اسرائيلياتالواجهة الرئيسيةترجماتفلسطينيات

المشاكل اللغوية والفلسفية في نص قانون الدولة اليهودية

هل هو حق "طبيعي" لإسرائيل؟

ترجمة كيو بوست –

“السياسة العالمية من اختراع البشر، لكن إسرائيل تزعم أن سياستها سمة من سمات الطبيعة”، هذا ما ذكره الكاتب الفرنسي بيتر إيساكسون، مؤلف العديد من كتب اللغويات السياسية والإعلامية والثقافية.

وقد نشر إيساكسون مقالته في مجلة “فير أوبزيرفر” الأمريكية، ناقش فيها نص قانون “الدولة اليهودية” الجديد من الناحيتين اللغوية والفلسفية، كما أجرى تحليلًا على نص كلمات القانون المذكور، وبين كيفية تناقضه مع الحقائق على الأرض، ومع نص إعلان تأسيس دولة إسرائيل.

من الواضح أن القانون اليهودي الجديد يعدّل بشكل جذري المشهدين السياسي والاجتماعي في إسرائيل، ولكن، من أجل فهم تناقضاته الفلسفية، لا بد من التأمل في كلمات القانون. ينص القانون على أن “دولة إسرائيل هي وطن قومي للشعب اليهودي، يلبي حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي في تقرير المصير”.

يجب أولًا النظر في مفهوم مصطلح “طبيعي” حسب المعاجم المعروفة، وفيما يلي نص التعريف المتفق عليه: “الطبيعي هو الشيء الموجود أو المستمد من الطبيعة، قبل تعريضه لأي نشاط بشري أو حتى تحويله من قبل البشر”.

اقرأ أيضًا: كل ما تريد معرفته عن معركة “الخان الأحمر” الفلسطينية

وعند دراسة هذا التعريف في سياق نص القانون الإسرائيلي، سندرك ما يلي: أن إسرائيل منحت نفسها استثناءً في هذا الوجود، من خلال اعتبار نفسها منتجًا طبيعيًا من منتجات الطبيعة، أو منتجًا مباركًا من الطبيعة. بكلمات أخرى، قانون الدولة اليهودية تدخّل وأجرى تعديلًا على تعريف مصطلح “طبيعي”، المتفق عليه في مختلف المعاجم، من خلال إضافة استثناء واحد، وهو اعتبار “الدول المحتلة من قبل مجموعة من الناس، منتجات مستمدة من الطبيعة، أو منتجات متأصلة في الطبيعة، وليست متحولة نتيجة للتدخل البشري”. من الواضح أن هنالك إرباكًا متعمدًا بين القانون الطبيعي والقانون الوضعي.

 

ملاحظات سياقية

لغة هذا النص تشكّل عددًا من المشاكل لأيّ فيلسوف أو لغوي جاد يحاول تحليل محتويات القانون.

لنبدأ بعبارة “دولة إسرائيل هي وطن قومي”. يشير مصطلح “دولة” إلى أرض معترف بها تحت سيطرة حكومة واحدة. وكما يدرك الجميع، إن وضع دولة إسرائيل وسلطتها على الأراضي التي تضمها هي موضع خلاف دائم. صحيح أن فرضية “حل الدولتين” الشهيرة تزيل هذه الإشكالية، إلا أنها فقدت مصداقيتها على نحو متزايد، دون استبدالها بأية صيغة بديلة مقبولة دوليًا.

إن تعريف الدولة بـ”الوطن القومي للشعب اليهودي” ينتهك المفهوم المعياري للدولة. في الحقيقة، مفهوم الدولة يشمل الحكومة والأرض، ولكن من الناحية القانونية، لا يمكن أن تكون الدولة “وطنًا” لكل شيء. علاوة على ذلك، إن حقيقة اعتبار بعض الناس لدولة معينة كوطن، يعبّر عن وجدان ثقافي وليس حقيقة سياسية.

تظهر المشكلة الأخرى في عبارة “الشعب اليهودي”. هل يقصد بها الشعب اليهودي في إسرائيل؟ أم الشعب اليهودي في أي مكان في العالم؟ لقد جعلت إسرائيل هذا الأمر غامضًا بشكل متعمد، لكن الواضح أن المقصود هو الشمولية وليس التخصيص. قد يرغب يهود العالم في اعتبار إسرائيل “وطنًا” لهم، الأمر الذي يحل “الإشكالية الديمقراطية”، لأن اعتبار يهود العالم كمواطنين إسرائيليين يمنح اليهود أغلبية واضحة على العرب الإسرائيليين. لكن المشكلة السياقية تكمن في أن يهود الشتات ليس لديهم أي ارتباط أو اتصال مباشر بالدولة الإسرائيلية، ولا يمكن السماح لهم بالتصويت في الانتخابات تحت أي ظرف من الظروف، وفقًا للمعايير الدولية، وهذا ما يجعل العبارة متناقضة بشكل صارخ مع الواقع.

اقرأ أيضًا: فضيحة صارخة: كيف سلّحت إسرائيل عصابات المخدرات حول العالم؟

ثم هنالك مشكلة في عبارة “يلبي حقه… في تقرير المصير”. يبدو أن كلمة “تلبية” تعبر عن دلالة لاهوتية وليست قانونية، أي الوفاء بالوعد الإلهي، وهذه إشكالية قانونية أخرى، إذ استند التعريف إلى فِكر أيديولوجي وليس معيارًا قانونيًا.

هنالك أيضًا مشكلة في الضمير المتصل في كلمة “حقه”، فهل يعود هذا الضمير على “الوطن القومي” أم “الشعب اليهودي”؟ إن الوفاء بمتطلبات قانون أمر مشروع، لكن تلبية آمال مجموعة معينة من الناس -حتى لو كانت أغلبية- أمر يتناقض مع الديمقراطية بشكل صارخ. وبكلمات أخرى، إن تحقيق آمال الشعب اليهودي داخل إسرائيل -على حساب العرب فيها- أمر يتناقض مع الديمقراطية، وهو ما يتناقض مع المبادئ المعلنة بشكل صارخ.

 

ملاحظات تاريخية

قد يكون من السابق لأوانه التنبؤ بعواقب هذا القانون، لكنه بالتأكيد يمثل نقطة تحول تاريخية في سياق عالمي من نقاط التحول التاريخية (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سياسة دونالد ترامب الخارجية، صعود اليمين الشعبوي). وكما هو الحال في كل ما يتعلق بإسرائيل، فإن هذا القانون لن يمثل مشكلة داخلية محلية لإسرائيل فحسب، بل سيتسرب أكثر إلى الجغرافيا السياسية أيضًا، حتى قبل انتشار آثاره محليًا.

يمكن العثور على التناقض الأكثر خطورة في إعلان الاستقلال -الوثيقة الأساسية للدولة الإسرائيلية- مما سيولّد عواقب خطيرة غير مقصودة في المستقبل القريب. يشير إعلان استقلال إسرائيل إلى أن إسرائيل “تضمن المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكانها، بغض النظر عن الدين والعرق والجنس، كما ستضمن حرية الدين والوجدان واللغة والتعليم والثقافة لجميع المواطنين”. من الواضح أن هذا الإعلان الرسمي يتناقض بشكل صارخ مع قانون “الدولة اليهودية” الجديد.

ليس العرب وحدهم من شعر بالجزع إزاء هذا القانون، بل كذلك منظمة “النداء الرباني لحقوق الإنسان”، وهي منظمة أمريكية يهودية تجمع حاخامات من مختلف التيارات اليهودية. وقد حذرت هذه المنظمة من أن القانون هذا “يعرض الديمقراطية الإسرائيلية للخطر، ويشرعن التمييز ضد 20% من المواطنين الإسرائيليين، ويهدد التعددية الدينية ومستقبل إسرائيل”.

لقد علمنا التاريخ أن الدفع نحو الهيمنة العرقية يؤدي دومًا إلى مأساة حقيقية، ويقوض في النهاية مؤسسات الدولة التي تضع هذا القانون موضع التنفيذ.

 

المصدر: مجلة “فير أوبزيرفر” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة