود، واعداً بحمايتهم وعدم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال النازية.

ملك المغرب يستقبل شخصيات يهودية

هذا الموقف التاريخي والبطولي للسلطان المغربي الراحل لحماية الطائفة اليهودية، أعاده إلى الواجهة تنظيم منتدى دولي للتسامح وحوار الأديان، قبل أيام قليلة، في كنيس موشي ناحون اليهودي بمدينة طنجة، والذي عمل على إحياء ذكرى “الهولوكوست”، لتكون بذلك سابقة في تاريخ المغرب الراهن.

أحياء “المَلَّاح”

ماكي بنقيقي، مغربية من أصول يهودية، تتذكر كيف كان والداها المتوفيان يحكيان لها عن موقف الملك المغربي الراحل، وعن الدَّيْن الذي يشعر به اليهود المغاربة في أعناقهم حيال ذلك الموقف الذي أعتق رقبة 250 ألف يهودي، بعد أن كانت المحرقة النازية تهددهم مثل باقي اليهود في العالم.

بنقيقي أوردت ضمن دردشة مع “كيوبسوت”، أن المغرب بحماية اليهود من تلك الذكرى التي وصفتها بالأليمة والمحزنة، لم يكن يخلق شيئاً مفاجئاً لما دأب عليه حتى قبل ذلك، بإيوائه اليهود في أحياء “المَلَّاح” (بتشديد اللام) المعروفة في عدد من مدن المملكة.

اقرأ أيضًا: لماذا لا يزال الهولوكوست حدثاً مهماً؟

واستحضرت المتحدثة صوراً ومشاهد من التعايش الذي كانت تشهده أحياء “الملاح” وحتى خارجها بين المسلمين المغاربة واليهود، من ذلك تبادل الأواني والأكل بين بعضهم البعض، ومباركتهم أعياد بعضهم البعض؛ بالتهنئة وتقديم طيبات الطعام والشراب، وتبادل حضور الأفراح والأتراح.

وكانت أحياء الملاح في كل من الرباط والصويرة وفاس وغيرها من كبريات المدن؛ بل حتى في بعض البوادي بالمغرب، تضم منازل وبيوت اليهود المغاربة، وأيضاً مدارسهم ومعابدهم ومدارسهم الدينية.

وكانت السلطات المغربية تترك حرية الحركة والتصرف والعبادة والتجارة والتعامل لليهود المغاربة في هذه الأحياء التي عُرفت بإيوائها لهم، قبل أن تصبح خلال سنوات خلت مجرد أطلال وذكريات لعيش اليهود فيها، بعد أن هاجر معظمهم إلى الخارج.

حي الملاح بمدينة الصويرة- (صورة: موقع أصوات مغاربية)

ويتميز المغرب على بلدان أخرى بخصوص مساكن وأحياء اليهود، كونه لم يضرب على هذه الأحياء أسواراً تعزل هذه الفئة عن الناس، أو تميز مكانهم عن الباقين؛ إذ كانت أحياء الملاح مفتوحة تجاور فيها بيوت المسلمين مساكن اليهود.

درس للمستقبل

وعمد المركز المغربي للتسامح وحوار الأديان في معبد “موشي ناحون” اليهودي، بمدينة طنجة، إلى إحياء ذكرى “محرقة الهولوكوست”، بمشاركة شخصيات دولية من مختلف الأديان السماوية؛ من بينها المعلق الإسرائيلي إيدي كوهين.

كوهين اعتبر في اللقاء المذكور أنه يتعين تغيير النظرة النمطية بشأن اليهود، وأيضاً العمل على تغيير المعارف التي تتعلق بالمحرقة اليهودية، منتقداً ما يروجه الإسلاميون بخصوص التشكيك في وجود المحرقة أصلاً.

اقرأ أيضاً: متى ينال اللاجئون اليهود من الدول العربية العدالة التي يستحقونها؟

وأدرج المنتدى شهادات ناجين من المحرقة النازية وعدد من أفراد عائلاتهم، والذين دعوا إلى استخلاص العبر الإنسانية من هذا الحدث؛ أولاها ضرورة إرساء جسور العيش المشترك بين البشر.

وقال في هذا الصدد محمد أعبيدو، رئيس المركز المغربي للتسامح وحوار الأديان، الذي نظم الحدث، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”: إن المنتدى توقف عند المواقف الشجاعة للسلطان الراحل محمد الخامس، التي جنبت اليهود بالمغرب ويلات المحرقة النازية.

يهود المغرب

محمد أعبيدو

وشدد رئيس المركز المغربي للتسامح وحوار الأديان على أن “استحضار ذكرى المحرقة النازية يعتبر درساً للمستقبل والقيم السامية التي تجمع وتوحد الإنسانية”.

وزاد أعبيدو بالقول إن “إحياء الذكرى العالمية للمحرقة يرو أساساً محاربة معاداة السامية وإنكار المحرقة”، داعياً العالم بأسره إلى إبقاء هذا الحدث في الذاكرة؛ لأنه مأساة لا مثيل لها في تاريخ الشعوب”، على حد قوله.

ومن جهتها، أحيت جمعية ميمونة ومركز الأمم المتحدة للإعلام بالمغرب، اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست؛ من أجل نشر الوعي بضرورة محاربة سلوك اللا تسامح الذي يؤدي إلى العنف والتطرف.

اقرأ أيضاً: معرض لمأساة الهولوكوست في دبي

المحرقة جزء من ذاكرة المغرب

ويعلق عبدالرحيم شهيبي، الأكاديمي الباحث في معهد دراسات معاداة السامية والسياسات الدولية ISGAP بنيويورك، على هذه المبادرة بالقول إن الاحتفال بذكرى الهولوكوست لأول مرة في مدينة طنجة، يتضمن إشارة رمزية باعتبار أنها مدينة تدخل ضمن ذاكرة هذه الأحداث المأساوية التي طبعت تاريخ العالم في فترة الحرب العالمية الثانية.

عبدالرحيم شهيبي

ويشرح شهيبي، في حديث مع “كيوبوست”، أن مدينة طنجة بحكم وضعيتها القانونية، آنذاك، كانت تشكل مخيماً ومعبراً لليهود الأوروبيين الفارين من نيران الحرب في انتظار الوصول إلى وجهات أخرى أكثر أماناً، وهي في نفس الوقت شكَّلت مجالاً لانتشار وانطلاق الدعاية الفاشية ضد اليهود.

ويستطرد المتحدث بأن الاحتفال بهذه الذكرى هو أيضاً احتفال بذاكرة طنجة وإعادة الاعتبار للمغاربة اليهود الذين تضرروا كثيراً من قوانين حكومة “فيشي” الفرنسية المتعاونة مع النازية، ومن الدعاية الفاشية التي تبثها وسائل الإعلام الفاشية منها الصادرة بإسبانيا أو شمال المغرب.

ويرى شهيبي أن “التقارب الأخير بين المغرب وإسرائيل يشكل الحافز لإعلان الاحتفال بهذه الذكرى في المغرب”، مضيفاً أن “الذكرى إنسانية ولم يكن من الواجب انتظار الانفتاح في العلاقات لكي يتم إشهارها في المغرب”.

اقرأ أيضاً: شهيبي لـ”كيوبوست”: تدريس “الهولوكوست” ضرورة

ويكمل الباحث بأنه “يجب الاعتراف بالمحرقة؛ كونها جزءاً من ذاكرة المغرب الذي كان قريباً جداً من مسرح الأحداث؛ بل إنه نفسه شهد أحداثاً كانت حاسمة في إنهاء الحرب العالمية الثانية”، متابعاً بأن “هذه المأساة إنسانية لا يجب أن تتكرر أبداً سواء ضد اليهود أو غيرهم؛ بغض النظر عن الدين أو العرق أو أي تمييز آخر”.

وذهب شهيبي إلى أن “هذا الحدث لا يجد طريقه إلى المناهج التعليمية أو الإعلام، باستثناء الشذرة التاريخية التي تتحدث عن حماية السلطان محمد الخامس، للرعايا اليهود ورفضه التمييز ضدهم من طرف (الفرنسيين الفيشيين)”، قبل أن يخلص إلى أن “هذا الاعتراف سيجلب التعاطف والاحترام بين الشعوب، ويُسهم في تبديد سوء الفهم بين اليهود والمسلمين”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة