الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب يجذب صوفيي العالم ويراهن على “الدبلوماسية الروحية”

يرى محللون أن مثل هذا الملتقى ينافس ما يصدر عن "المرجعيات الإسلاموية"

كيوبوست- حسن الأشرف

عاشت بلدة مداغ القريبة من مدينة بركان، الواقعة شرق المغرب، طيلة أسبوع يمتد من 5 إلى 10 أكتوبر، على إيقاع فعاليات وأشغال الدورة السابعة عشرة للملتقى العالمي للتصوف، المنظمة من لدن مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية، بشراكة مع المركز الأورو-متوسطي لدراسة الإسلام اليوم”CEMEIA” .

ويجذب هذا الملتقى العالمي للصوفية وفوداً وشخصيات من شتى أرجاء العالم، من إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، كما يتناول الخبراء والباحثون فيه عدة موضوعات وملفات؛ من بينها المحددات الشرعية والسلوكية للعمل الصوفي، ودور العمل الصوفي في إصلاح الفرد وبناء المجتمع، والتفاعل الحضاري وحوار الأديان.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

ويرى محللون أن مثل هذا الملتقى العالمي للتصوف المنظم في المغرب ينافس ما يصدر عن “المرجعيات الإسلاموية”؛ بما فيها المرجعيات البحثية التابعة لمشروعات أسلمة المعرفة، كما أنه يتوج دبلوماسية التصوف التي ينهجها المغرب باعتبارها “قوة ناعمة تصنع التماسك الاجتماعي وتؤسس للتواصل الإنساني بين المغرب ودول العالم”.

تكريس الإشعاع الصوفي

منتصر حمادة

ويقول في هذا السياق منتصر حمادة، مدير مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، إن الأمر يتعلق بمؤتمر سنوي تنظمه الطريقة القادرية البودشيشية؛ إحدى أبرز الطرق الصوفية في المغرب ضمن طرق أخرى، مشيراً إلى أن الشراكة مع المركز الأورومتوسطي لدراسة الإسلام اليوم، تهم مؤسسة تابعة للطريقة نفسها؛ لأن مديرها هو منير القادري، وهو ابن شيخ الطريقة، جمال الدين البودشيشي.

واستطرد حمادة، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، بأن هذه مؤتمرات مهمة في سياق ملء الفراغ الخاص بالاشتغال على عدة قضايا نظرية وتحديات محلية وإقليمية ودولية، كما أنها تسهم في تكريس الإشعاع الصوفي بالمغرب، إقليمياً وقارياً، سواء مع الزاوية التيجانية التي تعتبر أهم زاوية صوفية في شمال إفريقيا أو مع الزاوية القادرية أو مع مؤسسات أخرى.

ووَفق الباحث ذاته، فهذه الملتقيات تنافس ما يصدر عن “المرجعيات الإسلاموية”؛ بما فيها المرجعيات البحثية التابعة لمشروعات أسلمة المعرفة والسائدة مع مجموعة من المراكز البحثية المحلية والإقليمية، والتي تأخذ مسافة من الاشتغال على العمل؛ بسبب نهلها الأيديولوجي الذي يعادي التصوف، عقدياً أو سياسياً أو كلاهما معاً.

اقرأ أيضاً: الحالة الدينية في المغرب.. صعوبات تواجه الإسلاميين وتحديات تهدد التصوف

ملاحظات مهمة

واستدرك منتصر حمادة بالقول إن ثمة ملاحظات حول هذه الملتقيات كان من المفترض أن تؤخذ بعين الاعتبار من اللجنة المنظمة؛ ومنها على سبيل المثال أنه يقتصر بالدرجة الأولى على مشاركات لأسماء بحثية من العمل الصوفي التابع للطريقة نفسها ما دام المؤتمر منظماً من طرفها، وإن كانت هناك مساهمات لأسماء أخرى من مرجعيات صوفية على الخصوص أو محسوبة على التصوف أو تشتغل في الإسلاميات بشكل عام.

من الملاحظات الأخرى، يكمل حمادة، عدم الخوض أو عدم طرق العديد من التحديات الذاتية والموضوعية التي تواجه العمل الصوفي، والإصرار على تمرير خطاب أقرب إلى الطمأنة بخصوص واقع العمل الصوفي اليوم، بينما الأمر خلاف ذلك، ضمن ملاحظات نقدية أخرى.

من الملتقى العلمي للتصوف- (مواقع التواصل)

وذهب حمادة إلى أن العمل الصوفي اليوم، موزع على عمل فردي، أو العمل الصوفي الطرقي القائم مع هذه الطرق الصوفية وغيرها، على اعتبار أن المغرب بمقتضى كونه بلد الأولياء، يضم العشرات من الطرق الصوفية؛ وبعضها لديه أتباع خارج البلاد، من قبيل العمل الصوفي التيجاني أو القادري وطرق صوفية أخرى.

مجالات التنمية الروحية

الدكتور خالد التوزاني، باحث في التصوف ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي “مساق”، شارك في فعاليات وندوات الملتقى العالمي للتصوف، قال في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، إن أهمية الملتقى العالمي للتصوف الذي تنظمه إحدى الطرق الصوفية الكبرى في المغرب، تتجلى في كونه مناسبة سنوية لتجديد التواصل الروحي بين المغاربة والعالم، وإحياء قيم المحبة والتضامن والسلام، وترسيخ الانتماء إلى الأخوة الإنسانية، دون أي حاجز عرقي أو لغوي أو ديني أو مذهبي أو طائفي.

د.خالد التوزاني

ويواصل التوزاني: “تأتي الوفود من المحبين إلى المغرب وجمالياته الروحية؛ من أجل أولاً لقاء شيخ الطريقة الصوفية المنظِّمة لهذا الحدث باعتباره رمزاً صوفياً ومرشداً يمثل التصوف السُّني المغربي في بعده الكوني والإنساني، على غرار العديد من شيوخ التصوف في المغرب وخارجه، ثم ثانياً لقاء الزوار والوفود في ما بينهم، مع ما ينتج عن ذلك من حوارات ثقافية ومناقشات علمية مرتبطة بقضايا السلوك والأخلاق، وأيضاً تبادل التجارب والخبرات في مجالات التنمية الروحية وبناء الإنسان على أسس أخلاقية ومُثل عليا تجعل من المرء فاعلاً في مجتمعه ومؤثراً في السياق المعاصر بسلوكه المنفتح والمعتدل والنافع لمجتمعه ووطنه والبشرية جمعاء”.

وَفق التوزاني، يشكِّل هذا الحدث العالمي مناسبة للوقوف على أهمية البعد الروحي في التنمية ورعاية الحقوق والإحسان، وحماية وحدة المغرب؛ أي وحدته الترابية المتمثلة في الصحراء المغربية، والوحدة المذهبية المتمثلة في ثوابت المملكة المغربية؛ ومنها المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وتصوف الجنيد ومؤسسة إمارة المؤمنين.

اقرأ أيضاً: المؤرخ بوتشيش: هذه حقيقة الزوايا الصوفية في المغرب

انتعاش الدبلوماسية الروحية

ولأن الحدث عالمي، يردف الباحث، فإن المشاركين من خارج المغرب ينتمون إلى عدد من الدول والقارات، ومن مجالات ثقافية وعلمية متنوعة، الشيء الذي يجعل من هذا الملتقى مجالاً لانتعاش الدبلوماسية المغربية الروحية، ونقل صورة المغرب إلى الآخر في بُعدها الروحي.

وتابع التوزاني بأن هذا المعطى ينعكس إيجاباً على خدمة قضايا المغرب، وتقوية أواصر الأخوة والصداقة التي تربطه بالعديد من دول العالم، وحتى دول الجوار تكون حاضرة؛ إذ إن الملتقى يهدف إلى جمع الشمل وتوحيد الصف ودرء الخلافات السياسية العابرة ومحو الفوارق الاقتصادية والاجتماعية.

يرى محللون أن مثل هذا الملتقى ينافس ما يصدر عن “المرجعيات الإسلاموية”

وشدد المتحدث على أن الدورة الحالية للملتقى العالمي للتصوف تأتي في سياق دولي حافل بالتحديات الاجتماعية والرهانات الاقتصادية؛ ولذلك كان اختيار موضوع الملتقى هو: “التصوف وسؤال العمل: من إصلاح الفرد إلى بناء المجتمع”، والذي يتدارسه نخبة من العلماء والباحثين والمفكرين، تزامناً مع ذكرى المولد النبوي؛ حيث تشهد منطقة مداغ والمناطق المحيطة بها أسبوعَ الفرح برسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وتابع: “هكذا يسلك المغرب دبلوماسية التصوف بوصفها قوة ناعمة تصنع التماسك الاجتماعي وتؤسس للتواصل الإنساني بين المغرب ودول العالم؛ الشيء الذي ينعكس إيجاباً على خدمة صورة المغرب عبر العالم، وخدمة القضايا الوطنية؛ خصوصاً الوحدة الترابية للمملكة وتعزيز مكانة المؤسسة الملكية وخدمة التنمية وتقوية البُعد الأخلاقي في الإنسان، وهو أعظم استثمار يمكن القيام به؛ الاستثمار في البشر، لأنه أساس كل تنمية، وهكذا بعد إصلاح الفرد ينتقل الأثر إلى بناء المجتمع”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة