الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“المسحراتي” في القدس عادة حاضرة رغم المخاطر والضغوطات

مسحراتي مقدسي لـ"كيوبوست": دورنا في رمضان لا يزال حاضراً حتى في أجواء "كورونا".. والتكنولوجيا لم تنل من تقاليدنا

كيوبوست – مصطفى أبو عمشة

بزي فلسطيني أصيل وعبارات تراثية ودينية من عبق التاريخ، يبدأ المسحراتي نشاطه لإيقاظ المقدسيين في البلدة القديمة من القدس، متجولاً في أحيائها وشوارعها وأزقتها، صادحاً بالموشحات والأناشيد الدينية مع وقع قرع الطبول، قبل إعلان دخول يوم الصيام، ليوقظ النائمين إلى السحور.
المسحراتي المقدسي بهاء نجيب، يعطي في شوارع القدس وأزقتها التاريخية لمسة خاصة في شهر رمضان؛ ولكن عمله هذا محفوف بالمخاطر، بسبب إجراءات السلطات الإسرائيلية؛ حيث تقوم بحملة مضايقات على المسحراتيين في القدس، ومنهم نجيب، فتلاحقهم أحياناً بالتهديد والاعتقال أو بفرض غرامات مالية؛ بحجة أن ما يقومون به هو إزعاج للمستوطنين، في إجراء يعتبره البعض محاولة لإخماد صوت التراث المقدسي المتوارث عبر الأجيال.

بهاء نجيب

ويمارس بهاء نجيب، مع حسام غوشة، دور “المسحراتي” منذ عشر سنوات، وبقيا مع بعضهما في تطبيق فكرة المسحراتي؛ لكن لظروفٍ معينة اضطر زميله غوشة إلى الانسحاب، بينما نجيب أبى إلا أن يستمر في أداء مهمة “المسحراتي” رغم الظروف الصعبة، على اعتبار أنها جزء من هذا التراث الفلسطيني والهوية المقدسية وجزء من أجواء رمضان.
ويرى نجيب، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن المقدسيين يترقبون شخصية المسحراتي في شهر رمضان كل عام، على صوت وأنغام الدف والمووايل والموشحات الدينية، والتي تأتي على رأسها أنشودة “رمضان تجلى وابتسم طوبى للعبد إذا التزم”، وموشح “رمضان يا رمضان شهر الرحمة والغفران”، و”بسم الله سمينا وعلى النبي صلينا، يا نايم وحِّد الدايم، يا نايم العمر مو دايم”.

شاهد أيضاً: سجال تونسي حول “الإفطار العلني”: حرية شخصية أم انتهاك لحرمة رمضان؟

أما في منتصف رمضان، فإن نجيب يبدأ في ترتيل موشحات أخرى غير التي كان يرددها في العشرة الأوائل، كأنشودة “طلع البدر علينا”، وفي آخر رمضان يبدأ في اتباع أسلوب “توحيشات رمضان”؛ ومنها “لا أوحش الله منك يا رمضان، يا معدن الخيرات والإحسان”.
وعلى الرغم من تقدم وتطور التكنولوجيا واستخدام أجهزة الجوال التي تحتوي على أحدث البرامج والتطبيقات التي يمكن أن تنبه الناس إلى السحور؛ فإن نجيب يؤكد أن غالبية المقدسيين اعتادوا الاستيقاظ على صوت المسحراتي بمواويله وموشحاته، ما بين الساعة الثالثة والنصف والساعة الربعة فجراً.
ويؤكد نجيب أن دور المسحراتي في رمضان لا يزال حاضراً حتى في أجواء “كورونا”؛ حيث اعتاد الناس على سماعه بين أزقة وشوارع وأحياء القدس العتيقة على أنغام الدف التي تعكس أجواء روحانية، مشيراً إلى أنه كل عام يقوم بإضافات جديدة على المواويل والكلمات التي ينشدها على مسامع الناس، والتي تلقى قبولاً واسعاً بينهم.
ومن الطريف أن نجيب قد اعتاد على توجيه نداءات خاصة إلى كل عائلة في حي باب حطة، الذي يقطنه بالبلدة القديمة بالقدس، كأن يردد مثلاً: “يا آل نجيب الكرام صلوا على النبي العدنان”؛ فكل عائلة يخصها نجيب بموال خاص، الأمر الذي جعل المقدسيين يعتادون على صوت المسحراتي باعتباره جزءاً أصيلاً من رمضان.

بزي مقدسي أصيل وعبارات تراثية قديمة يبدأ المسحراتي نشاطه لإيقاظ المقدسيين في البلدة القديمة بالقدس

مفهوم إسلامي
مفهوم المسحراتي مفهوم إسلامي أصيل، وارتبط عند الفلسطينيين بشهر رمضان؛ حيث يرونه امتداداً لعهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، عندما كان بلال بن رباح، أول مؤذن في التاريخ الإسلامي، يجوب الشوارع والطرقات لإيقاظ الناس للسحور، ومنذ ذلك التاريخ أصبح “المسحراتي” مهنة رمضانية أصيلة.

شاهد أيضاً: عادات غريبة في شهر رمضان حول العالم

هنا تؤكد مديرة المركز النسوي الثوري بالقدس، عبير زياد، أن وجود المسحراتي كان مع بداية دخول الإسلام في القدس؛ فهو ظاهرة موجودة عبر العصر الإسلامي ومستمرة، فمسألة المسحراتي في القدس تختلف عنها في المناطق والمدن الأخرى الفلسطينية؛ بسبب الاحتلال، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وانزعاج المستوطنين من المسحراتيين ومطاردتهم واعتقالهم؛ الأمر الذي جعل المسحراتي نوعاً من المقاومة الشعبية.

عبير زياد

وترى زياد، في حديثٍ خاص إلى “كيوبوست”، أن الشباب الذين يقومون بدور المسحراتي يخاطرون بأنفسهم؛ نظراً لأنهم يتعرضون إلى الاعتقال، وهنا بات هناك اختلاف في النظرة إلى فكرة “المسحراتي” في القدس عن غيرها من المدن الفلسطينية، مشيرةً إلى أن “كورونا” لم تؤثر على أداء “المسحراتي” مهمته في إيقاظ المقدسيين للسحور قبل صلاة الفجر؛ حيث استمر المسحراتي على عادته، والذي يميز المسحراتيين في القدس أنهم يمشون على شكل مجموعات مكونة من 4- 5 أفراد، مرددين الأناشيد والموشحات الدينية أثناء سيرهم داخل حارات وأزقة القدس التاريخية والبلدة القديمة.
ويتلقى “المسحراتي” ليلة عيد الفطر نوعاً من المكأفاة من أهالي الحي، تُعرف بـ”العيدية”؛ تعبيراً له عن شكرهم وامتنانهم للدور الذي يؤديه، والذي يعكس حضوره في رمضان نكهة وأجواء خاصة يعشقها المقدسيون.

شاهد أيضاً: ليال رمضانية.. رمضان تجلى ليلي

وتختم زياد حديثها: “كل مناطق القدس، سواء داخل البلدة القديمة أو خارجها، يوجد لها مسحراتي خاص؛ لكن التركيز الأكبر في حارة السعدية وحي الواد، بسبب الكثافة السكانية العالية، واعتبارهما أكثر الأحياء المقدسية من ناحية عدد السكان”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة