الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

المغرب والإرهاب في الساحل الإفريقي.. مخاطر وأدوار أمنية واستراتيجية

المغرب عمل على الدعم الأمني والسياسي لوحدة الدول الإفريقية واستقرارها عبر تحييد الفكر المتطرف

المغرب- حسن الأشرف

تجذب منطقة الساحل الإفريقي اهتمام العالم، ليس فقط بسبب القرار الفرنسي بشأن تواجد قواتها العسكرية في المنطقة، منذ فشل عملية “برخان”، وإعلان انتهائها في ديسمبر الفائت، ولكن أيضاً بالنظر إلى المخاطر الأمنية والإرهابية التي باتت تشكلها هذه المنطقة على مختلف الدول، ومنها المغرب الذي يعتبر معنياً -بشكل أو بآخر- بمسارات وتطورات الأحداث في هذه المنطقة الجغرافية الساخنة.

وتضافرت إشارات ومواقف في الآونة الأخيرة لتبرز اهتمام المغرب بما يحصل في منطقة الساحل الإفريقي، وجهوده لتفادي تداعيات التطرف والإرهاب المتفشي هناك على أمنه القومي، علاوة على قيامه بأدوارٍ استراتيجية لمحاربة الإرهاب في تلك المنطقة الإفريقية.

اقرأ أيضاً: دلالات وتداعيات إنهاء عمليات “برخان” ضد الجهاديين في منطقة الساحل

ومن هذه الإشارات والمواقف تقريرٌ جديد لفريق الدعم التحليلي، ورصد الجزاءات، والمديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن الدولي، كشف مدى التهديدات التي تشكلها الجماعات “الجهادية”، مورداً قلق السلطات المغربية من التهديدات غير المتوقعة للتنظيمات الإرهابية في الساحل الإفريقي.

ويفكك المغرب خلايا إرهابية نائمة توالي تنظيم “داعش”، تخطط لتنفيذ عملياتٍ إرهابية داخل البلاد، وتنوي الالتحاق بمعسكرات منطقة الساحل، بهدف القيام بعمليات قتالية.

قوات فرنسية في منطقة الساحل ضمن حملة محاربة الجماعات الإرهابية

وأيضا قبل أيامٍ خلَت، دعا رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، مانويل فالس، حكومة بلاده فرنسا والأوروبيين إلى الاعتماد على المغرب في مواجهة خط الإرهاب في منطقة الساحل، باعتبار المملكة تعتبر حليفاً استراتيجياً لدول القارة الأوروبية في محاربة الإرهاب والتطرف العنيف.

تهديدات الإرهاب في الساحل للمغرب

ويقول الدكتور عبد الواحد أولاد ملود، باحث في الشأن الأمني لمنطقة شمال إفريقيا والساحل، إن الوضع في منطقة الساحل والصحراء الإفريقية بات مقلقاً لعدة اعتبارات، منها أن المنطقة تعيش على وقع انفلاتاتٍ أمنية عديدة بسبب طبيعة الدولة الهشة هناك، الشيء الذي فاقم الأوضاع الاجتماعية المتردية، علاوة على ارتفاع وتيرة الانقلابات العسكرية، ليرخي كل هذا بتداعياته على تنامي الإرهاب في منطقة السحل الإفريقي.

د.عبد الواحد أولاد ملود

واستطرد أولاد ملود بأن الجماعات الجهادية في منطقة الساحل أعادت قراءة الوضع، فبعد مقتل زعماء في تنظيم “القاعدة فرع المغرب الإسلامي”، وكذلك زعماء في خلايا تابعة لتنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية “داعش”، تضاعفت الهجمات الإرهابية على العديد من الدول، من قبيل مالي، وبوركينافاسو، والنيجر، وكذلك الهجمات التي تقوم بها جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا، ودول أخرى.

وسجل الباحث أن المغرب ليس بمنأى عن التهديدات الوافدة من منطقة الساحل الإفريقي، لأنه بلد يحظى بموقع جغرافي جيواستراتيجي تحده أوروبا شمالاً، ومنطقة الساحل في الجنوب، بدليل أن السلطات الأمنية المغربية فككت خلايا موالية لتنظيمات جهادية في الساحل الإفريقي، وهي خلايا نائمة تشكل خطراً على الأمن القومي المغربي.

اقرأ أيضاً: أبوبكر شيكاو الإرهابي الأكثر وحشية.. هل مات منتحراً؟

ولفت أولاد ملود إلى خطر العائدين المغاربة من بؤر التوتر، لا سيما أن “داعش” تلقى ضربات موجعة، آخرها مقتل أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، الشيء الذي قد يتيح المجال لعودة المقاتلين المغاربة في محاولة كسب مكانة داخل الخلايا الإرهابية الناشئة في الساحل الإفريقي لتقوية شوكتها.

وفي السياق، يرى الباحث ذاته أن الخلايا النائمة داخل المغرب باتت تستقطب الأطفال من جهة، وتعتمد على المناطق الريفية من جهة أخرى، من أجل القيام بتدريباتٍ في ظروف أكثر أريحية.

تجربة المغرب في تفكيك الخلايا الإرهابية ناجحة (صورة: أرشيف)

“رغم أن التجربة المغربية في محاربة الإرهاب تعرف نجاحاً كبيراً، وتحظى بإشادة دولية، بفضل مقاربة الدولة المرتكزة على ما هو روحي وأمني/ استخباراتي وتنموي واجتماعي، غير أن هذا لا يمنع من كون الخطر الذي يحدق بالساحل الإفريقي له تداعيات وخيمة على الأمن القومي المغربي”.

اقرأ أيضا: دلالات عودة ظهور داعش في الشمال والساحل الإفريقي

وذهب المحلل عينه إلى أن المغرب مستهدف من طرف الخلايا والجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، خاصة التي تنشط في مناطق مثل مالي وبوركينافاسو والنيجر ونيجيريا، شارحاً أنها تراهن على استهداف دولة مثل المغرب، لأن القيام بنشاطٍ إرهابي حتى لو كان صغيراً فهو بمثابة نجاح كبير لهذه الجماعات، نظراً للقيود الكبيرة والمشددة التي تفرضها السلطات المغربية على مثل هذه الخلايا.

ودعا أولاد ملود السلطات المغربية إلى أن تكون جاهزية بشكلٍ أكبر لرصد وتتبع وتفكيك الخلايا النائمة داخل البلاد، والتي قد تكون لها ارتباطات مع تنظيمات جهادية في الساحل الإفريقي.

الأدوار الأمنية والاستراتيجية للمغرب بالساحل

من جهته، يرى الدكتور زهير لعميم، باحث في القانون العام والعلوم السياسية بجامعة مراكش، أن الأوضاع الداخلية السياسية، والأمنية والاقتصادية، لبعض الدول الإفريقية خصوصاً في منطقة الساحل، تشكل ظروفاً وعوامل حاضنة للجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة، ومبرراً لتدخل مشاريع أجنبية تحاول حماية مصالحها الاستراتيجية من جهة ورسم خريطة جيوسياسية جديدة في إطار صراع المواقع.

د.زهير لعميم

ويستطرد لعميم، في حديثٍ مع “كيوبوست”، أنه إذا كانت الاستراتيجيات المغربية في بعدها الإفريقي، حكمتها طيلة عقود من الزمن هواجس أمنية صرفة، فإن المغرب اليوم يحاول لعب أدوار جديدة مرتبطة بتنمية الاقتصاد البين إفريقي، وخلق روابط تجارية في إطار تثمين علاقات جنوب/ جنوب، كخيارٍ استراتيجي واعد.

 وبالتالي، يكمل المحلل ذاته، تروم هذه العودة إلى إفريقيا، ومنطقة الساحل على الخصوص، استعادة الدور الريادي الذي كان يقوم به المغرب على مرِّ العصور، منفوحاً بعبق القوافل التجارية، ونشر الإسلام المعتدل.

وأمام التحديات الأمنية الكبرى، التي صارت حاضرة بقوة في أطراف المنطقة، وما تنتجه من تحدياتٍ متزايدة، مثل الإرهاب وتهريب الأسلحة والجريمة المنظمة، التي وجدت في الضعف الأمني لدول قوس الأزمات في الساحل والصحراء الإفريقية، فرصة للتوغل والسيطرة على المنطقة، وزعزعة الاستقرار فيها، فإن المقاربة المغربية تنتهج سياسة شمولية ومتعددة الأبعاد والرهانات، يتفاعل فيها الأمني بالسياسي، والاقتصادي والإنساني.

ويشرح لعميم بأن الدور المغربي يرتكز على ثلاثة مفاتيح أساسية، في تدبيره للأزمات الأمنية في الساحل، تتمحور حول الأمن والتنمية والدين؛ وتشكل في الحقيقة حزمةً واحدة، لا يمكن الفصل بينها.

تواجد أجنبي في منطقة الساحل (صورة: وكالات)

ووفق الباحث، فالمقاربة المغربية تتأسس على أنه لا أمن ولا استقرار في إفريقيا عموماً، بدون تنمية توفر سبل العيش للمواطنين، وتمنعهم من الارتماء في أحضان الجماعات المتطرفة، أو تجعلهم يثورون ضد الأنظمة للمطالبة بالانفصال.

وزاد المحلل السياسي بأنه “لا أمن دون دورٍ ديني فعال يواجه الفكر المتشدد، الذي وجد في ضعف المراقبة وشساعة المنطقة مجالاً يبثُّ فيه أفكاره الإرهابية”، مبرزاً أن المقاربة الدينية المغربية تعد مرجعاً أساسياً في التأطير الديني، والمواكبة لنشر الإسلام المعتدل، من خلال مؤسسة “إمارة المؤمنين”.

اقرأ أيضاً: جهاديو شمال إفريقيا والساحل: السياسة المحلية والجماعات المتمردة

وأكمل لعميم بأن المغرب عمل على الدعم الأمني والسياسي لوحدة الدول واستقرارها، من خلال مساهمته في تدبير العديد من الأزمات الإفريقية، سواء في مالي أو الكونغو أو في ليبيا كذلك، والقيام بالمساعي الحميدة لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء المختلفين في بلدانهم، وتكوين العديد من الضباط المدنيين والعسكريين من أجل الاستفادة من الخبرات المغربية في المجال، ودعم مسلسل المصالحة السياسية، نهلاً من التجربة المغربية في المجال.

وخلص لعميم إلى أن نجاح دور المغرب في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، يعتبر دعماً دبلوماسياً لقضاياه ذات الأولوية، على وجه الخصوص قضية الصحراء، بالإضافة إلى الدينامية الاقتصادية، والفرص التي يمكن أن يوفرها تعزيز التموقع المغربي في الساحل، في ظلِّ تنافس دولي وإقليمي، ودون إغفال المخاطر التي تشكلها الهشاشة الإقليمية أمام وجود دول ضعيفة أو فاشلة أو مرشحة للفشل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة