الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

المسجد الكبير في باريس.. إرث تاريخي لمسلمي فرنسا

يتسم المسجد الكبير في باريس بأنماط معمارية وفنية أخاذة.. ويضم مرافق جعلت منه مزاراً للجميع على اختلاف دياناتهم

كيوبوست

احتفلت فرنسا بمئوية وضع حجر الأساس للمسجد الكبير، أول وأقدم مسجد في باريس، يوم الأربعاء، ضمن مناسبة حضرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وضع إكليلاً من الزهور، وألقى خطاباً أكد فيه أن فرنسا “ستواصل مساعدة المسلمين على ممارسة شعائرهم بكل حرية”.

وشهد المسجد الكبير في باريس تاريخاً استثنائياً؛ ابتداءً من سبب تأسيسه، تكريماً لجهود الجنود المسلمين الذي ماتوا دفاعاً عن فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى جهوده في حماية اليهود من ملاحقة النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، ثم دوره كمسجد ومنارة ثقافية ومزار لجميع الناس عل اختلاف دياناتهم.

قصة بناء المسجد

قبل التصويت على قرار بناء مسجد إثر ارتقاء جنود مسلمين دفاعاً عن فرنسا، كان عدد رعايا الإمبراطورية الفرنسية قد ازداد بشكل ملحوظ، بعد احتلالها بعض دول شمال إفريقيا منذ عام 1830م، فظهرت الحاجة إلى إنشاء مكان عبادة لرعاياها المسلمين.

وبعد معركة “فردان” التي وقعت في شمال مدينة فردان الفرنسية، بين الجيش الألماني من جهة والجيش الفرنسي من جهة أخرى، وراح ضحيتها أكثر من ثلاثمئة ألف جندي فرنسي؛ جزء كبير منهم كان جنوداً مسلمين يقاتلون لصالح فرنسا، طرح مشروع قانون الحكومة لإنشاء معهد إسلامي في باريس عام 1916م، وصوَّت مجلس النواب بالإجماع على القرار عام 1920م.

اقرأ أيضاً: جامع الزيتونة.. منارة معرفة صمدت رغم تقلبات الحضارات

لكن القرار تعارض مع قانون صدر عام 1905م، يقضي بمنع الدولة الفرنسية من تمويل أي مبنى ديني، وذلك في سبيل حماية العلمانية الفرنسية. ولتنفيذ المشروع كان لا بد من الالتفاف على القانون؛ فقد أخذت “جمعية الحبوس والأماكن المقدسة الإسلامية” التي تأسست عام 1921م، على عاتقها تمويل بناء المسجد.

وبدأت أعمال بناء المسجد الكبير بتاريخ 19 أكتوبر 1922م، وافتتح بتاريخ 15 يوليو  1926م، بحضور الرئيس غاستون دوميرغي، آنذاك، والسلطان المغربي مولاي يوسف، وكان أول إمام يشرف على إدارة الجامع “قدور بن غبريت”.

الطراز المعماري للمسجد الكبير

يتسم المسجد الكبير في باريس بأنماط معمارية وفنية أخاذة، ويضم مرافق جعلت منه مزاراً للجميع على اختلاف دياناتهم؛ إذ يعتمد المسجد الواقع في حي الدائرة الخامسة، والممتد على مساحة 7500 متر مربع، أنماطاً معمارية تنتمي إلى الطراز الأندلسي المغربي، وهو مستوحى من مسجد القرويين في فاس، فقد بُني بأيدي عمال مغاربة، ويتجلى النمط المعماري بالفسيفساء التي تضم زخارف معقدة؛ منها نباتية، وتعتمد اللون الأزرق بدرجة كبيرة، أما جدران المسجد فيغلب عليها اللون الأبيض.

مئذنة المسجد الكبير في باريس- أرشيف

وإلى جانب طرازه الأندلسي والمغربي، يضم المسجد الذي صممه المهندس والكاتب الفرنسي موريس ترانشانت دو لونيل، مئذنة يصل ارتفاعها إلى 33 متراً، تحاكي مئذنة مسجد الزيتونة في تونس. بينما تتشابه حديقة المسجد ومساحتها 3500 متر، مع النمط المعماري لقصر الحمراء في مدينة غرناطة الإسبانية، ويشتمل المسجد على فناء يحيط به بأقواس منحوتة بدقة.

كما يضم المسجد مرافق جعلت منه نقطة جذب للسياح الذين يزورونه بجولات منظمة يقودها مرشدون، ومن تلك المرافق غرفة صلاة ومكتبة ومتجر لبيع الهدايا التذكارية، ومطعم يقدم مأكولات شرقية، ومقهى يقدم مشروبات ساخنة؛ منها الشاي بالنعناع، إضافة إلى الحلويات الشرقية.

حديقة المسجد الكبير في باريس- أرشيف

أدوار تاريخية وإنسانية وثقافية

وإلى جانب هندسته المعمارية الخلابة، يمتلك المسجد تاريخاً زاخراً يجعله مثار اهتمام السياح، فقد أُدرج المسجد والمركز الإسلامي على قائمة الجرد التكميلية للآثار التاريخية، تحت عنوان “تراث القرن العشرين”، بموجب مرسوم صدر عام 1983م. وإضافة إلى سبب تدشينه، كان للمسجد دور إنساني في إنقاذ وإيواء يهود أوروبيين من قبضة النازية.

اقرأ أيضاً: في ذكرى افتتاحه.. الجامع الأزهر أحد المعاقل التاريخية للعلم والدعوة

فلما احتل الجيش النازي فرنسا عام 1940م، احتضن المسجد يهوداً كانوا يرزحون تحت خطر القتل والاضطهاد؛ إذ قدَّم رئيس المسجد “قدور بن غبريت”، شهادات إلى يهود تثبت أنهم مسلمون، وتمكنوا من خلال تلك الشهادات من التنقل والنجاة إلى مناطق أكثر أمناً، عبر نهر “بييفر” في باريس.

وقد أشار  الفيلم الفرنسي (رجال أحرار- Les Hommes Libres) والذي عرض عام 2011م، وهو فيلم مستوحى من أحداث وشخصيات حقيقية، إلى جهود المسجد في سياق حماية اليهود من خطر القوات النازية، وأشهر تلك المحاولات مساعدة قدور بن غبريت للمطرب الجزائري اليهودي سليم هلالي (اسمه الحقيقي سيمون)، عبر إصدار شهادة تؤكد أنه مسلم.

معهد الغزالي للدراسات الإسلامية- “فيسبوك”

يتجاوز المسجد الذي تنضوي تحته جميع مساجد فرنسا، الدور الديني؛ إذ يلعب دوراً ثقافياً، فهو يضم مكتبة غنية ومدرسة، وفي عام 1993م تم تأسيس معهد الغزالي للدراسات الإسلامية، والتابع للمسجد، كما عمل رئيس المسجد السابق “حمزة بوبكر”، على ترجمة معاني القرآن إلى اللغة الفرنسية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة