الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المشيشي يدير ظهره للأحزاب.. وحركة النهضة تلوح بإسقاط حكومته

توقيت الإعلان عن تشكيل حكومة كفاءات بعيداً عن الحزبية.. من شأنه إسقاط مناورات حركة النهضة الإسلامية وتضييق الخناق عليها

تونس – وفاء دعاسة

بدا رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي، واضحاً في شكل المسار الذي سيتخذه لتشكيل الفريق الحكومي، وحسم خياره بالذهاب نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، مستبعداً دور الأحزاب فيها؛ لينأى بذلك عن دعوات وجهتها إليه أحزاب كبرى لتكوين حكومة سياسية تراعي نتائج الانتخابات التشريعية والتمثيل البرلماني.

وقال المشيشي، خلال مؤتمر صحفي، هو الثاني له منذ تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة في منتصف الشهر الماضي: “إن عدم الاستقرار السياسي يُعد من أهم أسباب الأزمة التي تعيشها تونس”، معتبراً أن الوضع الذي يسود البلاد حالياً “يُحتم تشكيل حكومة إنجاز اجتماعي واقتصادي، وتُقدم الحلول العاجلة دون أن تكون رهينة للتجاذبات السياسية، وقادرة على العمل في تناغم”.

وفي رسالة سياسية موجهة إلى غالبية الأحزاب السياسية، شدَّد المشيشي على أن “المواطن بدأ يفقد الثقة في قدرة النخب السياسية على تقديم الحلول المطلوبة، والاستجابة لتطلعاته”.

المشيشي يقدم مقترحه إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد- “موقع رئاسة الجمهورية”

ويُعزز مراقبون هذا الرأي؛ معتبرين خيار المشيشي وما رافقه من رسائل سياسية يُعد رداً مباشراً على سطوة الأحزاب؛ خصوصاً الضغوط التي مارستها حركة النهضة الإسلامية، خلال الأيام القليلة الماضية، لتوجيه مسار مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة نحو مخططاتها.

وذهب البعض إلى حد القول إن توقيت الإعلان عن هذا التوجه الذي جاء بعد ساعات قليلة من انتهاء اجتماع طارئ لمجلس شورى حركة النهضة الإسلامية خُصص لبحث المسار الحكومي، من شأنه إسقاط مناورات هذه الحركة الإسلامية، وتضييق الخناق عليها.

كما يُجمع مختلف القراءات السياسية على أن هذا التوجه سيُسهم في حشر حركة النهضة الإسلامية في زاوية ضيقة تفقد فيها سطوتها على المشهد السياسي، وتجعلها أمام خيارَين لا ثالث لهما؛ إما القبول بحكومة كفاءات مستقلة ومنحها الثقة في البرلمان، وإما رفضها ثم العمل على إسقاطها في البرلمان، وبالتالي تحمُّل النتائج المُترتبة عن ذلك، بحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها.

اقرأ أيضاً: وزير سابق بحكومة الترويكا رئيساً مكلفاً لتشكيل حكومة تونسية تقنع البرلمان

مستقبل غامض

ويواجه المشيشي صعوبة في إقناع أغلب الأطراف السياسية في البلاد بخياره تشكيل حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب، حتى قبل الكشف عن تركيبتها، وسط تساؤلات حول حظوظه في نيل ثقة الكتل البرلمانية الغاضبة من استبعادها وإقصائها، وفرص نجاح حكومته واستمرارها، بعد تلويح “النهضة” بإسقاطها، ورفض وصل حدّ التهديد بإسقاط حكومته، وعرقلة عملها في صورة نيلها ثقة البرلمان.

 واعتبر أغلب الأطراف السياسية أن حكومة مستقلين لا تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة، وتمثل انقلاباً على نتائج الانتخابات، وتهميشاً للأحزاب والتوازنات السياسية في البرلمان.

محمد الكيلاني

ويرى الكاتب الصحفي محمد بوعود، أنه اعتماداً على أحكام الدستور من حق “النهضة” أن تتشبث بحكومة سياسية تشارك فيها الأحزاب الفائزة، ومن حقها أيضاً العمل على إسقاط الحكومة إذا لم تتوافق مع توجهاتها؛ لكن بمنطق الدولة “أعتقد أنه كان على (النهضة) أن تتخلى عن هذه الرغبة المجنونة في الحكم، وأن تبتعد قليلاً حتى تتمكن على الأقل من مناقشة وتقييم سنوات حكمها وما أوصلت إليه البلاد، وأن تقوم بنقدها الذاتي بكل شجاعة وتعرف مواطن الخلل وتتجاوزها”.

ويضيف بوعود، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن “منطق السلطة/ الغنيمة، الذي تعاملت به الحركة مع حكم البلاد منذ 23 أكتوبر 2011، هو الذي يجعلها ترفض بشدة أية محاولة لإبعادها عن الحكم”؛ لأن الحكومة بالنسبة إليها لا تعني إلا اقتسام غنائم السلطة من حقائب وزارية ومناصب وامتيازات وترضيات، إضافة إلى البرامج التي تريد إنجازها خلال الفترة القادمة؛ كالتعويضات وصندوق الكرامة وغيرهما من المشروعات التي تخشى أن يقع التراجع فيها إذا جاءت حكومة لا تكون لها عليها سلطة ونفوذ.

وفي هذا السياق، يختلف جزئياً المفكر السياسي ورئيس الحزب الاشتراكي محمد الكيلاني، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن هناك مَن يعتبر أن حكومة الكفاءات هي الحل؛ فإن هذا الموقف يتجاهل ما نص عليه الدستور، والذي ينص على طبيعة النظام السياسي في تونس (وهو نظام برلماني تمارس الكتل ذات الأغلبية الحكم من خلاله، وتعود لها مسؤولية الحكومة والعمل على تغيير هذا النظام)، معتبراً أن المضي في اتجاه حكومة “كفاءات” لن يكون ناجعاً؛ لأنها ستقوم على كفاءات فقط في تسيير الإدارة، والوضع الحالي في تونس يستوجب كفاءة في إدارة الدولة وإدارة الشأن السياسي.

ويضيف الكيلاني، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن “المشكلة في اختيار حكومة كفاءات هي التجاهل لما ينص عليه الدستور، كما أنه انقلاب على الدستور وتغيير لنمط الحكم بصورة غير ديمقراطية”.

ويرى محدّثنا أن “هذا القرار هو في الأصل قرار يتجاوز رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي؛ بل إنه قرار لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، وهو بعيد عن اقتراحات الكتل البرلمانية والأحزاب”، موضحاً أن الرئيس التونسي استغل غياب المحكمة الدستورية ليعطي لنفسه الحق المطلق في تأويل الدستور.

تهديدات “النهضة”

 ولوَّحت حركة النهضة بإسقاط حكومة المشيشي في البرلمان؛ رداً على استبعاد الأحزاب السياسية وتعبيراً عن رفضها هذا الخيار.

ولا تتردد الحركة في وضع العقبات والشروط التعجيزية أمام المشاورات الحكومية التي يقودها هشام المشيشي؛ حيث طالبت الحركة بتكوين حكومة وحدة وطنية، في موقف يعرقل مساعي رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي، الذي يجري مشاورات سياسية.

اقرأ أيضاً: مقترح أمام البرلمان التونسي لتصنيف “الإخوان” تنظيماً إرهابياً

واعتبر القيادي بالحركة علي العريض، أن تشكيل حكومة كفاءات مستقلة يمثل “إبعاداً للأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات، واعتداءً على الديمقراطية”، مشيراً إلى أن “منحها الثقة أمام البرلمان غير مضمون”.

وقال العريض، في تصريحٍ إعلامي أدلى به إلى القناة الرسمية: “إن الديمقراطية تقتضي تكوين حكومة سياسية؛ احتراماً لإرادة الشعب الذي انتخب أحزاباً معينة لتحكمه”، مضيفاً أن “(النهضة) مقتنعة تماماً بأن حكومة غير مدعومة بأحزاب سياسية ستصطدم بالواقع المرير، ولن تتمكن من الصمود”.

محمد بوعود

ويرى محمد بوعود أن “النهضة” التي تتهم اليوم المشيشي، ومن ورائه قيس سعيّد، بالانقلاب على الديمقراطية، هي أول مَن شرَّع لهذا الانقلاب باعتبارها تخلت منذ البداية عن مبدأ أساسي تقوم عليه الديمقراطية وهو اختيار الشعب، متابعاً: “هذا المبدأ الأساسي تخلت عنه وذهبت ركضاً إلى منطق الغنيمة ومنطق المحاصصة، وأدخلت على المشهد السياسي عاملَين جديدَين؛ هما أن يتقاسم الجميع، فائزون وخاسرون، الحكمَ مقابل الإسناد المبادل أو بالأحرى توريط الجميع في الفشل، والثاني هو الحكم من وراء الستار، (أي أن تحكم؛ لكنها تضع آخرين في الواجهة حتى لا تتحمل المسؤولية المباشرة على الاستحقاق الذي انتخبها من أجله الشعب)”.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة التونسية تسير نحو العزلة السياسية

وبالتالي، فَأيُّ حديثٍ نهضاوي عن انقلاب على الديمقراطية اليوم لا معنى له؛ “لأنها هي أول مَن شرَّع لضرب أهم مبدأ ديمقراطي، وهي التي أدخلت الدولة في منطق المحاصصة والحُكم الفضفاض تحت شعار الحزام السياسي، وهي أيضاً التي تعاطت مع الحكم منذ اليوم الأول بمنطق تقاسم غنيمة السلطة”، حسب بوعود.

ويجد رئيس الحكومة التونسية المكلف هشام المشيشي، نفسه أمام تحدٍّ كبير؛ ليس في تكوين فريقه الوزاري فحسب، وإنما في مواجهة الأزمة التي تمر بها البلاد على مختلف الأصعدة، والتي ستتفاقم مع مرور الأيام والأسابيع؛ خصوصاً مع بداية تفاقم إفرازات أزمة “كورونا” على الصعيدَين الداخلي والخارجي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

وفاء دعاسة

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة