الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

التركيز على ضرورة إقامة حوار حقيقي بين التصوف ومعارضيه وإصلاح الحقل الديني بهدف تجفيف منابع الإرهاب

المغرب- حسن الأشرف

اشتهر المغرب عبر تاريخه العريق بضم العديد من الطرق والأضرحة والزوايا الصوفية، حتى إنه بات يُلقب ببلد الأولياء.

ولعل أشهر الزوايا والطرق الصوفية في المغرب: الطريقة التيجانية ذات الامتداد العالمي الشاسع، والطريقة القادرية البودشيشية، والطريقة العيساوية، والطريقة الشاذلية، والريسونية، والكتانية، والركراكية.. وغيرها كثير.

ولعبت هذه الطرق والزوايا الصوفية أدواراً محورية في حثّ المغاربة على مقاومة الاستعمار الفرنسي إلى حين حصول البلاد على الاستقلال في منتصف خمسينيات القرن الماضي.

اقرأ أيضًا: سيكولوجية المغاربة بين ضريح سيدي عبدالرحمن و”موروكو مول”

وانكمشت “الأدوار السياسية” للزوايا الصوفية خلال سنوات طويلة بعد الاستقلال؛ حيث إن الدولة المغربية اتجهت إلى تشجيع ودعم التيارات والأفكار “السلفية” لصد طموحات التيار اليساري الذي كان معارضاً شرساً ضد النظام الحاكم؛ خصوصاً خلال ستينيات وسبعينات وحتى ثمانينيات القرن الماضي.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي هزت قلب أمريكا والعالم، ثم أيضاً بعد الهجمات الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية للمملكة) في 16 مايو 2003، فطنت الدولة إلى ضرورة مواجهة التطرف الديني، فلم تجد بُداً للعودة إلى تشجيع ودعم الطرق الصوفية مادياً ولوجستيكياً وإعلامياً أيضاً.

اقرأ أيضاً: أرض تنبت الأولياء

مظاهر دعم

ويتجسد دعم الدولة المغربية للزوايا الصوفية، خصوصاً ذات الامتداد الشعبي، أو التأثير المحلي والجهوي القوي، في الهبات المالية السنوية التي يخصصها العاهل المغربي الملك محمد السادس، لهذه الزوايا.

ولا يُعرف قدر أو حجم هذه الهبات الملكية للزوايا الصوفية؛ لكنها بالتأكيد شكلت تقليداً وعادة سنوية في بداية كل عام جديد، غير أنه في السنتَين الأخيرتَين لم يتم الإعلان عن تسليم هذه الهبات كما هو المعتاد؛ بسبب ظروف الجائحة في البلاد.

وعدا الهبات المالية للملك، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تعتني بدورها بشكل خاص بالطرق الصوفية مادياً ومعنوياً؛ حيث إنه حسب إحصائيات رسمية سابقة أنفقت الوزارة أكثر من 146 مليون درهم مغربي على هذه الزوايا والأضرحة، ولعل هذا الرقم تم تجاوزه بشكل كبير في السنوات القليلة الأخيرة.

العاهل المغربي يستقبل الخليفة العام للطريقة التيجانية

ويتجلى دعم الدولة الرسمي للزوايا والطرق الصوفية أيضاً في منح مناصب المسؤولية للعديد من المنتسبين إليها، ولعل أكبر مثال على ذلك منصب وزير الأوقاف نفسه الذي يشغله أحمد التوفيق، المعروف بكونه من أكبر مريدي الزاوية البودشيشية.

دعم الدولة للتصوف ليس فقط في المال والهبات ومناصب المسؤولية؛ حيث يتمثل أيضاً في تشجيع ومساعدة السلطات لعقد الملتقيات والمؤتمرات الدولية الخاصة بما يسميه البعض “الإسلام الصوفي”، ومن ذلك المؤتمر العالمي للطريقة الصوفية في مداغ (المنطقة التي تحتضن الزاوية البودشيشية)، والملتقى الروحي الدولي لمولاي علي الشريف، فضلاً عن مهرجانات لـ”الموسيقى الصوفية الروحية”، وغير ذلك من المناسبات والملتقيات.

اقرأ أيضًا: كيف ساعد التصوف كاتبة عربية في تفكيك فنتازيا الرجل الغربي؟

الخطاب الصوفي

المؤرخ والأكاديمي المغربي الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، يرى في هذا الصدد أن العصر الذي نعيشه يتسم بانهيار المنظومة الأخلاقية، واستنبات كل أشكال التطرف؛ مما يتطلب مواجهته بإحياء القيم الروحية، والتدثر بالأخلاق الملكوتية لتطهير الذات من الكراهية، وتحقيق درجات عليا من الصفاء الروحي والكمال الأخلاقي لحلّ المشكلات المستعصية؛ ومن بينها مشكلة التطرف.

ويؤكد بوتشيش، ضمن حديث مع “كيوبوست”، أن هذا الأمر لا يتأتى بالتصوف وحده أولاً، كما أنه لا يتأتى سوى بالتصوف الأصيل، ومنهجه الوسطي الذي يقدم درساً في التعايش السلمي، والتسامح والحوار ومحبة الآخر، ويشكل مدرسة في السلم الاجتماعي ثانياً.

إبراهيم القادري بوتشيش

وسجل الأستاذ في جامعة مولاي إسماعيل بمدينة مكناس، أن “التصوف اليوم صار حصيلة جملة من التحريفات، والاختراقات السياسية التي طالته وطنياً ودولياً، مما يجعل مواجهته للتطرف مسألة تشوبها النسبية والشك”.

ويعزو المتحدث ذلك إلى مجموعة من المعطيات؛ منها أن الخطاب الصوفي اليوم غير مرتبط بقضايا المجتمع؛ فإذا كان التصوف الأصيل قد أسهم عبر كل الحقب التاريخية في الإصلاح السياسي، وتفاعل مع الأسئلة القلقة التي طرحها المجتمع، فإن الخطاب الصوفي الحالي يبتعد مسافات عن مشكلات المجتمع؛ بما فيها من بطالة واستبداد، وغياب للحريات وهدر للحقوق.

اقرأ أيضاً: إلى مَن يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

وزاد بوتشيش بأن الخطاب الصوفي الحالي مخترق من قِبل الأنظمة والدول الكبرى التي تستعمله كدرع أيديولوجية لإنجاح استراتيجيتها، وتوظفه كقوة ناعمة تنوب عنها بالوكالة في حربها مع “الإسلام الراديكالي”، مما يجعل حركته التصحيحية ضعيفة، وبنيته غير قادة على خنق الفكر المتطرف؛ بسبب افتقاره إلى شعبية واسعة، واختراقات وافدة.

ومن تلك المعطيات أيضاً، وَفق الأكاديمي ذاته، أن التصوف بصورته الحالية لا يبني الإنسان القادر على مناظرة الفكر المتطرف، بقدر ما ينتج نماذج فكرية هشة، لا تتجاوز إتقان السماع والذكر و”الحضرة” وتقديس الشيخ، والإيمان بالغيبيات، بعيداً عن الحرية الفكرية، وابتكار الحلول والفكر الإبداعي، على الرغم مما تقوم به بعض الزوايا الطرقية من تنظيم لملتقيات وندوات فكرية.

التصوف كظاهرة

المغرب يستقبل شخصيات صوفية من إفريقيا

من جانبه، يرى الدكتور خالد التوزاني، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، ومؤلف كتاب “التصوف الإسلامي: نحو رؤية وسطية”، أن التصوف في المغرب مجرد نمط من التدين وَفق طرق محددة أو ضمن فضاءات معينة كالزوايا والأضرحة، كما لم يكن المتصوف بالضرورة مُريداً لشيخ صوفي أو زعيم ديني وُصِف بالوِلاية والصلاح.

وشدد التوزاني، في حديث مع “كيوبوست”، على أن التصوف شكَّل ظاهرة حقيقية في التدين المغربي؛ فقد طبع الممارسة الدينية للمغاربة بكثير من المفاهيم والتصورات التي جعلت التصوف مُقوّماً أساساً من مقومات الهوية المغربية الأصيلة؛ خصوصاً في بُعدها الديني.

خالد التوزاني

هذه الهوية المغربية، يستطرد المتحدث، تقوم على أربعة مبادئ أساسية؛ هي: العقيدة الأشعرية والفقه المالكي وتصوف الإمام الجنيد وإمارة المؤمنين بوصفها مؤسسة رسمية تحمي أصول الهوية وتعمل على تقويتها ورعايتها وضمان استمراريتها.

ولفت التوزاني إلى ارتباط هذه المبادئ بأقسام الدين الثلاثة: الإيمان والإسلام والإحسان؛ حيث يُراد بالإحسان الجانب الصوفي، ولذلك فإن التصوف من صميم الهوية المغربية، فلا غرابة أن تولي الدولة المغربية اهتماماً بالتصوف، وَفق تعبيره.

وخلص الباحث إلى أن التصوف نتيجة طبيعية لسِمات الإنسان المغربي وبنيته النفسية العميقة، ولذلك كان اهتمام الدولة المغربية بالتصوف اهتماماً واضحاً؛ من أجل تزكية السلوك بفضائل الأخلاق والتعلُّق بالقرآن والسنة واقتفاء أثر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو ما اصطُلحَ عليه بالتصوف السُّني، مقابل التصوف الفلسفي الذي اشتُهِرت به بعض البلدان؛ خصوصاً الأندلس.

اقرأ أيضاً: في جو صوفي مغربي.. مسلمون ويهود يقدسون نفس الأضرحة والأولياء

إمكانية مواجهة التصوف للتطرف

ويحرص المغرب على تنظيم مؤتمرات دولية حول التصوف، يفِد إليها آلاف المريدين والصوفيين والخبراء والمشاهير أيضاً، وكثيراً ما كانت تخرج بتوصيات من قبيل “ضرورة توحيد جهود الفاعلين في المجال الصوفي على المستوى العالمي لمواجهة العنف والتطرف”.

المغرب يحتضن مؤتمرات عالمية للتصوف

أنصار هذا الطرح يعتبرون أن التصوف وحده قادر على مواجهة التطرف باعتبار خصوصياته المتمثلة في الجنوح نحو السلم والمهادنة والتسليم بالأقدار، والنأي عن السياسة والسياسيين، كما أنه يعتمد على إصلاح النفس والقبول بمجتمع متعدد، بخلاف الفكر المتطرف الذي يجد إرهاصاته في رفض القبول بالتعدد، ويلقى إشكالاً في الاندماج داخل المجتمع المتحرك والديناميكي.

مهمة مشتركة

بالمقابل، يؤكد الدكتور إبراهيم بوتشيش أن مواجهة التطرف ليست من مهمة التصوف بمفرده، وإنما هي مهمة مجتمع بكل أطيافه: العلماء، والمجتمع المدني، والمدرسة، والإعلام والمثقفين، مع ضرورة إقامة حوار حقيقي بين التصوف ومعارضيه من سلفيين وعلمانيين وغيرهم، وإصلاح الحقل الديني؛ بهدف تجفيف منابع التطرف.

اقرأ أيضاً: هل ينجح شيوخ الزهد في مواجهة خطاب الموت والتطرف؟

وحسب الأكاديمي المغربي، فإن التصوف بشكله الحالي يبقى عاجزاً عن استئصال التطرف إذا بقي وجوده منحصراً في أماكن القبب والأضرحة، من دون أن يصبح مؤسسة قادرة على التأثير في المجتمع، والاقتناع بأن القضاء على التطرف يحتاج إلى خطة استراتيجية، وإلى مراكز التفكير “ثينك طنك” (Think Tank)  التي تُصَنَّعُ فيها أفكار النخبة المتصوفة.

وذهب بوتشيش إلى أن التصوف يكون غير قادر على اجتثاث جذور التطرف الفكري بمعزل عن إصلاح سياسي وتربوي وإصلاح للأوراش الاجتماعية والاقتصادية من قِبَل الدولة؛ لأن هشاشة هذه المجالات واستفحال الفقر والبطالة هي المنابع الحقيقية التي تتم فيها صناعة الفكر المتطرف.

وخلص المحلل عينه إلى أنه “من المستبعد أن يُجهِض التصوفُ الفكرَ المتطرف الذي لا وطن له ولا حدود، من دون عدالة إنسانية دولية، وحوار بين الغرب والعالم الإسلامي والعوالم الأخرى كافة؛ بهدف استنبات تربة التفاهم والتعاون، لأن أي استعلاء من جانب الغرب، سيزيد من وقود التطرف الذي لن ينجح التصوف بمفرده في إخماد لهيبه من دون هذه الشروط”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة