الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

المغرب يحارب التطرف باحتضان علماء إفريقيا

الأنشطة التي يقوم بها كل من معهد محمد السادس ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة خطوة متقدمة في مكافحة الإرهاب

المغرب- حسن الأشرف

يحاول المغرب تكريس التدين الوسطي والمعتدل في المجتمع من خلال إعادة تدبير السياسة الدينية، وذلك في سياق الهجمات الإرهابية وتفكيك الخلايا المتطرفة التي شهدتها وتشهدها البلاد منذ التفجير الدموي الذي هز مدينة الدار البيضاء في مايو 2003.

ولعل أحد أعمدة تدبير الشأن الديني بالمغرب لمواجهة التطرف الديني: إنشاء مؤسسات دينية تابعة إدارياً ومالياً لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ أبرزها معهد محمد السادس للمرشدين والمرشدات، وأيضاً مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.

اقرأ أيضاً: “المرشدات الدينيات” في المغرب.. هكذا تُحارب الأفكار المتطرفة

وأنشأ المغرب معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات (الواعظين والواعظات) في 20 مايو 2014، وتم تدشينه رسمياً في 27 مارس 2015 من طرف الملك محمد السادس.

ويعمل المعهد على تدريب الأئمة من أجل “تبليغ أحكام الشريعة الإسلامية، وبيان مقاصدها وإبراز سماحتها ووسطيتها واعتدالها، والمساهمة في الحفاظ على الوحدة الدينية للمجتمع وتماسكه ضمن ثوابت الأمة” وَفق البيان التأسيسي للمعهد.

العاهل المغربي يتوسط علماء أفارقة

وتورد إحصائيات رسمية، اطلع عليها “كيوبوست”، أن عدد الخريجين المغاربة من المعهد المذكور بلغ إلى حدود نهاية سنة 2020: 3575 إماماً مرشداً ومرشدةً، وعدد الأجانب 2597.

ووَفق ذات المصدر، يتابع التدريب بمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات للسنة الدراسية 2021- 2022، 250 من الأئمة المرشدين والمرشدات المغاربة و318 من الأجانب.

واختار مدبرو الشأن الديني في المغرب أن تحتضن المؤسسة المعنية أئمة قادمين من خارج البلاد؛ خصوصاً من الدول الإفريقية، مثل مالي التي كانت أول بلد يرسل فوجاً أجنبياً إلى المعهد بطلب من رئيسه، آنذاك، وجهه إلى العاهل المغربي، وأيضاً ساحل العاج وغينيا والغابون والسنغال والنيجر وتشاد وتونس؛ بل حتى من بلدان أوروبية من قبيل فرنسا وبلجيكا.

اقرأ أيضاً: على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

ويختلف التدريب الذي يتلقاه الطلبة المغاربة ليصيروا أئمة ووعاظاً دينيين وسطيين، عن التدريب الذي يتلقاه المتدربون الأجانب؛ خصوصاً من حيث المدة الزمنية، حيث إن الأئمة المغاربة يتخرجون بعد سنة واحدة، بينما الأجانب يستمرون مدة سنتين قبل نيل التخرج، والأئمة القادمون من فرنسا يتلقون التدريب لمدة 3 سنوات؛ حيث تكون السنة الثالثة الإضافية خاصة بإتقان اللغة العربية.

احتضان العلماء الأفارقة

وفي السياق ذاته، أحدث المغرب أيضاً مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في صيف 2015؛ بغاية “توحيد وتنسيق جهود العلماء المسلمين بكل من المغرب وباقي الدول الإفريقية؛ للتعريف بقيم الإسلام السمحة ونشرها وترسيخها، والقيام بمبادرات لتفعيل قيم الدين السمحة في إفريقيا”، حسب بيان التأسيس.

ويعتمد “ميثاق العلماء الأفارقة” المنضوين تحت لواء المؤسسة على عدة ركائز؛ أبرزها: حفظ الثوابت الدينية الإفريقية الكبرى، وحماية الأمن الروحي بإفريقيا، وترسيخ المشترك الديني عقيدةً ومذهباً وسلوكاً على صعيد القارة الإفريقية.

المغرب يراهن على التدين الوسطي

ووَفق المؤسسة المعنية، فإن “هناك تحديات كثيرة تشكل تهديداً للاستقرار العقدي والمذهبي والروحي، نابعاً من أطماع توسعية أيديولوجية أو مادية تريد أن تنشر في هذه البلدان الإفريقية فكراً غريباً عنها”.

وتبعاً للمصدر، “لا أحد أقدر وأجدر من العلماء على العمل لحماية هذه العقيدة، وهذا الفكر المعتدل السمح، وأن العلماء مستهدفون بالغزو والتطرف بالدرجة الأولى؛ ولذلك فمهمتهم، حسب ثوابت أمتهم، تتطلب منهم اليقظة التامة والمبادرات الملائمة؛ فهم الذين نشروا وأسسوا ورسخوا هذه الثوابت، ولا يخفى أن من زعزعتها ولو في جزئياتها يتسرب الخوف والعنف والتطرف”.

مؤسسات للوسطية

ويقول عبدالله مرتفق، إمام مرشد ديني خريج المعهد، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، إن هذه المؤسسة ليست دينية فحسب؛ بل هي أيضاً مؤسسة تعليمية واجتماعية، ولبنة مهمة تُضاف إلى بناء المؤسسات الدينية التي تكرس وسطية واعتدال الإسلام.

اقرأ أيضًا: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

ووفق المتحدث، فإن “الإمام المرشد يتخرج بعد التكوين المكثف سنة كاملة بالنسبة إلى الطالب المغربي، وقد تمكن من كثير من المعارف الشرعية المرتكزة على الوسطية بالأساس، وذلك بالاستناد إلى المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وصوفية الإمام الجنيد رحمه الله”.

المغرب يراهن على التدين الوسطي

ويستطرد الإمام المتخرج بالقول: إن المرشدين والوعاظ والمرشدات الإناث أيضاً يلجون إلى المساجد والثكنات والمستشفيات والسجون، وعدد من مؤسسات التنشئة؛ من أجل تصويب الأفكار التي قد تكون تلوثت بالأفكار المتطرفة لعدة أسباب وعوامل.

المغرب يبني مساجد في إفريقيا- (صورة: معهد العلماء الأفارقة)

ويشرح المرشد الديني عينه بأن الأفكار المتطرفة قد تتسرب إلى الناس بطرق كثيرة؛ لعل أبرزها فوضى الفتاوى الدينية في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي القنوات الفضائية، فضلاً عن الأفكار الخطيرة في المنتديات الإلكترونية المتطرفة.

وشدد الإمام المتخرج على أن دور المرشد والواعظ الديني يبرز هنا تحديداً، من خلال دلالة وإرشاد الناس على المنبع الوسطي الصافي للإسلام، والشد بأياديهم بهدف النأي بهم عن أية نوافذ تدخل منها رياح التطرف الديني.

إشعاع ديني

د.خالد السموني الشرقاوي

وفي السياق نفسه، يرى الدكتور خالد الشرقاوي السموني، أكاديمي وأستاذ بجامعة الرباط، أن “المغرب نجح في المحافظة على الاستقرار والأمن الداخلي في ظل تهديدات الحركات الإرهابية وتزايد مظاهر التطرف العنيف، من خلال إنشاء مؤسسات وإصدار تشريعات لمكافحة ظاهرة الإرهاب بشكل فعال واعتماد إجراءات استباقية”.

ويؤكد السموني، في حديث مع “كيوبوست”، أن الاستراتيجية المغربية لمكافحة الإرهاب تتضمن دعامة أساسية لمحاربة التطرف، تتمثل في حزمة من الإجراءات؛ مثل إنشاء المجلس الأعلى للعلماء والمجالس الإقليمية والمحلية للعلماء، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدات، وتعزيز الإرشاد والتأطير الديني للجالية المغربية بالخارج؛ وتدريب الخطباء والدعاة والأطر العليا المتخصصة في الفكر الديني من أجل الاضطلاع بمهام الإشراف والوعظ.

ويسترسل المحلل ذاته بأن المغرب سار في طريق تقاسم تجربته في مجال التدبير الناجع للمجال الديني مع القارة الإفريقية، امتداداً للروابط والعلاقات الدينية والروحية التاريخية بين المغرب وعدد من بلدان القارة السمراء.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الكتائب الإلكترونية لـ”إخوان المغرب”.. نصرة وشيطنة وطاعة

ويضيف الشرقاوي بأن المغرب حرص على تطوير علاقاته مع الأفارقة؛ لصد التيارات المنحرفة والهدامة، وشرح وتبليغ تعاليم الدين الحنيف السمح التي تدعو إلى السلام والوحدة والوئام والوسطية بين المسلمين وغيرهم.

وخلص إلى أن الأنشطة التي يقوم بها كل من معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، خطوة متقدمة تجسد طموح المغرب لتوسيع إشعاعه الثقافي والديني في غرب إفريقيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة