الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

المغاربة يودّعون “ماري تريزا المغرب”

الناشطة الاجتماعية عائشة الشنا قضت جلَّ حياتها للدفاع عن قضايا المرأة المهمشة من قبل المجتمع

كيوبوست

ودّعت المملكة المغربية، يوم الأحد، واحدةً من أبرز أيقونات العمل الإنساني؛ الناشطة الاجتماعية عائشة الشنا التي آمنت بأن الإنسان مسخّر للقيام “برسالةٍ ما”، وتمثلت رسالتها بأن سخّرّت حياتها لتمكين الأمهات العازبات من الاحتفاظ بأطفالهن، ما اعتبره منتقدوها تشجيعاً للفساد، فيما اعتبرته هي فخراً لكونها تطرقت لظاهرةٍ إنسانية تزداد في المغرب.

ورحلت الشنا بعد صراعٍ مع المرض عن عمر ناهز 81 عاماً، في أحد مشافي الدار البيضاء، ومنذ لحظة رحيلها بدأ سيل من النعي على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أشاد العديد بالدور الذي اختارته الشنا أو “ماما عائشة” و”ماري تيريزا المغرب”، كما كانت تلقَّب.

اقرأ أيضاً: “جوجل” يحتفل بـ”هدى شعراوي”.. أن تكون معاناة الأنثى دافعاً لتحررها

حياتها المبكرة

وُلدت الشنا بالدار البيضاء، بتاريخ 14 أغسطس 1941م، وبعد ثلاث سنوات توفي والدها، وبدعم من والدتها  تمكنت الشنا من مواصلة تعليمها، فيما انخرطت بميدان العمل باكراً في عمر الـ16 عاماً عملت سكرتيرة لبرامج أبحاث لمرضى الجذام والسل، والتحقت بجمعية حماية الطفولة في المغرب.

وبعد انخراطها بميدان العمل، حصلت الشنا على دبلوم في التمريض، وعملت بعدها في وحدة التعليم بوزارة الصحة، ثم منسّقة لبرامج التوعية الصحية، كما عملت في عددٍ من المؤسسات، وبين الأعوام 1962-1980م انخرطت في العمل التطوعي؛ فقد عملت كمساعدة اجتماعية، والتحقت بالاتحاد النسائي العام في الدار البيضاء.

الراحلة “عائشة الشنا”

صرخة طفل

بفضل عملها المبكر في ميدان العمل الإنساني، واحتكاكها بالنساء المهمشّات وأطفالهن، انخرطت الشنا بهموم أولئك النسوة، وكان الحدث الذي دفعها لتأسيس “جمعية التضامن النسوي الخيرية” مع سيدات أخريات في الدار البيضاء عام 1985م، أن جاءت أم عازبة لإحدى الجهات طالبةً التخلي عن طفلها، وكانت خلال ذلك ترضعه، وعندما تقدّمت لتسليمه للسيدة العاملة في ملجأ الأطفال المتخلى عنهم، نزعت ثديها بعنف من فم الطفل فرشق الحليب على وجهه وصرخ! لم تفارقها صرخة الطفل المؤلمة، فلم تنم ليلتها، وأقسمت أن تحارب ظاهرة تخلي الأمهات العازبات عن أطفالهن.

وشرعت الشنا بعد تأسيس جمعية التضامن النسوي الخيرية، في مساعدة الأمهات العازبات والنساء ضحايا الاغتصاب، والأطفال “المتخلى عنهم” كما كانت تسميهم بدلًا من “اللقطاء” أو “أبناء الزنا”. وذلك عبر تقديم التدريب للأمهات العازبات لاكتساب مهاراتٍ تمكنهن من إعالة أنفسهن، مثل صناعة الحلويات والحياكة وإدارة الكافتيريات، وغير ذلك، وهذا ما كانت تؤمن به الشنا التي كانت تنصح الفتيات بإتمام تعليمهن أو اكتساب حرفة، “لأنه من الممكن أن تجد المرأة نفسها يوماً لوحدها”، كما تُقدّم الجمعية المساعدة القانونية والاقتصادية والنفسية للنساء.

اقرأ أيضًا: لا شرف في جرائم الشرف… مفارقة قتل النساء في الإعلام الفلسطيني!

وكانت الشنا مؤمنة بأهمية بقاء الطفل مع أمه، وحقه بمعرفة أصله ووالده فيما بعد، لذلك سعَت الجمعية لجعل الآباء يعترفون بأطفالهم، ونجحت في بعض الحالات، حتى أن بعضاً منهم قرَّر الزواج بالأم.

ولأن جزءًا من النساء العازبات كنَّ ضحايا لوعود زواجٍ كاذبة، اعتنت الشنا بتوعية الفتيات بخطورة الزواج العرفي، وما يترتب عليه من مشكلات وصعوبات وخسارة للدراسة والأهل والطفل الذي سيأتي نتيجة لذلك الزواج، علماً بأن معارضيها اتهموها بـ”تشجيعها للفساد”، كما تعرّضت الشنا خلال عملها في احتضان الأمهات العازبات للانتقادات والهجوم، كما تم  تهديدها بالقتل من قبل متطرفين.

غلاف كتاب «البؤس»

إرث

خلّفت الشنا إرثاً يعبِّر عن تجربتها، فقد نشرت في عام 1996م كتابها «البؤس»، الذي يستند إلى شهادات نساء عايشن تجارب قاسية، كما حازت الشنا على عددٍ من الأوسمة والجوائز التقديرية، منها جائزة حقوق الإنسان من الجمهورية الفرنسية في 1995م، ووسام الشرف من قبل الملك محمد السادس في 2000م، وجائزة “إليزابيت نوركال بفرانكفورت” في عام 2005م، ووسام جوقة الشرف من درجة فارس من الجمهورية الفرنسية في 2013م.

كما نالت الشنا جائزة “أوبيس” عام 2009م، تقديراً لعملها الإنساني، وصرّحت حينها بأن مبلغ الجائزة الذي حصلت عليه، ومقداره مليون دولار أمريكي، سيكون ضمانة لاستمرارية جمعيتها التي تقوم بالأساس على التبرعات.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة