الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب يحارب التطرف ودعوات الجهاد بضبط وتقنين الفتوى

عرفت الفتوى اختلالات كبرى في المرحلة الراهنة وتحولت إلى سلاح لاكتساب شرعيات فئوية ومذهبية أو طائفية

المغرب- حسن الأشرف

تنفلت بين الحين والآخر في المغرب فتاوى دينية مثيرة للجدل، غير أن تقنين المسؤولين عن تدبير الشأن الديني في البلاد لنظام الفتوى حدَّ بشكل كبير من “فوضى الفتاوى”، وجعل من “صناعة الفتوى” أمراً يُعهد إلى علماء دين تضمهم مؤسسة دينية رفيعة هي المجلس العلمي الأعلى، التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وتنتشر أحياناً فتاوى دينية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في برامج دينية على محطات الإذاعات أو المواقع الإلكترونية، أو حتى في منابر المساجد، تثير جدلاً في المغرب، من قبيل ربط وقوع الزلازل بتفشي المخدرات، وربط إصابة المرأة بسرطان الرحم باقتراف علاقات جنسية خارج مؤسسة الزواج، أو وصف مناطق جغرافية بعينها بأنها مرتع للفساد والدعارة.. وغيرها من الآراء التي صدرت عن خطباء ودعاة وأئمة مساجد، والذين غالباً ما يتم توقيف مهامهم من طرف وزارة الأوقاف.

اقرأ أيضاً: “المرشدات الدينيات” في المغرب: هكذا تُحارب الأفكار المتطرفة

طريقة الاشتغال

وواجه المغرب هذا النوع من الآراء الفقهية والفتاوى الدينية بإنشاء الهيئة العلمية للإفتاء، التابعة إلى المجلس العلمي الأعلى، والتي “تختص وحدها، دون غيرها، بإصدار الفتاوى الرامية إلى بيان حكم الشريعة الإسلامية في القضايا ذات الصبغة العامة”، وَفق المادة 7 من قانون تأسيس الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء.

وتشتغل هيئة الإفتاء الرسمية بالمغرب من خلال تشكيل لجان علمية متخصصة يعهد إليها بدارسة النوازل والقضايا المعروضة عليها وإنجاز تقارير في شأنها وتقديم الاستنتاجات المتعلقة بها. وتستعين الهيئة عند الاقتضاء، على سبيل الاستشارة بكل شخص من ذوي الخبرة والاختصاص من غير أعضاء المجلس العلمي الأعلى.

المجلس العلمي الأعلى يختص بإصدار الفتاوى

وتورد المادة التاسعة من قانون التأسيس أن الفتاوى تصدر عن الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء؛ إما بطلب من رئيس المجلس العلمي الأعلى، وإما بناء على طلب يعرض على المجلس من طرف الكاتب العام للمجلس. ويسهر المجلس العلمي الأعلى على توثيق الأجوبة والفتاوى الفقهية الصادرة عن الهيئة في القضايا المعروضة عليها، والعمل على تدوينها ونشرها تحت إشرافه.

فتاوى رسمية

ومن آخر فتاوى الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء إغلاق المساجد مؤقتاً، ومنع صلاة التراويح في شهر رمضان لسنتين متتاليتَين؛ بسبب تفشي جائحة كورونا، حيث أكدت الفتوى الرسمية أن “الحفاظ على الحياة من جميع المهالك مقدم شرعاً على ما عداه من الأعمال؛ بما فيها الاجتماع للنوافل وسنن العبادات، وأن عدم الخروج إلى صلوات التراويح يمكن تعويضها بالصلاة في المنازل فرادى أو جماعة مع الأهل الذين لا تخشى عواقب الاختلاط بهم”.

اقرأ أيضاً: نموذج التدين المغربي يحارب التطرف بالتسامح و”إمارة المؤمنين”

وقبل فتوى الصلاة والمساجد في زمن كورونا، لم يطلع الرأي العام المغربي إعلامياً على فتاوى رسمية في قضايا عامة، باستثناء فتاوى رسمية تم ضمها في كتاب أثار سجالات كثيرة، في الفترة الزمنية بين 2004 و2012؛ منها فتوى تحرم زواج المرأة المسلمة بمن يعتنق الديانة البهائية.

ومن الفتاوى الأخرى التي حظيت باهتمام المغاربة اعتبار إسقاط المرأة الحامل الجنين في الشهر السادس من الحمل، والذي أفاد الطب بأنه معاق، عملاً محرماً في الإسلام، ولا يجوز الإقدام عليه بحال بإجماع العلماء قديماً وحديثاً، ويحرم حتى قبل ذلك حين اكتمال خلقه بمرور 4 أشهر على حمله ونفخ الروح فيه.

الفتوى أمانة دينية جسيمة في عنق المفتي والمستفتي

وبخصوص موضوع البصمات الجينية، أكدت فتوى رسمية أن تقنين التحقق من هوية الأشخاص بالبصمات الجينية صار أمراً ضرورياً، باعتباره نوعاً من الخبرة الطبية يرمي في مقصده إلى إثبات هوية الأشخاص، والتأكد منها بطريقة علمية حديثة.

 فتاوى عابرة للقارات

ويبدو أن التصدي لفوضى الفتاوى لم يتوقف عند آراء دينية تتعلق بالحياة الشخصية للأفراد أو المعاملات المختلفة؛ ولكن أيضاً هناك جهود مغربية لمواجهة “فتاوى الجهاد”، والتي يدعو أصحابها؛ خصوصاً من دعاة أو رجال دين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلى “الجهاد” في مناطق التوتر سواء في سوريا أو العراق.

اقرأ أيضاً: على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

مؤسسة دار الحديث الحسنية (وهي مؤسسة رسمية تُخرج علماء وباحثين في مجال الدراسات الإسلامية) سبق لها أن ردت على مثل هذه الفتاوى، بدعوة العلماء إلى مواجهة ما سمته “الفتاوى العابرة للقارات” التي تحض الشباب على “الجهاد”، معتبرة أنها جراثيم خطيرة تفتك بعقول الشباب وتسبب مآسي للدول الإسلامية.

لحسن السكنفل

ويشدد في هذا السياق لحسن السكنفل، رئيس المجلس العلمي لمدينة تمارة بالمغرب، على أن الفتوى أمانة دينية جسيمة في عنق المفتي والمستفتي، وأن تعمد إثارة النزعات أو الميوعة أو النزاعات في الفتاوى أمر غير مقبول، باعتبار أن غاية الفتوى تنظيم وتيسير حياة طالب الفتوى وعبره باقي الناس.

ووفق السكنفل، فإن الفتاوى التي تتضمن اتهامات التكفير أو التفسيق في حق الآخرين تؤدي إلى عواقب وخيمة، وتنشر التطرف الديني والفكري، وتعاكس الفطرة الإسلامية السلمية التي تعتمد على الاحترام والتسامح وعدم نبذ الغير.

الرابطة المحمدية للعلماء (مؤسسة فكرية دينية رسمية) بدورها انخرطت في محاربة الفتاوى المتطرفة عبر الإنترنت، وهو ما دفعها إلى إقامة مشروع فكري لتفكيك خطاب التطرف، وتدعو إلى تكوين خبراء في العالم الرقمي بهدف مواجهة الفكر المتطرف الذي بات يجد مكاناً بارزاً له في هذا العالم الافتراضي.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف باحتضان علماء إفريقيا

وأطلقت رابطة العلماء المغربية موسوعة لتفكيك خطاب التطرف، تدخل “ضمن المقاربة المعرفية التي تعتمد التعرف وتفكيك المنظومة المفاهيمية والتأويلية التي تنتج التطرف والعنف، باعتبارها مناقضة للدين، ومنافية لمنظومة القيم الإنسانية، ومدمرة لأسس المدنية والحضارة والعمران”.

تقنين وضبط مجال الفتوى بالمغرب

وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور سمير بودينار، رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، أن تقنين نظام الفتوى، أي جعل الفتوى قائمة على الشرعية العلمية والرمزية الاجتماعية والأخلاقية، بشكل يحصره في ما هو مختص لمن يتصدر للفتوى، ليس أمراً جديداً، فهو سمة تكاد تكون ملازمة لفترات واسعة من تاريخ الحضارة الإسلامية مع تغير الظروف والدوافع في كل مرحلة.

د.سمير بودينار

ويكمل بودينار الحديث بأن الذي حصل هو التغيير البنيوي لطبيعة المجتمعات المسلمة الحديثة وتشظي المرجعيات الكبرى لهذه المجتمعات وما نتج عنه من اختلاف واسع في مسارات التعليم الديني وتناقض التوجهات الفكرية والمصالح الفئوية الضيقة.

هذا كله، يكمل بودينار، فاقم الحاجة إلى إبقاء الفتوى بعيدة عن التجاذبات التي عرفتها هذه المجتمعات، فكان ضرورياً اضطلاع جهات متخصصة مؤهلة علمياً بشكل مؤسسي تتوفر فيها شروط الأهلية والاختصاص مع عدم الميل إلى تلك التحزبات، باعتبار الفتوى خطاباً يكتسي أهمية ومشروعية خاصة.

اقرأ أيضاً: مشايخ في خدمة الإرهاب.. الغرياني والتلاعب بالفتوى

ويرى المحلل ذاته أن مجال الفتوى عرف اختلالات كبرى في المرحلة الراهنة بفعل طبيعة النظام الاجتماعي الحديث وحالة الاصطفاف، وتحول إلى سلاح لاكتساب شرعيات فئوية ومذهبية أو طائفية، مبرزاً أن “الأخطر كون الفتوى تحولت إلى تبريرات تشرعن للتطرف العنيف مثل الذي مارسته بعض الجماعات معتمدة على مسوغات دينية كما حدث في عدة مناطق للتوتر”.

من هنا، يسترسل الأكاديمي، جاء التفكير بتنظيم الفتوى وتحويلها إلى نظام مؤسسي محكم خارج دائرة الفوضى والترامي عليه من طرف غير المؤهلين وأصحاب الدعاوى الفئوية، مكملاً بأنه بعد أحداث سبتمبر 2001 بأمريكا، وأحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء، اعتمد المغرب على وجود تقاليد عُلمائية (من العلماء) ومؤسسية سابقة، مثل جامع القرويين ومشيخة العلماء ومؤسسة المجلس العلمي الأعلى.

وزير الأوقاف المغربي رفقة أئمة مساجد- (أرشيف)

وزاد بودينار بأن المغرب عمل بعد ذلك على تحويل تلك التقاليد المستقرة علمياً إلى مؤسسة مختصة داخل المجلس العلمي الأعلى، وهي لجنة الإفتاء مع تركز اختصاصها على الفتاوى العامة، مثل فتوى المصلحة المرسلة، وهي الفتوى الشهيرة التي وجهت إلى المجلس العلمي الأعلى بتوجيه من الملك، ونوقشت فيها قضايا مهمة  من قبيل تدبير الشأن العام وهوية الدولة وعلاقتها بالمصلحة المرسلة، علاوة على “فتوى الجهاد” التي جاءت بعد أحداث العنف التي عرفتها فرنسا عام 2015، وأيضاً فتوى إغلاق المساجد مؤقتاً بسبب تفشي الجائحة.

وذهب بودينار إلى أنه “تم حصر اختصاص لجنة الإفتاء في فتاوى الشأن العام، بينما تظل الآراء الخاصة في العبادات في دائرة الاجتهاد الفقهي أو الرأي غير الملزم الذي يجمع بين المفتي والمستفتي في مستويات مختلفة؛ بمن فيهم أئمة المساجد والمرشدون الدينيون وأعضاء المجالس العلمية”، مبرزاً أن “التقاليد العلمية الراسخة والمشيخة العلمية التي كانت تحظى بالإجماع مدة طويلة، بالإضافة إلى مؤسسة إمارة المؤمنين، كلها عوامل وسياقات أسهمت في نجاح التجربة المغربية بشأن تقنين وضبط مجال الفتوى بالمغرب”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة