الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المساواة في الإرث: جدل في تونس، ومطالب في المغرب والجزائر

ما وراء الجدل التونسي على "المساواة في الإرث": تراكمات مغاربية

خاص كيو بوست – رشيد العزوزي

أثار تصريح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي حول الإرث جدلًا كبيرًا، تجاوز البلاد إلى الجوار المغاربي، مخلفًا انقسامًا حادًا في الشارع، تابعته وسائل الإعلام، وتفاعل معه رواد وسائل التواصل الاجتماعي، كما قال فيه بعض المثقفين والفقهاء كلمتهم.

التطورات المتسارعة في الدول المغاربية كانت صدى لنقاش مجتمعي عميق يميز الحقل السياسي التونسي هذه الأيام، صنعته القيادة، بتصريح اعتبره البعض صادمًا، في حين رأى فيه آخرون تميزًا تونسيًا درجت عليه البلاد منذ 2011، وله ما يبرره من الناحية التاريخية.

اقرأ أيضًا: تونس في غمرة التغيير: هل الطريق صعبة؟

والخطوة التونسية عبارة عن مشاريع قانونية إصلاحية مقترحة على البرلمان التونسي بهدف تحقيق مبدأ المساواة التامة، وترمي إلى الارتقاء بالحريات الفردية وحقوق المرأة لمستوى الدستور التونسي، الذي يعتبره المهتمون الأكثر تقدمًا في العالم الإسلامي.

 

تونس: من بناء الدولة الوطنية إلى تشييد الدولة المدنية

ضمن إطار الدخول إلى الدولة المدنية، أثنى المفكر سعيد ناشيد في اتصال مع كيوبوست على الطبقة المثقفة التونسية التي لم تستقل، عكس بلدان عربية أخرى، وانخرطت في نقاش الفضاء العمومي، تؤطره، وتدافع عنه، عبر حضورها الدائم في وسائل الإعلام التي شهدت انفتاحًا كبيرًا، واستقطبت خيرة المثقفين التنويريين في البلاد، ما جعل منها الأكثر أهلية لهذا النوع من الانتقال الحداثي في المنطقة.       

سعيد ناشيد

“هذا المخاض الذي يعرف التونسيون حاليًا شبيه جدًا بما عاشته الرباط عام 2003، حين أعلن الملك محمد السادس عن تعديلات جوهرية في مشروع مدونة الأحوال الشخصية قيد بها تعدد الزوجات، ومنح المرأة الرشيدة حق تقرير مصيرها في الزواج، وهو ما تضمنته مدونة الأسرة. وعارض تلك المكتسبات في البداية التيار المحافظ قبل أن يقبل بها، وما كانت لتتحقق لولا إرادة حقيقية من أكبر سلطة في البلاد”، بحسب ناشيد.

ولعل هذا ما جعل مفكرنا يقر بـ”شجاعة رجل الدولة كعامل أساسي في الموضوع؛ فالسبسي لم يرض بتوازنات –كما يدعو البعض- تكون في الغالب لصالح قوى التخلف التي تتميز بنوع من الجبن، إذ أنها تتكيف لما تكون السلطة حازمة وحاسمة مع الوضع، وتفرض التغيير كأمر واقع للخروج من التخلف، مقدمًا مثالًا على ذلك في التحولات الكبيرة التي يقودها ولي العهد السعودي حاليًا، أو من خلال التجربة التاريخية التونسية نفسها من بورقيبة إلى السبسي”.

اقرأ أيضًا: عبد الفتاح مورو: أخونة تونس بالتدريج بدلًا من أخونتها مباشرة

إن التحولات السوسيو ثقافية العميقة التي تشهدها تونس خلال السنوات القليلة الأخيرة نموذجية على أكثر من صعيد؛ لأنها اعتمدت منهجًا يكاد يكون متفردًا تاريخيًا، فهذا البلد الصغير جغرافيًا، استطاع خلخلة الذهنية الاجتماعية والبنى السياسية، متجهًا نحو الحداثة بخطى ثابتة من جهة، وبعيدًا عن الاستبداد الشرقي من جهة أخرى.

من هنا، نبه ناشيد من يزعمون أن الحداثة دائمًا كانت مرتبطة بنوع من الاستبداد، إلى الاطلاع على التجربة التونسية التي أسقطت هذا الفهم الجاهز، وهي الآن تتحول بشكل تدريجي لصالح الحداثة، وفي سياق ديمقراطي يمتاز بنقاش مجتمعي مفتوح يؤطره مثقفون تنويريون استطاعوا كشف ضعف حجة القوى المحافظة، ليس أمام المثقفين فحسب، ولكن أمام الرأي العام أيضًا، ولعل أبرز دليل على ذلك ما كتبه الغنوشي.

وإني أؤكد هاهنا :أولا : الالتزام التام بخيار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واعتباره الإطار الأمثل…

Posted by ‎Rached Ghannouchi راشد الغنوشي‎ on Thursday, 16 August 2018

 ما هو موقف التيار المحافظ إذن؟

يمكن القول إن تجاوبًا إيجابيًا مرنًا جاء من طرف زعيم حزب النهضة الإخواني راشد الغنوشي على مقترحات الرئيس التونسي الأخيرة، أدى إلى عدم تصادمهما الواضح حتى الآن، رغم وجود مؤشرات عدة تدل على اختلاف تصورهما لشكل الدولة، والحريات الفردية، مثل تلك التي وصف فيها زعيم النهضة -من تركيا- الثورة التونسية بالإسلامية، وهو ما اعتبره السبسي فحشًا سياسيًا في إشارة عبر فيها الأخير عن احترام إرادة الأفراد الذين يختارون عدم العمل بالمساواة.

اقرأ أيضًا: راشد الغنوشي من تركيا: الثورة التونسية إسلامية

ومع ذلك، يسقطنا مثل هذا التجزيء في اختلالات عميقة، كما أوضح المحامي الباحث في شؤون الحركات الإسلامية عبد الله العماري في اتصال مع كيوبوست، الذي أضاف: “فسح المجال لإمكانية الاختيار بين قانون وضعي وديني لا يتماشى وخصوصية القاعدة القانونية باعتبارها عامة ومجردة، وبدون هذين الشرطين تصبح مدخلًا للفوضى”.      

عبد الله العماري

وقال العماري إنه يرفض فكرة المساواة في الإرث من أساسها، “لأنها المسألة الوحيدة التي نطق فيها الله بالرياضيات، أي التحديد والتدقيق (ثلث، ربع، ثمن..)، وهي أمور كان يجهلها عرب الجاهلية، وهذا لا يمكنه إلا أن يكون حكمة أزلية، ولو كانت مسألة للاجتهاد لقدم فيها سبحانه توجيهًا عامًا، من قبيل التعاون والإنصاف، خصوصًا أن الرجل لا يرث أكثر من المرأة في جميع الحالات”.

ولم ينفِ المتحدث ذاته وجود حالة اجتماعية تطرح بعض الضيق، تحدث عندما يموت الرجل ويترك الأبناء ويستفيد معهم الأعمام؛ في هذه النقطة يمكن أن يجري الاجتهاد، لأن منطق القبيلة لم يعد قائمًا، أي الزمن الذي كان فيه الأعمام يحمون البنات، أما الآن “فمن خلال إشرافي على مثل هذه الإشكالات -بصفتي محاميًا- أجد في غالب الأحيان أن الأعمام أعداء لبنات الأخ، والعلاقة الوحيدة التي تربطهم بهم هي الميراث بـ”التعصيب”،  لأن المسألة لم يتطرق لها القرآن، ويمكن تعميق النقاش في الموضوع، ولما لا مراكمة حلول”، على حد تعبيره.

 

الجزائر: تراكمات حقوقية كمية دون تحقيق قفزة نوعية

طالبت نادية آيت زاي، رئيسة مركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة “سيداف”، عام 2010، بالمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث في الجزائر، لأنه نظام -كما تراه- موروث عن فترة ما قبل الإسلام، ميز العائلة الذكورية التي لم يكن للمرأة فيها شخصية قانونية في شبه الجزيرة العربية وقتها. وعلى خلاف اليوم، يعرف المجتمع الجزائري تطورات عدة، تجاوزت الاعتراف القانوني إلى دخول المرأة سوق العمل، الأمر الذي أحدث اضطرابات على مستوى الأدوار الاقتصادية والاجتماعية المعمول بها.

كما دعت إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور “الإسلام دين الدولة”، لأن المشرع -في تقديرها- أدخل نوعًا من الضبابية وعدم التطابق بين مجموعة المؤمنين ومجتمع المواطنة، على اعتبار أن الدستور ينظم الحقوق والواجبات، بناء على معيار المواطنة.

اقرأ أيضًا: مشروع قانون لمنع النقاب يجدد موجة الغضب في الجزائر

وبعد 7 سنوات، يبدو أنه لم يتحقق معظم ما طالبت به آيت زاي؛ فالتقرير السنوي الشامل الذي نشره موقع المنتدى العالمي حول المساواة بين النساء والرجال عام 2017، رسم صورة قاتمة عن وضع البلاد  باحتلالها المرتبة 127 من بين 144 دولة، في قضية احترام المساواة بين الجنسين، وهو ما اعتبر انتصارًا للقوى المحافظة، وشكل خيبة أمل للحركات النسائية والقوى التقدمية، التي ظهرت وكأنها تبحث عن معجزة حسب الناشط الحقوقي أنور رحماني.

في الجزائر تتم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأةيتغير وعي المجتمع من وعي خرافي تقليدي الى وعي عملي علميتنتهي العنصرية…

Posted by Anouar Rahmani on Friday, 24 February 2017

ويعتمد التقرير في طرح نتائجه على تحليل عوامل عدة ومؤشرات تتناول حجم الفجوة بين الذكور والإناث على مستوى 144 دولة، إذ أخذ في الاعتبار الفروق في المشاركة المهنية، وتكافؤ فرص العمل، والتحصيل العلمي، والصحة، والعلاج، والتوظيف في المناصب الحكومية والسياسية.

 

المغرب: المساوات الكاملة مدخل لدولة المواطنة

رشيد لزرق

لقد تشبث المغرب، منذ عام 1992، بحقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها عالميًا، وعمل على تكريس ذلك عبر خطوات وتدابير سياسية ومؤسساتية عبر مراحل توجها دستور 2011 الذي اعتبر قفزة نوعية في المواطنة والحقوق والحريات. ومع ذلك، فقد ظلت مسألة المساواة بين الجنسين في الواقع كما هو متعارف عليها عربيًا، لا دوليًا.

في هذا السياق، قال المحلل السياسي رشيد لزرق في اتصال خص به كيوبوست إن موضوع المساواة في الإرث، يدخل ضمن مطالب تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وتحقيقًا لمقومات دولة المواطن، مؤكدًا على أهمية مؤسسة إمارة المؤمنين -على خلاف تونس والجزائر- والمجلس العلمي الأعلى كمؤسسة دستورية، قادرة، رفقة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على تدبير المعادلة، بتكريس قيم المساواة دون التصادم مع الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يمكن البلاد من الانخراط في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، تاكيدًا لأهمية الاتفاقيات الدولية.

وتابع: “نحن في حاجة إلى إبداع صيغة مغربية تقينا حملات التشويه والتكفير التي تقودها قوى التدين السياسي ضدنا في الحريات الفردية والمساواة، عبر الضرب في مقومات العيش المشترك في كنف السلم الاجتماعي والحرية، مما يحتم تجدير الاختيار الديمقراطي، الذي يقوم على حرية الرأي والمعتقد وحرية الضمير، وهي حريات ضمنها الدستور للجميع، وتهم التنوع الفكري والعقائدي الذي تسهر الدولة على حمايته”.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة