الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المغرب يكافح تمويل الإرهاب عن طريق العملات المشفرة

تعتزم السلطات المغربية وضع قانون لتداول العملات المشفرة في الفترة المقبلة

المغرب- حسن الأشرف

يتجه المغرب بشكلٍ حثيث إلى تقنين التداول والتعامل بالعملات الرقمية أو المشفرة، من خلال إصدار قانون خاص بهذه العملية في الفترة القريبة المقبلة، بعد أن كانت السلطات المغربية قبل شهورٍ قليلة فقط تعتمد تجريم التعامل بالعملات المشفرة، بسبب الخشية من استعمال هذا النوع من العملات في أهداف وغاياتٍ ذات صلة بتمويل الإرهاب أو غسيل الأموال.

ويبدو أن المغرب يحاول الإمساك بالعصا من الوسط في موضوع العملات الرقمية، فهو بعد أن أدرك مدى ارتفاع عدد الشباب المغاربة الذين يستثمرون في هذه العملات، تراجع عن التجريم والحظر وبات يتوجه صوب التقنين بشروط، من أجل التحكم في هذه التعاملات الجديدة حتى لا يتم تحريفها إلى تمويل الجرائم الإرهابية، أو استغلالها من لدن عصابات الاتجار في المخدرات أيضاً.

اقرأ أيضاً: العملات الرقمية للبنوك المركزية.. مستقبل المال

سياق التقنين

تعتزم السلطات المغربية وضع قانون لتداول العملات المشفرة في الفترة المقبلة، حيث أعلن والي البنك المركزي للمملكة قبل أيامٍ مضت أن مسودة مشروع قانون لتقنين وتنظيم التداول والتعامل بالعملات الرقمية جاهزة، وبأن القرار سيتم اعتماده بعد الانتهاء من المناقشات بين الجهات المختصة المعنية بهذا الملف.

ووفق عبد اللطيف الجواهري، والي “بنك المغرب”، فإن المسودة الكاملة لمشروع القانون المرتقب صارت جاهزة، لكنها تظل رهينة لما ستؤول إليه المناقشات المكثفة بين الجهات الاقتصادية والمالية المعنية، من قبيل الهيئة المغربية لسوق الرساميل، وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، وغيرها من المؤسسات.

عبد اللطيف الجواهري والي البنك المركزي للمغربh

البنك المركزي المغربي كشف عن أن مشروع القانون المرتقب يقدِّم تعريفاً مغربياً للعملات الرقمية المشفرة، مثل ما قام به البنك الفيدرالي الأمريكي، والبنك الأوروبي المركزي، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مبرزاً أنم تم إجراء بحثٍ شامل بشأن آراء المغاربة بخصوص العملات المشفرة، واستخداماتها المختلفة في الأداء والسداد والمضاربة أيضاً، بموازاة التوفر على حماية قانونية وأخلاقية من المخاطر التي قد تتسبب فيها العملات المشفرة.

ورغم الشروع في إخراج قانون خاص بالعملات الرقمية في المغرب، فإن السلطات المالية في البلد ما زالت تحذِّر من المخاطر الناجمة عن استخدام العملات الرقمية، سواء بالنسبة لعدم استقرار أسعار صرف هذه العملات الافتراضية مقابل العملة القانونية، أو بالنسبة لاستخدامها لأغراض غير مشروعة أو إجرامية، من قبيل غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

اقرأ أيضاً: العملات المشفرة وتمويل الإرهاب في آسيا

وحري بالذكر أنه سبق لثلاث مؤسسة مالية رئيسية في البلاد، وهي بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل، ومكتب الصرف، أن وجهت تحذيراً إلى مستعملي العملات المشفرة، جاء فيه أن التداول بهذه العملات “نشاط غير مقنن يتسم بنوعٍ كبير من التقلب، وهو ما يتسبب في غياب أي حماية بالنسبة إلى المستهلك، خاصة أن هذا النظام يتميز بجاذبيته وسهولة استخدامه، وإمكانية استعماله لأغراض غير مشروعة”.

الملاذ الآمن

ويبدو جلياً أن تراجع السلطات المالية المغربية عن تجريم وحظر التعامل بالعملات المشفرة عائد بالدرجة الأولى إلى ارتفاع عدد المغاربة المتداولين والمتعاطين مع هذه العملات، حيث أفادت تقارير بأن هناك تنامياً لأعداد الشباب المغاربة الذين يستثمرون في العملات الرقمية.

تعتزم السلطات المغربية وضع قانون لتداول العملات المشفرة في الفترة المقبلة

ووفق تقرير حديث لمركز “السياسات من أجل الجنوب الجديد”، يتعامل أزيد من 1.15 مليون مغربي بالعملات المشفرة، وهذا يعني أن زهاء 3.5 في المائة من مجموع سكان البلاد يتوفرون على هذه العملات، الشيء الذي يجعل المغرب في المرتبة التاسعة في القارة الإفريقية.

ويسبق المغرب في القارة السمراء من حيث عدد المتعاملين بالعملات الرقمية تباعاً كلٌّ من نيجيريا (المركز الأول) بـ22 مليون شخص، ثم جنوب إفريقيا، وكينيا، ومصر، وتنزانيا، والكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، وغانا.

اقرأ أيضاً: تمويل الإرهاب.. جهود خليجية في مواجهة تحديات غير مسبوقة

ويقول الصحافي المغربي المتخصص في التكنولوجيا رشيد جنكاري، في مقالٍ جديد له، إن “عالم العملات الرقمية أصبح مرتعاً خصباً جديداً لنمو وترعرع جيل جديد من شبكات المخدرات وقراصنة الإنترنت والإرهابيين، من كل حدب وصوب، فمع تزايد توسع سوق مستعملي البتكوين، ارتفعت وتيرة نشاط شبكات تهريب وبيع المخدرات، وكذا العمليات المعقدة لغسيل الأموال لمختلف الأنشطة الممنوعة قانونياً”.

ويشرح جنكاري “يتميز هذا الملاذ الآمن الجديد أساساً بميزة يصعب توفرها في العالم الاقتصادي التقليدي، وهي سرية المعاملات وصعوبة تتبع آثار المتعاملين به وفيه، بفضل آليات التشفير المتقدمة، ويضاف إلى ضمان سرية هوية المتعاملين سرعةُ وسلاسة تحويل الأموال عبر مختلف أرجاء العالم، دون صعوبة وبشكلٍ آني”.

تحديات مطروحة

ويعلِّق الباحث في الاقتصاد السياسي عبد الإله الخضري على الموضوع بالقول إن استخدام العملات المشفرة في تمويل الإرهاب يعد ظاهرة عالمية معروفة، حيث ثبت استعمال تنظيم داعش للعملات المشفرة من أجل تمويل الجرائم الإرهابية، كما أن العديد من عصابات الاتجار في المخدرات والمافيا العالمية وجدوا في العملات المشفرة ضالتهم، حيث إن نظام البلوكشين نظام عالمي يجعل مالكي العملات مجهولي الهوية، وغير معروفين لدى الأنظمة المالية الوطنية أو الدولية.

عبد الإله الخضري

ويستطرد الخضري، في تصريحاتٍ لـ”كيوبوست”، إنه بالرغم من كون استعمال العملات المشفرة بالمغرب غير معترف به، ولم يعرف مواكبة على المستوى التشريعي (حيث إن أول تشريع خاص بهذه العملات ما زال بيد والي بنك المغرب، ولم يُعرض بعد على السلطة التشريعية)، فقد ارتفع عدد مستعملي العملات المشفرة في المغرب إلى ما يربو على 900 ألف مستعمل، وذلك منذ أن صدر بيان المنع عام 2017، وبذلك أصبح المغرب يحتل المرتبة الأولى على مستوى شمال إفريقيا، والرتبة الثانية على المستوى العربي، والمرتبة 24 عالمياً.

وتابع المتحدث ذاته “إذا كان المغرب قد حقق طفرة نوعية من الناحية التشريعية، فيما يتعلق بمحاربة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال دخول القانون رقم 05- 43 حيز التنفيذ، فإن استعمال العملات المشفرة يطرح تحدياً كبيراً، يتعلق بضبط العمليات المرتبطة بالعملات المشفرة، والتي تحظى بحماية وبسرية كبيرة بين العملاء على الصعيد الدولي، وبالتالي يبقى العبء الأهم على عاتق الأجهزة الأمنية المختصة في الجرائم الإلكترونية من أجل الرصد والتربص بمتداولي العملات المشفرة المشتبه تورطهم في أعمال إرهابية”.

اقرأ أيضاً: بإعلان “بتكوين”: هل تنجح حماس في كسر الحصار المالي عبر الفضاء الرقمي؟

ووفق الباحث عينه، يبذل المغرب لحد الساعة قصارى جهده، من أجل التصدي لجرائم تمويل الإرهاب عن طريق العملات المشفرة”، مردفاً أن المنظمات الإرهابية تعرضت إلى ضرباتٍ كبيرة قوضت قدرتها على استغلال العملات المشفرة بفعالية، لكن يجب الاعتراف بأن قوة ومتانة منظومة البلوكشين، ذات البنية المترابطة بين مختلف دول العالم، بالإضافة إلى عدم قدرة الأنظمة المالية الوطنية والدولية على وضع اليد على أنظمة تداول العملات المشفرة، عوامل تجعل المجال خصباً ومتاحاً لتداول العملات من طرف الجميع، ليس وطنيا بل دولي وعلى أوسع نطاق”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة