الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

المشهد الصوتي.. فهم البيئة المحيطة بالصوت

كيوبوست

يقول مثل شائع: “الجمال بعين الناظر”، كناية عن اختلاف حكمنا على الأشياء استنادًا إلى الذائقة الذاتية لكل شخص، إلا أن المثل بكل الحالات ينسب القدرة على الرؤية والتصنيف إلى حاسة البصر، مستثنيًا باقي الحواس من القدرة على تصوُّر المشهد والحكم عليه؛ كإمكانية استخدام حاسة السمع لتخيُّل البيئة المحيطة بكامل مكوناتها.

في السبعينيات من القرن الماضي، أحدث التطور الحضري للإنسان تغييرات ملحوظة على الأرض والمواقع الطبيعية؛ مما أدى بالتالي إلى تغيُّر السمات والخصائص الصوتية للأماكن، بالتزامن مع مرور تكنولوجيا التسجيل الصوتي بنقلة نوعية؛ الأمر الذي مكَّن المهتمين من متابعة هذه التغيُّرات الصوتية وتحليلها عن قرب.

اقرأ أيضًا: كيف تعالج اكتئابك بالموسيقى؟

ومن هؤلاء المهتمين، الموسيقي والمؤلف الكندي “”r. murray Schafer الذي تتبع هذه الحالة في كتابه ” The tuning of the world” الصادر عام 1977، وطرح خلاله مصطلحًا كان جديدًا حينها وهو “المشهد الصوتي Soundscape”، الذي يشير إلى مجموعة الأصوات الطبيعية والصناعية التي تشكل مجتمعةً البيئة الصوتية المحيطة بنا، والتي تزداد تعقيدًا مع ازدياد تعقيدات الحياة ابتداءً من الحياة البدائية وصولًا إلى يومنا هذا.

 هل تكون الصورة صوتًا؟

يعتقد شايفر أن تعقيدات تستجد على طبيعة وكمية الأصوات من حولنا، بالتزامن مع انخفاض قدرتنا على تمييز الفروقات الصوتية، وأن التلوث البيئي لا يقتصر على تلوث الهواء والماء فقط؛ بل إن البيئة الصوتية أيضًا تعاني التلوث، نتيجة التغييرات المطردة حول العالم، لذلك يقترح توليف الأشرطة الصوتية -مجموعة أصوات تُشَكِّل مجتمعةً شريطًا صوتيًّا- التي تدخل إلى آذاننا يوميًّا، عبر تنسيق الصور الصوتية التي تتشكل في أذهاننا نتيجة سماع الأصوات الصادرة في البيئات الصوتية المحيطة بنا؛ عن طريق إدراج “التنسيق الصوتي” في “التخطيط الحضري” للمدن في سبيل الحد من التلوث الضوضائي ومعالجته.

الموسيقي والمؤلف الكندي موريه شايفر

وعلى المستوى الفردي، يقترح شايفر علينا تحفيز مسامعنا لتطوير حساسيتنا وقدرتنا على الإصغاء وتصنيف الأصوات وتقدير جمالها أو قبحها؛ عبر تمارين الإصغاء والتي تسمى بـ”الاستماع النشط”، وتتطلب من المستمع أن يبقى صامتًا ومصغيًا للأصوات المحيطة به؛ لتشكيل أشرطة صوتية في ذهنه، تمكِّنه من استيعاب كمية الأصوات من حوله.

كما يدعونا للذهاب في ما سماه “المسارات الصوتية”؛ فعلى المستمع بهذه الحالة تخصيص وقت للتوجه خلاله إلى أماكن متنوعة كوسط المدينة، والغابة، والشاطئ، والمناطق الشعبية.. إلخ، ضمن مسار صوتي محدد، ومحاولة الإصغاء إلى أصوات الأماكن بمعزل عن البصر؛ لتخيُّل صور المكان عن طريق الاستماع، ومحاولة تصنيف الأصوات من أجل فهم وتفكيك الضوضاء.

صور توضيحية تصنف أصوات بيئة صوتية لمكان طبيعي

 تباين وتقاطع

تتباين المستجدات في العالم، وتتباين معها الأصوات؛ فلكل مكان مشاهد صوتية تعتبر علامة تميزه، فزقزقة العصافير مثلًا قد تسمعها في القرية، أما في المدن الكبيرة فسيحجبها صوت محركات السيارات صباحًا، كما يختلف المشهد الصوتي في المكان نفسه نتيجة اختلاف التوقيت، فأصوات الصباح كمنبه الساعة وصوت الأطفال المتجهَين إلى المدارس، تختلف عن أصوات المساء الذي قد يكون صاخبًا أيام العطلات وساكنًا بقية أيام الأسبوع.

اقرأ أيضًا: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

وبناءً عليه، يتباين تفاعل الأفراد مع الأصوات؛ لأن المشاهد الصوتية ترتبط بالذاكرة والوجدان والحقائق التي قد تحمل دلالات خاصة لدى كل شخص، فصوت الديك قد يرتبط بذهن أحدهم على أنه صوت صباح يوم صيفي في مزرعة جده، بينما قد ترتبط بمنبه مزعج بالنسبة إلى شخص آخر خلال نومه، كما أن الاختلاف هنا يكون سببه تنوع الخلفيات الثقافية والبيئية والاجتماعية للناس.

وعلى العكس من حقيقة تباين مشاهد الصوت، هناك حقيقة أخرى تقول إن بعض مشاهد الصوت تتشابه في المجتمعات؛ كصوت المصانع ومحركات المركبات والأغاني الاستهلاكية في سيارات الأجرة، بينما تتمايز المجتمعات بأصوات أخرى؛ كالأغاني الشعبية التي ينفرد بها كل بلد.

تستمر حياة الإنسان وسلوكياته بالتغيير؛ ليواصل بذلك تأثيره على البيئات الصوتية، إلا أن تنوع الأصوات ما بين أصوات صناعية وأخرى حيوانية وطبيعية يشير إلى مرونة البيئة المحيطة، أما سيطرة صوت واحد صناعي فسيؤدي إلى انتصار الضوضاء على التنوع الصوتي الطبيعي؛ بحيث يفقد الإنسان قدرته على تحمل ما يسمع.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة