الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

المستشار المنفرد.. نموذج ميركل وحدوده

كيوبوست- ترجمات

كونستانز شتيلزينمولر♦

قبل سنواتٍ، في مؤتمر ميونخ للأمن، وجدت نفسي محاصراً على الدَّرَج الكبير المؤدي إلى غرفة الاحتفالات الرئيسية في الفندق، أحاول جاهداً ولكن دون جدوى أن أتابع الخطاب الرتيب الذي كانت تلقيه أول مستشارة ألمانية. لاحظت وجود ضابط برتبة عميد يتسكع بقربي، كان أحد كبار موظفي المستشارية. سألته “كيف وجدت العمل لديها؟”، فأجابني بابتسامة عريضة: “إنه كالعمل بجانب محطة نووية، إنها تعمل فقط، وتعمل وتعمل بلا توقف”.

أنجيلا ميركل الآن هي في الأشهر الأخيرة من ولايتها الرابعة والأخيرة، والتي من المقرر أن تنتهي بانتخاباتٍ وطنية في 26 سبتمبر المقبل. لم يتولَّ هذا المنصب لفترةٍ أطول منها سوى المستشار السابق هيلموت كول، الذي أشرف على توحيد شطرَي ألمانيا عام 1990. أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو، العام الماضي، أن ميركل هي الزعيم الذي يحظى بأكبر قدرٍ من الثقة في العالم. وصنفتها مجلة “فوربس” على أنها أقوى امرأة في العالم على مدى عشر سنوات متتالية. وفي عام 2009 أنتجت شركة “ماتيل” دمية باربي بشخصية أنجيلا ميركل. حتى إن بعض المعلقين الأمريكيين والبريطانيين المستائين من قادتهم أطلقوا عليها لقب “زعيمة العالم الحر”، وهو اللقب الذي يُقال إن ميركل كانت تكرهه.

اقرأ أيضاً: في عامها الأخير كمستشارة ألمانيا.. ميركل امرأة أوروبا الحديدية

ومع ذلك، فقد أحبط غموض ميركل، وحذرها التكنوقراطي، أولئك الذين أرادوا أن تعبِّر ألمانيا عن رؤية أوضح لدورها في نظام عالمي ليبرالي، وأن تتنكب مسؤوليات أكبر في تشكيل ذلك النظام والدفاع عنه. وعلى الرغم من أن الزعيمة المحافظة ذات الستة والستين عاماً لا تزال “السياسي” الأكثر شعبية في بلادها، فإن الإجماع حول حكومتها قد تراجع كثيراً مع تنامي الإحباط من التخبط في إدارة الجائحة.

بدأت نهاية عهد ميركل التي تلوح في الأفق تثير أسئلة تحل معها دروس مهمة، ليس أقلها لأولئك الذين يسعون الآن لخلافتها. ما وصفتها للسلطة؟ وهل هذه الوصفة قابلة للتكرار؟ هل جعلت فترة ولايتها ألمانيا وجيرانها وحلفاءها في وضع أفضل؟ وهل هيأت بلادها للمستقبل كما ينبغي؟

طريقة ميركل

في بداية مسيرتها المهنية، لم يكن هنالك من شيء يوحي بأنها ستكون المستشارة الثامنة لألمانيا، وخليفة سلسلة من كبار رجال السياسة في ألمانيا الغربية الذين اعتادوا شرب الكحول والتدخين، وملاحقة النساء، والاستعراض. عندما انهار جدار برلين عام 1989، كانت ميركل سيدة مطلقة في عامها الخامس والثلاثين، تعمل كباحثةٍ أكاديمية في الكيمياء الكمية في مركز أبحاث في برلين الشرقية. كانت ميركل قد انضمت لتوها إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، عندما اختارها المستشار كول لمنصب في غاية الأهمية في أول حكومة له بعد توحيد ألمانيا: وزيرة المرأة والشباب. حققت ميركل نجاحاً لا يُنسى في وظيفتها، وكذلك في وظيفتها التالية؛ وزيرة البيئة. كول الذي كان منشغلاً بتلميع إرثه، وبالتخلص من منافسيه، اعتاد أن يشير إليها بعبارة “تلك الفتاة”.

أنجيلا ميركل.. رحلة غير متوقعة من ألمانيا الشرقية الشيوعية إلى منصب مستشارة ألمانيا- “الإندبندنت”

ولكن عندما وجد كول نفسه متورطاً في فضيحة تمويل حزبي عام 1999، كانت ميركل -وليس واحداً من مجموعة المحافظين الشباب التي كانت تحيط بالرجل العجوز- هي من صدمته بمقالٍ نُشر على الصفحة الأولى من صحيفة “فرانكفورتر تسايتونج” الألمانية المحافظة، دعته فيه إلى الاستقالة من منصبه كرئيسٍ فخري للحزب. أدى هذا الاغتيال السياسي الجريء إلى انتخابها لرئاسة الحزب. وبعد ست سنوات، في عام 2005 أصبحت أول امرأة وأول شخص من ألمانيا الشرقية يُنتخب لمنصب المستشار.

منذ ذلك الحين، تمكنت ميركل من تجاوز سلسلة من الأزمات والاضطرابات الداخلية والخارجية؛ بما فيها الأزمة الاقتصادية عام 2008، وانهيار منطقة اليورو الذي أعقبها، وضم روسيا للقرم وغزوها أوكرانيا عام 2014، وأزمة اللاجئين عام 2015، والصعود الصاروخي لحزب “البديل لأجل ألمانيا” اليميني المتطرف، والآن جائحة “كوفيد-19”.

استمرت ميركل في السلطة لفترة أطول من جميع أقرانها في الدول الصناعية الكبرى، مع استثناء وحيد هو فلاديمير بوتين، وهذا ما مكنها من التوسط في عددٍ كبير من التسويات في مؤتمرات القمة التي عقدها الاتحاد الأوروبي، ومجموعة السبع، ومجموعة العشرين، كما مكنها من تشكيل أربع حكومات ائتلافية (ثلاث منها مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي من يسار الوسط، وواحدة مع الديمقراطيين الأحرار). وقد تفوقت على القادة الاستبداديين، والحلفاء، وشركاء التحالف، وأعضاء حزبها المناهضين لها، وعندما اقتضى الأمر جابهت المرضَ والإرهاقَ حتى كسراً في الحوض أصابها عندما كانت في رحلة تزلج في سويسرا.

أنجيلا ميركل وفلاديمير بوتين.. أطول زعماء الدول الصناعية بقاءً في السلطة- أرشيف

ومع ذلك، يبقى أكثر ما يلفت الانتباه في المستشارة هو “طبيعتها” واضحة المعالم. يحمل صوتها الواضح الصافي لكنة ريف براندنبيرغ شمال غربي برلين، الذي يشتهر بغابات الصنوبر وبتربته الرملية؛ حيث كان والدها قسيساً لوثرياً. يتكون لباس عملها من سراويل سوداء وعدد كبير من السترات التي تصل إلى الورك من مختلف الألوان. وتعيش المستشارة وزوجها، أستاذ الكيمياء المتقاعد، في شقتهما القديمة في برلين بدلاً من مقر الإقامة الرسمي، والحراسة الوحيدة المرئية هي شرطي واحد أمام البناء. وكثيراً ما يراها سكان برلين تسير في مركز المدينة أو تقوم بالتسوق في أحد المتاجر، بينما يسير وراءها حراسها الشخصيون.

يمكن القول إن تواضع ميركل وبساطتها هو في حد ذاته تعبير محسوب عن القوة. وقد وصفها لي أحد الألمان بأنها كتلة من القوة تمشي على قدمَين: “في الحوار معها أنت تعلم أنك تخضع لتدقيق هادئ وشامل طوال الوقت”. ويتذكر شخص آخر اجتماعاً عقدته ميركل في برلين عام 2013 مع جو بايدن، عندما كان يشغل منصب نائب الرئيس الأمريكي. تمكنتِ المستشارة من التخلص من محاولاته لجذبها، وتابعتِ الحديثَ في أجندتها الخاصة إلى أن اقتنعت أنها حصلت على ما أرادت أن تعرفه. ثم ألغت موعدها التالي لمتابعة الحديث معه. “انتهى الأمر ببايدن وهو يخبرها عن لقائه مع الرئيس الروسي عندما نظر في عينَي بوتين وقال له (يمكنني أن أنظر إلى روحك، وأنا لا أحب ما أراه)، وهو ما ردت عليه ميركل بانطباع مماثل عن بوتين”.

اقرأ أيضاً: صحيفة “دي تسايت” الألمانية: “بعد رحيل ميركل مستقبل صعب ينتظر أردوغان”

أخلاقيات العمل عند ميركل أسطورية؛ مثل روح الدعابة الساخرة التي تتمتع بها، ومثل إدارتها اجتماعاتها وشهيتها للمعلومات والحجج. قال لي أحد الأمريكيين، الذين شهدوا بعض اتصالاتها الهاتفية مع الرئيس أوباما: “بدا الأمر وكأنه ندوة للخريجين”. ولطالما كان وزراؤها يخشون من ذاكرتها، وإلمامها بتفاصيل حقائبهم؛ بما في ذلك تفاصيل المسائل التقنية والعلمية المعقدة، مثل التجارة والتكنولوجيا الرقمية ومؤخراً الجائحة؛ ولكن ما يميز ميركل حقاً هو قدرتها على المحافظة على قوتها رغم كل الظروف.

يعتبر أسلوب ميركل غير الخطابي في الحديث من أكثر السمات المميزة لأسلوبها الذي يخدر المعلقين والدبلوماسيين على حد سواء؛ فهي قادرة على إلقاء خطاب مزلزل في نقاش برلماني، وعلى إجراء مقابلة هادئة عندما ترغب في ذلك. وعندما طلب منها مضيف برنامج حواري ذات مرة أن تصف ما يميز ألمانيا أجابت ميركل بجفاف “نوافذ محكمة الإغلاق”؛ ولكن أسلوبها المعتاد الذي يسميه الألمان “الميركلية” هو يتميز بأنه جامد للغاية، ومعقد لدرجة أنه من المستحيل التغلب عليها. ويكمن وراء هذا الأسلوب ما يسميه الاستراتيجيون الألمان “التفكيك غير المتماثل” الذي يتمثل في تبسيط القضايا، ونزع تسييس النزاعات، وبالتالي منع ناخبي خصومها من التوجه نحو صناديق الاقتراع. مكَّن هذا النهج ميركل من تحديث حزبها المحافظ، والدفع به نحو مركز السياسة، ودفع شركائها في الائتلاف، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الحر، إلى الهامش، وتبني أجزاء من برامجهم؛ مثل المزايا الضريبية للآباء، والحد الأدنى القانوني للأجور.

اقرأ أيضاً: أنجيلا ميركل.. تلميذة تفوقت على أستاذها

الميزة الثانية الرئيسية في أسلوب ميركل في إدارة السلطة هي توزيع المسؤوليات؛ ولكن مع تقييد الثقة، فالدائرة الضيقة للمستشارة تتألف من فريق صغير من المساعدين المخلصين الذين عملت معهم لسنواتٍ (أحياناً لعقود) والذين تثق بتقديرهم وانضباطهم ثقة مطلقة. وكل من سواهم، من الوزراء إلى مسؤولي الحزب، يخضع لمراقبة مستمرة؛ حيث يكافأ النجاح بالرضا والتقدير، ولكن مَن يتعثر أو يتورط في مشكلات، فإما أن يصحح خطأه من خلال فهم جديد لخياراته، وإما يجد نفسه مضطراً لأن يكتشف الحياة خارج السياسة.

أما الميزة الثالثة؛ فهي القياس الدقيق والاستجابة لمزاج قاعدتها. ففي بداية الأمر قامت بتثبيت طموحاتها في القيادة الوطنية بخطابٍ اقتصادي إصلاحي ليبرالي ملتهب في مؤتمر للحزب عام 2003. وعندما تبين لها أن التغيير الذي طرحته كان كبيراً جداً بالنسبة إلى المندوبين الحزبيين، وربما يكلفها منصب المستشارية، تراجعت بسرعة، وتخلت عن حلفائها القدامى في الحزب.

وقد كشفت صحيفة “ديرشبيغل” أن إدارة ميركل كانت تجري وسطياً ثلاثة استطلاعات للرأي أسبوعياً. وقد حظي اثنان من أكثر خياراتها جرأة -قرارها بتفكيك محطات الطاقة النووية الألمانية خلال عشر سنوات من كارثة مفاعل فوكوشيما عام 2011، ورفضها إغلاق الحدود الألمانية أمام مليون لاجئ معظمهم من الشرق الأوسط- بتأييدٍ كبير كما أظهرت استطلاعات الرأي.

ميركل ترحب بمئات الآلاف من اللاجئين في ألمانيا- “ذا واشنطن بوست”

أبحرت ميركل مرتين عكس التيار السياسي؛ فأثناء الأزمة الاقتصادية في عام 2008، أظهرت استطلاعات الرأي أن الألمان كانوا يعارضون بشدة عملية إنقاذ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ولكنها وقفت بثبات في وجه حزبها والرأي العام، ودفعت بحزم الإنقاذ، وأصرت على بقاء اليونان في منطقة اليورو. ومن جهةٍ أخرى، كانت قضية اللاجئين قد أصبحت مثار الكثير من الجدل، وأدت إلى صعود أقصى اليمين. في عام 2015، ولكن كما توقع رئيس الوزراء الهولندي السابق رود لوبرز، الذي كان يعرف ميركل منذ أيامها الأولى في السياسة، صمدت ميركل رغم رد الفعل العنيف. قال لوبرز: “بالنسبة إلى شخص لوثري مخلص، فإنها مسألة قناعة أخلاقية عميقة”.

بذل محللو ميركل جهوداً مضنية في التوفيق بين مفارقاتها؛ فالحقيقة البسيطة هي أن ميركل التي تحمل عقلية تجريبية علمية، لا تمتلك الكثير من الصبر على الرؤى عندما تكون هنالك مشكلة يجب حلها. وأظهرت براغماتية تجاه مبادئها في سبيل السلطة، ولكنها في الوقت نفسه، كانت مستعدة لدفع ثمن دفاعها عن قناعاتها الراسخة. قليل من أقرانها السياسيين تمكنوا من تجميع رأس المال السياسي الكبير الذي جنته. ومع ذلك، يعترف حتى المعجبون بها، أنه على الرغم من براعتها في المناورة عبر التيارات السياسية، فهي مترددة كثيراً في صنعها وتشكيلها.

اقرأ أيضاً: ميركل من جديد.. 6 حقائق عن كبيرة أوروبا

إرث متناقض

ما مصير كل رأس المال السياسي هذا مع اقتراب الانتخابات الألمانية؟ كيف سيكون إرث ميركل؟ وهل تستحق أن توصف بأنها مستشارة عظيمة؟

ثلاثة من ثمانية مستشارين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية يستحقون هذا اللقب: كونراد أديناور الذي أرسى تحالف ألمانيا الغربية مع الغرب، وانضمامها إلى حلف الناتو، والمصالحة مع فرنسا وإسرائيل، وويلي برانت الذي اتبع سياسة طلب المسامحة من أوروبا الشرقية، وركع على ركبتَيه في الحي اليهودي في وارسو، وسعى من أجل الانفراد مع الاتحاد السوفييتي، وهيلموت كول الذي قاد الألمانيتَين إلى الوحدة، وتخلَّى عن المارك الألماني في سبيل العملة الأوروبية المشتركة، اليورو، الذي أدى إلى ترسيخ مكانة ألمانيا الموحدة في الاتحاد الأوروبي الموسع.

هيلموت كول المستشار الذي قاد الألمانيتَين إلى الوحدة- أرشيف

لا شك في أن ميركل قد غيَّرت سياسات ما بعد الحرب الباردة في ألمانيا، وحررت حزبها وقادت التوسع الاستثنائي للاقتصاد الألماني، والقوة السياسية لألمانيا في أوروبا، وفعلت الكثير للدفاع عن المشروع السياسي الأوروبي. ومع ذلك فإن وصفها بالمستشارة العظيمة غير حاسم؛ ربما لأن العديد من الإنجازات الكبيرة التي تحققت في عهدها جاءت مع جانب مظلم.

قبل جائحة “كوفيد-19” شهد عهد ميركل نهوض الاقتصاد الألماني من الضيق الشديد إلى أن أصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، رافقه ارتفاع كبير في مستوى المعيشة، وشبه انعدام في البطالة، وفائض تاريخي في ميزانية الحكومة. كانت سياساتها الاقتصادية ملائمة للأعمال بشكل ملحوظ؛ ولكنها فشلت في الدفع باتجاه التكيف التكنولوجي السريع الضروري في العديد من الصناعات الرئيسية، وفي تحديث البنية التحتية المادية والرقمية. كشفت سلسلة من الفضائح -من تلاعب صناعة السيارات في بيانات الانبعاثات (ديزل غايت) إلى الإفلاس الاحتيالي لشركة المدفعات “وايركارد”- عن ثقافة مؤسساتية مَعيبة، ومقاومة للمساءلة والمراقبة. وهذا يعرِّض الاقتصاد الألماني بشكلٍ كبير إلى التدفقات المالية غير المشروعة التي تعتبر الأداة المفضلة للجريمة المنظمة والإرهاب والخصوم الاستبداديين.

عملت ميركل منذ وقتٍ مبكر على أن تكتسب لقب “مستشارة المناخ”؛ حيث دافعت بشدة عن سياسات المناخ العالمية التقدمية؛ ولكن سياساتها المناخية المحلية تورطت في العديد من التناقضات مع سياستها في مجال الطاقة. فقد أدى تحولها السريع عن الطاقة النووية عام 2011 إلى ازدياد اعتماد ألمانيا على الفحم. وعلى الرغم من إنفاق مبالغ طائلة على دعم مصادر الطاقة المتجددة؛ فإن البلاد قد عانت مشكلات في تلبية التزاماتها الدولية من حيث الانبعاثات.

اقرأ أيضاً: مارك بيريني: أنجيلا ميركل تضغط بشكل كبير لتحسين العلاقات مع أنقرة

من ناحيةٍ أخرى، فإن سجل ميركل الأوروبي أكثر تعقيداً. استاءت دول جنوب أوروبا من سياسات التقشف التي فرضتها برلين أثناء أزمة منطقة اليورو، وألقت باللوم عليها في صعود الشعبويين في أثينا وروما. وفي المقابل، كانت بعض دول شمال أوروبا والبلطيق تطالب بإخراج اليونان من منطقة اليورو، في أعقاب أزمة ديونها. وشعرت دول أوروبا الشرقية بالغضب تجاهها؛ لأنها استقبلت اللاجئين في حين ترفض المشاركة في نظام إعادة توطين على مستوى الاتحاد الأوروبي. كما اتهمها الليبراليون من مختلف أنحاء أوروبا بالتغاضي عن تراجع الديمقراطية في بولندا، والاستبداد الكامل في هنغاريا. وشعر العديد من رؤساء الوزراء البريطانيين المتتالين بخيبة الأمل من رفضها المهذب لدفع أي ثمن لمنعهم من الخروج من الاتحاد الأوروبي. كما أُصيب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بخيبة أملٍ شديدة عندما رأى أنها غير منبهرة بأفكاره العظيمة لتحقيق اندماج أوروبي أكبر.

ومع ذلك، فقد نجحت ميركل في العديد من المناسبات، بفضل صبرها وهدوئها، في رأب الانقسامات الأوروبية العميقة؛ فقد حاربت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاقية، ومن المحتمل جداً أنها حالت دون تفكك الاتحاد الأوروبي؛ بدعمها صندوق الاتحاد الأوروبي للخروج من الجائحة، البالغ 826 مليار دولار، من خلال السماح للاتحاد بجمع الديون المشتركة في أسواق رأس المال للمرة الأولى؛ وهي خطة كان حزبها يعارضها بشدة على مدى عقود.

كان قرار ميركل عدم إغلاق حدود ألمانيا أمام موجات هائلة من اللاجئين عام 2015 عملاً إنسانياً؛ ولكنه كان أيضاً الأمر الوحيد المسؤول الذي يمكن فعله؛ لأنه خفف ضغطاً كبيراً عن الدول الأوروبية الأصغر ودول البلقان، حيث وصل اللاجئون في بداية الأمر. وقد اندمج معظم مَن بقوا في ألمانيا بالمجتمع الألماني، وعزز القوة العاملة المطلوبة في البلاد.

ولكن التكاليف المحلية والخارجية كانت كبيرة جداً؛ فقد عانتِ المدن والولايات الألمانية لأشهر في التعامل مع تدفق اللاجئين، وشعر المواطنون أن الحكومة كانت تطالبهم أكثر مما يجب بمساعدة الوافدين الجدد. واعترض جيران ألمانيا على سياستها؛ لأنهم رأوا أنها خلقت حافزاً كبيراً للمزيد من الهجرة. وقد تطلب الأمر مليارات الدولارات لعقد صفقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لوقف تدفق اللاجئين وإبقائهم في تركيا، وانتهى الأمر بألمانيا بحكم الأمر الواقع، إلى إغلاق حدودها أمام اللاجئين.

نهج ميركل تجاه أردوغان في قضية اللاجئين يثير شكوك الألمان- “بلومبيرغ”

والأسوأ من ذلك كله أن أزمة اللاجئين قد أجَّجت التعصب العرقي في جميع أنحاء أوروبا؛ ففي ألمانيا حولت حزب “البديل من أجل ألمانيا” من حزبٍ صغير يشكك في المشروع الأوروبي إلى قوة يمينية متطرفة معادية للأجانب دخلت البرلمان، وأصبحت في قيادة المعارضة خلال أربع سنوات لا غير. وانتشرت أجواء التمرد في حزبها (الاتحاد الديمقراطي المسيحي)، وكادت ميركل تفقد وظيفتها؛ فقد فازت في إعادة انتخابها عام 2017 في أسوأ نتيجة لحزبها بعد الحرب (33% من الأصوات الشعبية) واضطرت إلى التفاوض لمدةٍ غير مسبوقة وصلت إلى خمسة أشهر لتشكيل حكومتها.

كان التحدي الأصعب على الإطلاق لميركل هو رسم العلاقات المتغيرة لألمانيا مع القوى العظمى. كقوة أوروبية مركزية تتشارك القارة مع روسيا وتستورد الطاقة منها، ودولة تعتمد في صادراتها على الصين (الشريك التجاري الأكبر لها خارج الاتحاد الأوروبي)، وتعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في مظلتها الأمنية؛ فقد كانت خيارات ألمانيا الاستراتيجية محدودة. وقد انعكس ذلك تاريخياً في غريزة متأصلة لتحقيق التوازن بين الحلفاء والخصوم على حد سواء، ولم تكن ميركل استثناءً من هذا التقليد.

في الواقع، قبل عقد من الزمن رأت برلين في موسكو وبكين شريكَين استراتيجيَّين بينما كانت تأمل أن تصبح صفقة في الاتجاهين: فألمانيا لن تساعدهما على تطوير اقتصاداتهما فحسب، بل أنظمتهما السياسية أيضاً؛ وهذا ما عزز الأعمال التجارية. كان اتحاد أوست أوشوس (مجموعة الضغط الرئيسية في ألمانيا للشركات العاملة في روسيا) لاعباً قوياً في السياسة التجارية الألمانية. كان الكثير من كبار مديري الشركات الألمانية يرغبون في الانضمام إلى الرحلات السنوية للمستشارة إلى الصين؛ حيث احتاج الوفد في بعض الأحيان إلى ثلاث طائرات للسفر. كما أن ميركل اعتادت خلال زياراتها على لقاء المنشقين الروس والصينيين في السفارة الألمانية، واستقبلت الدالاي لاما في برلين عام 2007. ولكن اليوم تلعب روسيا بسياساتها الجديدة والصين الصاعدة دوراً هجومياً كمنافسين استراتيجيين للغرب، ليس فقط في الدول المجاورة لهما، وفي الشرق الأوسط وإفريقيا؛ بل أيضاً ضمن الحدود الأوروبية والألمانية الفعلية والرقمية.

ميركل تصل إلى بكين محاصرة بقضايا حقوق الإنسان والتجارة- “سي إن إن”

ضم روسيا للقرم، وحربها المستمرة بالوكالة في أوكرانيا، وتضليلها وعملياتها الدعائية في وسائل التواصل الاجتماعي الألمانية، واختراق خوادم البرلمان الألماني عام 2015، وقتل لاجئ سياسي شيشاني في برلين عام 2019، ومحاولة قتل المعارض السياسي الروسي أليكسي نافالني عام 2020، ودعم موسكو للقمع الوحشي للمظاهرات الضخمة في بيلاروسيا.. كل هذه التطورات دفعت الطبقة السياسية الألمانية للقيام بعملية إعادة تقييم العلاقة مع موسكو.

أدانت ميركل الكرملين بشدة؛ لمحاولة اغتيال نافالني، وجاءت به إلى برلين للمعالجة، ودعمت عقوبات أوروبية جديدة ضد مسؤولين روس رداً على ذلك؛ ولكنها رفضت -على الرغم من الضغوط الكبيرة من إدارتي ترامب وبايدن- استخدام العصا الكبيرة التي تمتلكها ضد روسيا، وهي تعليق مشروع “غازبروم نورد ستريم 2” الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا، وتجاوز طرق العبور الحالية عبر أوكرانيا وبولندا.

وبالمثل؛ فالقمع الصيني في عهد الرئيس شي جين بينغ، واضطهاد الإيغور والناشطين، والسعي للهيمنة الإقليمية، وأعمال القمع في هونغ كونغ، وتهديد تايوان، ودبلوماسية المواجهة في أوروبا، كلها ساعدت على تشديد المواقف في برلين. وبسبب المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني، تخطط الحكومة الألمانية للمزيد من القيود على مزودي الاتصالات؛ من شأنها أن تمنع فعلياً شركة “هواوي” الصينية من العمل في شبكة الجيل الخامس في البلاد. في سبتمبر 2020 تلقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي، توبيخاً غير مألوف من مضيفه ونظيره الألماني هايكو ماس، الذي قال له: “نحن نقدم الاحترام لشركائنا الدوليين، ونتوقع الشيء نفسه بالضبط منهم”. ويتزايد عدد النواب في البرلمان الألماني الذين يطالبون بنهج أكثر صرامة مع الصين. ومع ذلك، عندما تولت ألمانيا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من عام 2020، دفعت ميركل باتجاه اتفاقية الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، على الرغم من القلق الشديد على جانبي المحيط الأطلسي.

وعلى الرغم من كل ذلك؛ فإنه لم يكن من شيء أكثر إزعاجاً لميركل من اضطرارها إلى التعامل مع الولايات المتحدة أثناء ولاية ترامب العدوانية. عندما كانت ميركل فتاة مراهقة في ألمانيا الشرقية، كانت تحلم بالسفر إلى الولايات المتحدة، وفي عام 1993 أمضت أربعة أسابيع في جولة في كاليفورنيا مع الرجل الذي سيصبح زوجها الثاني. وكمستشارة أصبحت عابرة مثابرة للأطلسي؛ حتى إنها دافعت عن حرب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، في العراق. استخفت ميركل بأوباما في بداية عهده؛ ولكنها في ما بعد أصبحت قريبة منه إلى حد كبير، وكان أوباما هو مَن شجعها على الترشح لولاية رابعة؛ بسبب الخشية على أوروبا من ترامب. وقد تبين في ما بعد أن ترامب يحمل عداءً لا هوادة فيه تجاه الاتحاد الأوروبي، وألمانيا ومستشارتها. في مايو 2017، بعد حضور ترامب لأول مرة إلى قمة مجموعة السبع، قالت ميركل لجمهور حملتها الانتخابية “لقد انتهى إلى حد ما العصر الذي كان يمكننا فيه الاعتماد على الآخرين بشكل كامل”.

عندما يتعلق الأمر بترامب فإن وجه ميركل يعبر عن كل شيء- “نيويورك تايمز”

رحبت ميركل بحرارة بانتخاب بايدن (وبارتياحٍ ملموس). كما أن وزيرة دفاعها أنغريت كرامب-كارينباور، التي تشاركها في وجهات نظرها حول أهمية التحالف مع الولايات المتحدة، تواصل العمل من أجل إنفاق عسكري أكبر وموقف عسكري أكثر ميلاً للانفتاح؛ ولكن من المؤكد أيضاً أن القدرات الأمنية الألمانية كانت تعاني نقصاً مؤلماً في التمويل لفترة طويلة جداً. وكما هي الحال بالنسبة إلى تردد ميركل تجاه الوقوف في وجه موسكو وبكين، أدى الضعف العسكري الألماني، إلى زعزعة الأمن الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي.

الفشل في الاستعداد

يبدو أن المشهد الجيوسياسي القاتم وخطر اليمين المتطرف قد أطلقا العنان لشيءٍ ما في ميركل. فوفقاً لصحيفة “ديرشبيغل”، فقد تحدثت ميركل إلى المجموعة البرلمانية لحزبها عام 2018 حول الحروب الدينية الدامية التي أعقبت الإصلاح؛ حيث أدت أكثر من ستة عقود من السلام إلى تخدير الأوروبيين بشعور زائف بالأمان، مما جعلهم غير مستعدين لما حدث بعد ذلك: حرب الثلاثين عاماً (1618- 1648) التي ذهب ضحيتها ثلث سكان بعض أجزاء ألمانيا. ولتعزيز رسالتها أضافت ميركل: “لقد مرت أكثر من 70 سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية.

عندما بدأت الجائحة كانت ميركل من أوائل القادة الذين أدركوا أنها يمكن أن تصبح النسخة العصرية عن الكوارث الكبرى التي وقعت في الماضي. وفي 18 مارس 2020 أدهشتِ المستشارة الأمة في خطاب متلفز، قالت فيه: “إن الأمر خطير، وعليكم التعاطي معه بجدية كبيرة أيضاً. ومنذ توحيد ألمانيا، بل منذ الحرب العالمية الثانية، لم يكن هنالك من تحدٍّ كهذا؛ حيث يصبح تضامننا المشترك في غاية الأهمية”. في بداية الأمر، بدا وكأن البلاد قد استجابت لها، ففي الربيع والصيف تصرف صناع السياسة الألمان بدقة وسرعة وانسجام. وبينما كان الفيروس يضرب في أماكن أخرى بقي عدد الحالات في ألمانيا منخفضاً، وبدأت البلاد في فتح أبوابها من جديد. وكان يُنظر إلى ألمانيا -وميركل- كمثال مشرق على القيادة.

ميركل تتألق في معالجة ألمانيا لأزمة فيروس كورونا- “فرانس 24”

ولكن الآن يبدو أن ميركل العالمة، ومديرة الأزمات والوسيطة في التسويات، تواجه أسوأ فشل لها في الداخل؛ فقد تم تجاهل جميع التحذيرات -بما في ذلك تحذيراتها- من موجة ثانية للجائحة. وكانت النتيجة طفرة شتوية مروعة في أعداد الإصابات؛ فقد تجاوز عدد الوفيات في البلاد سبعين ألفاً، وأصبحت ألمانيا الغنية المنظمة التي تولت مهمة دمج مليون لاجئ عام 2015 تكافح من أجل تأمين الاختبارات واللقاح.

هنالك العديد من الأسباب لهذه الفوضى؛ السياسة الصحية هي من اختصاص الولايات الألمانية الست عشرة. وفي النظام البرلماني لا يمتلك المستشار حق النقض تجاه السياسات التي هي من اختصاص الولايات، وكل ما تستطيع فعله هو محاولة الإقناع. وفي عامٍ يحمل ستة انتخابات إقليمية إلى جانب الانتخابات العامة في سبتمبر، ينشغل السياسيون في التنافس بعضهم مع بعض كحماة لمصالح ناخبيهم. والإدارة الصحية في البلاد مقوننة أكثر مما ينبغي وغير منظمة. ومما زاد في سخرية الأمر هو حقيقة أن أحد اللقاحات الناجحة دولياً -فايزر بايونتيك- قد شارك في تطويره عالم ألماني من أصل تركي.

حتى أصدقاء ألمانيا يقولون إن الجدل السياسي الداخلي يظهر نوعاً من الرضا عن النفس يبدو متناقضاً بشكل مقلق مع التحديات، ومواطن الخلل الحالية. وهم يشعرون بنوع من عدم الاطمئنان تجاه حقيقة أنه قبل أشهر قليلة من الانتخابات الوطنية لا تزال مسألة مَن يمكن أن يكون المستشار الألماني التالي مفتوحة على كل الاحتمالات.

لا تزال استطلاعات الرأي تشير إلى أن الحكومة الألمانية المقبلة ستكون بقيادة مستشار محافظ، مع وجود حزب الخضر، كشركاء صغار في الائتلاف. ولكن التراجع الأخير في رصيد حزب ميركل لا يبشر بالخير بالنسبة إلى فرصه في سبتمبر. استقال وريثها السياسي المختار كرامب-كارينباور من رئاسة الحزب بعد عامٍ واحد فقط. وكان أداء رئيس الحزب الجديد أرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية نورث راين ويستفاليا، أكثر الولايات الألمانية سكاناً، مخيباً للآمال. وفي منتصف مارس، تعرض حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى أكبر هزائمه على الإطلاق في انتخابين إقليميين رئيسيين. وتفاقم المزاج السياسي الغاضب في البلاد بعد الكشف عن أن العديد من النواب المحافظين قد استفادوا من صفقات فاسدة لشراء الكمامات.

أنجيلا ميركل وخليفتها المحتمل آرمين لاشيت- أرشيف

حتى الآن لا يبدو أن اليمين المتطرف، الذي يعاني الخلافات الداخلية ومراقبة أجهزة الأمن، قد استفاد من هذا الوضع؛ ولكن ربما يعاني لاشيت منافسة ماركوس سودير، رئيس وزراء ولاية بافاريا، ورئيس حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي المحلي الشقيق لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ويتوقع آخرون إمكانية تحول تحالف يسار الوسط من الاشتراكيين الديمقراطيين، والديمقراطيين الأحرار، والخضر -الذي يعرف بتحالف إشارات المرور- مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى المعارضة.

في الوقت الراهن، تبدو ميركل محبطة ومستنزفة، وقد تآكل صبرها اللا متناهي، واستهلكت طاقتها التفاوضية. وربما سيقول الألمان يوماً عن ميركل إنها كانت تخلو من العيوب الشخصية الموجودة في أسلافها العظماء الثلاثة، أديناور وبرانت وكول، الذين ترك كل منهم منصبه دون رغبة منه. ليس هنالك أي جدال حول نزاهتها وتفانيها، وستكون أول زعيم ألماني يتخلى عن السلطة برغبة منه. ومع ذلك، وعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها؛ فإن المسؤولية النهائية عن حالة البلاد، وعن علاقاتها مع حلفائها وخصومها، تقع على عاتق المستشار.

وبينما تفكر ألمانيا فيمن ستنتخب كخليفة لمستشارتها، فربما تستفيد البلاد من درس كارثة فوكوشيما عام 2011. فبعد الزلزال والتسونامي اللذين أديا إلى أسوأ كارثة نووية في العالم منذ كارثة تشيرنوبيل، أصبح من الواضح أنه قد تم تجاهل الدراسات حول هشاشة بنية المحطة. بعبارةٍ أخرى، قد يكون من الممكن تفادي الكارثة أو التخفيف من حدتها بالتخطيط والعمل المناسبَين؛ فالديمقراطيات الحديثة أيضاً تواجه مستقبلاً حافلاً بالأزمات والاضطرابات المتزايدة. وتعتبر حالة ألمانيا الحالية مثالاً حياً عن مخاطر الفشل في الاستعداد وحماية الذات والجيران والحلفاء من الاضطراب التالي.

♦رئيسة معهد فريتز شتيرن لشؤون ألمانيا، وعبر الأطلسي، وزميل أول في مركز معهد بروكينغز لشؤون الولايات المتحدة وأوروبا.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة