الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب والإمارات: التسامح والإسلام المعتدل بوابة لمكافحة التطرف العنيف

كيوبوست

تتبنى كلٌّ من دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة المغرب، استراتيجيةً متكاملة لمكافحة الإرهاب والتطرف. وإلى جانب استراتيجيتهما الأمنية الناجعة القائمة على النهج الاستباقي، والاستعداد واليقظة، تتقاسم الدولتان نهجاً يقوم على مواجهةِ الفكر الفاسد والمتطرف الذي يغذِّي العنف والكراهية، ويُحرّض على القتل والدمار، وينتهي بهجماتٍ إرهابية مُسلّحة.

يتشارك البلدان الوعي بالتهديد الخطير الذي يُشكّله الفكر المتطرف، القائم على سوء الفهم الديني، بالإضافة إلى التفسير المتعصب والجامد للنصوص الدينية. لذلك، انخرطتا في تعزيز الإسلام المعتدل والتسامح، من أجل تحصين مواطنيهما ضد الأفكار المتعصبة للإرهابيين الذين يسعون إلى تلقين الشباب باستخدام جميع الطرق والتكتيكات الممكنة.

اقرأ أيضًا: الإمارات والمغرب ضمن البلدان الأقل تعرضاً لتهديدات الإرهاب

نموذج دولة الإمارات

تبنى الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قيم الإسلام المعتدل والعادات العربية الأصيلة، وقد استطاع توحيد الإمارات السبع لإقامة دولة الإمارات العربية المتحدة، وترسيخ قيم العدل والمساواة والوئام والتسامح واحترام الآخر، وجعلها أسلوب حياة، ما مكَّن دولة الإمارات من أن تكون داراً للتسامح ومنارةً للتعايش.

لذلك، تستضيف دولة الإمارات وترعى مجموعة كبيرة من المؤسسات التي تعمل على تصحيح المفاهيم الخاطئة التي يتغذَّى عليها التطرف، بما في ذلك مجلس حكماء المسلمين، الذي يهدف إلى تحقيق السلم والتعايش في العالم الإسلامي، ومكافحة الطائفية. كما تستضيف دولة الإمارات المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة الذي يضطلع بدورٍ مهم في تجديد الخطاب الديني، من خلال وضع مبادئ وأحكام تعزّز قيم المواطنة والتسامح والتعايش، ونبذ الإرهاب والتطرف.

إضافة إلى ذلك، تستضيف دولة الإمارات سنوياً “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” الذي أصبح خلال سبع سنوات فاعلاً محورياً في تعزيز قيم التسامح والتقريب بين الشعوب، وترسيخ ثقافة الحوار بين مختلف الثقافات والأديان والحضارات، وإعلاء قيمة الإنسانية وفضيلة التعايش، وتعزيز السلم بين جميع الشعوب.

كما تستضيف دولة الإمارات مؤسسة مرموقة أخرى في مجال نشر التسامح دولياً، وهي المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، الذي أطلق ثماني مبادرات جديدة ضمن سلسلة من الفعاليات والبرامج التي تضمنتها خطتها الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز قيم ومبادئ التسامح والقضاء على التطرف والكراهية.

كما تعد دولة الإمارات من أبرز الدول الداعمة للمركز الدولي لمكافحة التطرف العنيف “هداية”، الذي تستضيفه عاصمتها أبوظبي، الذي يعد مؤسسة عالمية رائدة ضمن مؤسسات مكافحة التطرف العنيف بهدف بناء قدرات المجتمعات والحكومات لتعزيز التسامح والاستقرار والأمن.

شعار مركز هداية

الجدير بالذكر أن البرنامج الوطني للتسامح يتضمن العديد من المبادرات الطموحة مثل برنامج مسؤولية التسامح للمؤسسات، البرنامج الأول على مستوى العالم، ويهدف إلى نشر قيم التسامح في الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، من خلال الالتزام بمعايير ومؤشرات محددة تعزّز التسامح والتعايش، وتنبذ الكراهية، والعنصرية والتمييز على أساس الأصل، أو اللون أو الدين أو الطائفة أو العرق.

ولم تقتصر دولة الإمارات في جهودها لمكافحة التطرف على تحصين الشباب من الخطاب الإرهابي فحسب، بل حرصت على أن يكون الشباب في طليعة جهود الوقاية من التطرف، فأنشأت مجالس شبابية لتكون بمثابة قناة للتعبير عن آراء الشباب وتطلعاتهم.

علاوة على ذلك، أنشأت دولة الإمارات وزارة للتسامح في فبراير 2016، وفي يونيو 2016 وافق مجلس الوزراء الإماراتي على البرنامج الوطني للتسامح، بهدف نشر قيم السلام والتعايش. تستند هذه الاستراتيجية إلى: الإسلام والدستور الإماراتي، وإرث المغفور له الشيخ زايد، والأخلاق الإماراتية، والمواثيق الدولية، والآثار، والتاريخ، والفطرة الإنسانية، والقيم المشتركة، وحماية الشباب من التعصب والتطرف، وإثراء المحتوى العلمي والثقافي، والمساهمة في الجهود الدولية للتسامح، وإبراز دور الدولة الريادي في هذا المجال.

شاهد: فيديوغراف.. الإمارات طرف رئيس في منطقة الساحل

ومن هنا أصبحت دولة الإمارات نموذجاً عربياً وإسلامياً ودولياً بارزاً للتسامح، ولعل وجود نحو 200 جنسية تعيش في وئام وتسامح وكرامة على أرضها هو خير دليل على ذلك.

كما يشكل بيت العائلة الإبراهيمية الذي يُقام على جزيرة السعديات التي تمثل مركز الثقافة وقلبها النابض في إمارة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة رمزاً فريداً للتفاهم المتبادَل والتعايش المتناغم، والسلام بين مختلف أبناء الديانات. ويضم المشروع مسجداً وكنيسةً وكنيساً يهودياً ومركزاً تعليمياً.

يجسِّد تصميم بيت العائلة الإبراهيمية القيَم المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، كذلك يُعَد منصةً قوية لإلهام التفاهم والقبول بين مختلف الديانات السماوية. ويستلهم بيت العائلة الإبراهيمية رؤيته من حدث توقيع قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك في فبراير من عام 2019م.

توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية وضع الأساس الراسخ للسلام العالمي والعيش المشترك- أرشيفية

وأخيراً وليس آخراً، تضطلع دولة الإمارات بدورٍ مهم في الشرق الأوسط في تدريب الأئمة وفقاً للإسلام المعتدل والتسامح. وفي عام 2015، أقامت دار زايد للثقافة الإسلامية احتفالاً بمناسبة اختتام الدورة الأولى من “برنامج تدريب الأئمة الأفغان”، الذي نُفّذ بالتعاون مع الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف ووزارة الحج والأوقاف والإرشاد الأفغانية، تحت إشراف اللجنة الإماراتية الدائمة للمساعدات الإنسانية والإنمائية في أفغانستان. واستهدفت الدورة 32 إماماً من مختلف المقاطعات في أفغانستان. أقيم في دار زايد للثقافة الإسلامية في العين، واستمر لمدة أسبوعين. وتضمنت عدداً كبيراً من المحاضرات والورش التدريبية، بالإضافة إلى ورش عمل عملية وجولات ميدانية في عدد من الجامعات، ركّزت في مجملها على أهمية عناصر الخطاب الديني المعتدل، والدور المهم للإمام في التصدي للأفكار المتطرفة. ومن الأمثلة العملية الأخرى على روح التسامح التي تتمتع بها دولة الإمارات توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بإطلاق اسم “مريم أم عيسى”، عليهما السلام، على المسجد الذي كان يحمل اسم الشيخ “محمد بن زايد”، من أجل توطيد الروابط الإنسانية والدينية.

انتُخب الشيخ محمد بن زايد رئيساً للإمارات مطلع العام الجاري

نموذج المغرب

بالمثل، عُرف المغرب -عبر تاريخه- نموذجاً حضارياً فريداً للتعايش والتقارب بين الحضارات والثقافات والأديان، حيث كان دائماً دولة رائدة في التسامح الديني، الذي هو جزء من الضمير الجمعي للمجتمع المغربي. وقد ساعد هذا النموذج من التفاعل والتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود المغربَ على الحفاظ على أصوله متعددة الثقافات، وقد أُقرت هذه الروافد في دستور 2011، ما مكّن المملكة من تعزيز تنوعها ووحدتها وهويتها وعالميتها.

على سبيل المثال، يتضح انصهار الثقافة اليهودية المغربية في تاريخ وهوية البلاد من خلال لحظات مهمة من التلاقح بين الأديان والطوائف، ولاسيّما من خلال عطلة يهودية مغربية على وجه التحديد: ميمونة. يحتفل اليهود بهذا الحدث الثقافي والاحتفالي في جميع البلدان التي يُوجدون فيها. بالإضافة إلى الاحتفالات، تُعقد التجمعات اليهودية السنوية في شتى أرجاء المغرب، ويزور الحجاج اليهود الأماكن المقدسة في الأراضي المغربية بصفةٍ دورية.

في أبريل 2019، دشّن صاحب الجلالة الملك محمد السادس  متحفاً للثقافة اليهودية في إطار البرنامج التكميلي لتعزيز مكانة مدينة فاس. يُضاف هذا المتحف الجديد إلى المتحف اليهودي الوحيد في العالم العربي-الإسلامي، الموجود في الدار البيضاء، الذي يضم مجموعاتٍ تعكس ألفي عام من الحياة اليهودية في المغرب. يُشتهر هذا المتحف أيضاً بتنظيم العديد من المعارض للترويج للثقافة اليهودية المغربية لعامة الناس.

الملك محمد السادس

وبالنظر إلى تفرُّد نموذجه، استطاع المغرب أن يجعل الدين صانع سلام، يرعى ويصون المجتمعين اليهودي والمسيحي للعيش في وئام وتناغم مع مبادئ التعايش. وتُشكّل مؤسسة “إمارة المؤمنين” أساس هذا النهج الذي يجسّده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يدير التوجهات والاستراتيجيات التي تضمن الوحدة الوطنية.

كما اعتمد المغرب استراتيجية دينية فريدة تقوم على تعزيز الإسلام المعتدل، والعقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، ورعاية البعد الروحي للإسلام، المعروف بالصوفية، على أساس أنه يقوم على التربية على محاسبة النفس كطريق لتحقيق الكمال الأخلاقي المطلوب في كل تفاعل أو تعايش بين الناس. تبني الإسلام المعتدل والتسامح نهجاً خدم الاستراتيجية الدينية المغربية في مكافحة التطرف. وفي إطار هذه الاستراتيجية لمكافحة التطرف، يلتزم المغرب أيضاً بإصلاح المجال الديني، من خلال إنشاء معاهد دينية لتدريب الأئمة والقيادات الدينية، وضمان توافق ذلك مع الإسلام المعتدل والتسامح.

وبفضل جهوده في مجال الإصلاح الديني، نجح المغرب في تكوين الأئمة وفقاً لمبادئ التسامح والإسلام المعتدل. لذلك، كانت العديد من الدول مهتمة بالتعرّف على التجربة المغربية في هذا المجال. أبرمت الدولة المغربية اتفاقياتٍ مع دول عدة لتدريب الأئمة والزعماء الدينيين.

اقرأ أيضاً: 84 دولة تتوعد من المغرب بتفكيك شبكات تنظيم “داعش” الإرهابي

فعلى سبيل المثال، اتفق المغرب مع فرنسا على تدريب الأئمة والمرشدين الدينيين العاملين في السجون والجيش، فضلاً على تدريب المعلمين للعمل في مراكز إعادة التأهيل التي يجري التخطيط لإنشائها على الأراضي الفرنسية. وأتاحت هذه الاتفاقية لفرنسا تلبية الاحتياجات المُلِّحة للأئمة الذين تخرجوا في معهد محمد السادس بالرباط، بهدف نشر الإسلام المعتدل الذي ينسجم مع قيم الانفتاح والتسامح ومكافحة التطرف والمتطرفين.

كما أبرمت الدولة المغربية اتفاقيةً مع دولة تشاد لتدريب 200 إمام وواعظ، من خلال برنامج تأهيل الأئمة التابع لمؤسسة محمد السادس بهدف نشر الإسلام المعتدل وتصحيح سوء الفهم والتفسير المتطرف للنصوص الدينية. كما قامت مؤسسة محمد السادس بتدريب وتأهيل مئات الأئمة في تونس ومالي وغينيا وساحل العاج، وعددٍ من الدول الأفريقية الأخرى.

مشروع آخر يهدف إلى مكافحة التطرف من خلال الخطاب الديني أطلقته الجمعية المحمدية للعلماء في المغرب. وأطلقت الأخيرة مشروعاً لمكافحة التطرف عبر الإنترنت بين الشباب، بغية تحصينهم من التطرف وخطاب الكراهية، خاصة العالم الرقمي. وبحسب الجمعية، فإن هذا المشروع يتضمن إجراء تشخيصٍ للمخاطر المرتبطة بالمحتوى المتطرف على الإنترنت الذي يستهدف الشباب، ودعم الفاعلين الوطنيين في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لمواجهة التطرف العنيف وخطاب الكراهية، ورفع وعي الشباب المغربي عبر الشبكات الاجتماعية للنهوض بخطابٍ بديل.

المغرب يشن حرباً بلا هوادة ضد الإرهاب (صورة أرشيفية)

وقد أطلقت الجمعية منصة علمية باسم “الرائد” بهدفِ نشر المعرفة الدينية المعتدلة، والمساهمة في تحصين رواد الشبكة الرقمية من خطاب التطرف. وتعكف الجمعية المحمدية حالياً على مشروعات مختلفة تهدف إلى تفكيك الخطابات المتطرفة، وإعداد دراسات حول مفاهيم، مثل “الدولة الإسلامية”، و”الخلافة”، و”الجهاد”، و” الجزية”، التي يشوهها الإرهابيون، ويستخدمونها على نطاقٍ واسع.

اقرأ أيضاً: لماذا ارتفع مستوى غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في المغرب؟

الخلاصة

يتشاطر المغرب والإمارات الوعي بأهمية تبني استراتيجية متكاملة تتضمن تعزيز الإسلام المعتدل، بغية مكافحة الأفكار المتعصبة للأيديولوجية المتطرفة. لقد كان كلا البلدين، ولا يزالان، مثالاً للتعايش والتسامح، وذلك بفضل سياساتهما التي ترتكز على قيم التسامح والاعتدال. إن قيم التسامح والتعايش بين الأعراق، واحترام المعتقدات والأديان المختلفة، هي من القيم التي تضرب بجذورها في أعماق تاريخ المغرب والإمارات، حيث يعيش الجميع في وئام وتعايش سلمي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة