الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

المستفيد الوحيد من الانقلاب العسكري في ميانمار هم المتشددون في بكين

يتحدث د.دينيس ساموت مدير مؤسسة "لينكس يوروب" في مقال خاص بموقع "كيوبوست" عن أيام صعبة تنتظر ميانمار بعد وقوعها في أحضان الصين عقب التمرد الذي قاده الجيش مؤخراً

د .دينيس ساموت

كانت هناك إدانة واسعة للانقلاب العسكري في ميانمار، الذي تكشف صبيحة الأول من فبراير، وأطاح بالحكومة المدنية، وبالديمقراطية الهشة في البلاد. والجيش في ميانمار (أو بورما كما تعرف أحياناً) ليس غريباً عن الانقلابات؛ حيث كان وراء جميع الحكومات التي قادت البلاد منذ استقلالها عام 1948، وكثيراً ما تولى حكم البلاد مباشرة كما فعل الآن.

هنالك أسبابٌ محلية دفعته للاستيلاء على السلطة؛ ولكن التوقيت يتزامن أيضاً مع لحظة تبدو فيها الصين وكأنها ترتب الأجواء الداخلية على مستوى الدول المجاورة لها قبل الصدام مع الولايات المتحدة وحلفائها، الذي تراه أمراً حتمياً. وتتمتع ميانمار بأهمية جيوستراتيجية بالغة بالنسبة إلى الصين، والمتشددون في بكين هم المستفيدون الرئيسيون من آخر انقلابات ميانمار.

اقرأ أيضًا: ميانمار ساحة لاختبار الاستقرار السياسي والتنافس بين واشنطن وبكين

البلد الذي دمرته الحرب العالمية الثانية لم يتعافَ قط

لم تتعافَ ميانمار بشكلٍ حقيقي من آثار الحرب العالمية الثانية؛ فقد كانت البلاد ساحة لأشرس المعارك التي شهدتها الحرب في البر الرئيسي لآسيا، حيث انقسم البورميون أنفسهم؛ فمنهم مَن كان يدعم اليابان، ومنهم مَن دعم بريطانيا والولايات المتحدة وحلفاءهما.

ومنذ استقلالها، كان الجيش هو مَن حدد شكل ميانمار بمختلف الطرق، وسيطر على معظم مناحي الحياة في البلاد؛ بما فيها الاقتصاد. وقد احتل العسكريون، كمؤسسة وكأفراد من كبار الضباط، مكانة متميزة؛ ما عزز دورهم كنخبة في مختلف المجالات؛ ومنها الاقتصاد، بينما ظل معظم البورميين يعانون الفقر.

بقيت البلاد بشكل عام في معزل عن العمليات الدولية، وتعتبر واحدة من أقل دول العالم من ناحية الناتج المحلي الإجمالي. يبلغ عدد سكان ميانمار 54 مليوناً، ويتكون من فسيفساء من المجموعات العرقية المختلفة. هنالك تاريخ طويل من العلاقات المتوترة بين البوذيين البامار الذين يشكلون نحو 70% من سكان البلاد، وبين الأقليات الأخرى. وقد برزت هذه الاختلافات أثناء الحرب العالمية الثانية عندما دعم البامار اليابانيين بينما تحالفت الأقليات مع البريطانيين.

ميانمار تتوقع نمواً في إجمالي الناتج المحلي بنسبة 6% في العام المقبل- “ميانمار تايمز”

أونغ سان سو تشي وجهاً لوجه مع الجيش

كانت الحياة السياسية في ميانمار من نواحٍ عديدة في مواجهة دائمة مع الجيش، وكذلك كانت أونغ سان سو تشي – أشهر شخصية سياسية في البلاد، والحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1991. وقد أمضت أونغ سان سو تشي معظم سنوات العقود الثلاثة الأخيرة رهن الاعتقال المنزلي؛ ولكن منذ عام 2016 كانت هي القوة الدافعة وراء الحكومة المدنية، بعد أن لعبت دوراً كبيراً في انتقال ميانمار من الحكم العسكري إلى ما يشبه الديمقراطية في العقد الأول من القرن الحالي، وقادت حزبها إلى الفوز في انتخابات عام 2015.

اقرأ أيضاً: “ابن لادن البوذي”: كلمة السر لفهم أزمة مسلمي بورما

وقد نشأت الأزمة الأخيرة ظاهرياً على خلفية الانتصار الجلي لحزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية الذي تقوده أونغ سان سو تشي في انتخابات نوفمبر 2020، والتي يزعم الجيش أنها مزورة. كان من المفترض أن يؤدي البرلمان الجديد اليمين الدستورية صبيحة الانقلاب، ومن الواضح أن نتيجة التصويت الكبير لصالح الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية قد هددت هيمنة الجيش على السلطة، وعلى ثروة البلاد. وتقبع الآن أونغ سان سو تشي، البالغة من العمر 75 عاماً، في السجن إلى جانب معظم أعضاء حكومة البلاد المدنية.

الجيش يطيح بأونغ سان سو تشي- مجلة “التايم”

استطاعت أونغ سان سو تشي التغلب على الجيش بفضل نسبها السياسي؛ فهي ابنة أونغ سان، السياسي اليساري الذي يُعتبر والد ميانمار الحديثة، والذي ناضل من أجل استقلال بلاده عن بريطانيا؛ ولكنه قُتل قبل أشهر قليلة من تحقيق حلمه. ومن المفارقان أن أونغ سان يُعتبر مؤسس قوات ميانمار المسلحة، وقد دعم جيشه الناشئ اليابانيين في بداية الحرب العالمية الثانية؛ ولكنه انتقل إلى الجانب الآخر ودعم الحلفاء مع تغير موازين القوى. وقد أدى اغتياله عام 1947 إلى حرمان ميانمار من زعيم ذي بصيرة، ودخلت البلاد في قصة طويلة من العزلة السياسية، كانت خلالها الصين وكوريا الشمالية الدولتين الصديقتين الثابتتين الوحيدتين لميانمار.

اقرأ أيضاً: هل تكون مفاتيح حل أزمة مسلمي الروهينجا بيد الصين؟

وعلى مدى العقدين الماضيين، كانت هنالك بعض الجهود للاندماج في العمل السياسي الإقليمي؛ مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا، وتسارع هذا التوجه عندما تولت أونغ سان سو تشي منصب وزيرة الخارجية عام 2016؛ ولكن سمعتها تلطخت كثيراً عندما دافعت عن حملة جيش بلادها على أقلية الروهينغا المسلمة التي دفعت بعشرات الآلاف منهم لمغادرة البلاد في ما يشبه سياسة التطهير العرقي.

انقلاب عسكري في ميانمار وإعلان حالة الطوارئ – AFP

على الرغم من عزلتها السياسية.. تتمتع ميانمار بأهمية جيوستراتيجية بالغة

يجب قراءة الأحداث في ميانمار في سياق التطورات الأوسع في آسيا؛ حيث تتطور المواجهة سريعاً بين الصين والولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، بمن فيهم الهند ودول جنوب بحر الصين.

اتخذت الدبلوماسية الصينية في مختلف أنحاء العالم موقعاً هجومياً منذ انتشار جائحة كورونا، وفي آسيا كثيراً ما امتزج هذا الموقف بنبرة عسكرية؛ من الاشتباك مع القوات الهندية على خط الحدود في الهيمالايا إلى حوادث متنوعة للبحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي. أما على الصعيد الداخلي، فقد شهدنا تشديد القبضة الصينية على الديمقراطية والمعارضة في هونغ كونغ، وتشديداً أكبر في التيبت ومنطقة الإيغور. وفي نيبال المجاورة تستخدم الصين نفوذها مع الحزب الشيوعي الحاكم لضمان وجود حكومة موالية لها في كاتماندو.

اقرأ أيضاً: الاشتباك العسكري على الحدود الهندية الصينية يشير إلى تصاعد التوتر الجيوسياسي

كانت الصين أقرب حليف عسكري داعم لميانمار على مدى عقود. وترى الصين البلاد على أنها ذات أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة إليها؛ ليس فقط بسبب الحدود البرية الطويلة التي يتقاسمها البلدان، بل أيضاً بسبب موقعها في الوسط بين الهند وفيتنام، الدولتين اللتين ينظر إليهما المتشددون في بكين على أنهما منافستان وعدوتان محتملتان. والحفاظ على ميانمار في فلك بكين هو إحدى الأولويات الاستراتيجية للصين. وليس من الواضح بعد إلى أي مدى كانت الصين وراء انقلاب ميانمار الأخير؛ ولكن المؤكد أن هذا الانقلاب لقي ترحيباً حاراً من المتشددين في بكين الحريصين على تعزيز موقفهم على الحدود الجنوبية الغربية للبلاد.

جو بايدن يهدد باستئناف العقوبات على ميانمار- صحيفة “الغارديان”

أيام صعبة تنتظر ميانمار مع وقوعها أكثر في أحضان الصين

يقول الجيش البورمي إنه سيعقد انتخاباتٍ جديدة في غضون عام واحد؛ ولكن الوعود بانتخاباتٍ حرة ونزيهة تفتقد المصداقية. ويعكس مستوى الانتقادات التي وجهت إلى انقلاب ميانمار قلقاً واسعاً لدى المجتمع الدولي، وهنالك دعوات لفرض عقوبات اقتصادية، وتدابير عقابية أخرى، اعتاد الجيش في ميانمار على تحملها.

وعلى المدى القصير، سيسعى الانقلابيون للحصول على الدعم من خلال الارتماء في أحضان الصين التي ستفتح ذراعيها لهم. ولكن هذا الوضع غير مستدام على المدى المتوسط، وما تواجهه ميانمار الآن هو عدم اليقين، وليس الاستقرار.

♦د .دينيس ساموت: مدير مؤسسة “لينكس يوروب” في لاهاي، ومدير تحرير موقع commonspace.eu الإخباري والتحليلي.

لقراءة الأصل الإنجليزي:اضغط هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة