الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

المسارات التاريخية لمجالس “الدروس السلطانية الرمضانية” في المغرب

المؤرخ المغربي د.إبراهيم القادري بوتشيش لـ"كيوبوست": الدروس الحسنية هي امتدادٌ لتقليد علمي مغربي قديم برز في عصر الدولة الموحدية وتطور في عصر العلويين

المغرب- حسن الأشرف

للسنة الثالثة على التوالي تحتجب “الدروس الحسنية” الشهيرة التي يلقيها علماء وفقهاء خلال شهر رمضان المبارك، في مواضيع وقضايا دينية وفقهية وشرعية معاصرة، وذلك في حضرة العاهل المغربي الملك محمد السادس، بسبب التداعيات الصحية للجائحة، بالرغم من التحسن المسجل في المؤشرات الوبائية في البلاد، خلال الفترة الأخيرة.

وفي كل شهر رمضان تنعقد دروس علمية ودينية، اشتهرت باسم “الدروس الحسنية” نسبة إلى الملك الراحل الحسن الثاني الذي عمد إلى إحياء هذه المحاضرات الرمضانية، بعدما كانت عادة لدى سلاطين مغاربة سابقين، حيث يجلس عالم الدين أو الفقيه أو الأكاديمي، وغالباً ما يكونون من أبرز الشخصيات في العالم الإسلامي، أمام الملك وشقيقه وولي عهده، وبحضور علماء وضيوف القصر الملكي من مختلف الجنسيات والمشارب، وذلك قبيل أذان المغرب في أيام رمضان الفضيل.

اقرأ أيضاً: الحالة الدينية في المغرب.. صعوبات تواجه الإسلاميين وتحديات تهدد التصوف

وتوقفت الدروس الحسنية خلال شهر رمضان في سنوات 2020 و2021، ثم السنة الجارية أيضاً، بينما شهدت سنة 2019 تنظيم هذه المحاضرات التي دشنها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي أحمد الوفيق بدرس بعنوان “استثمار قيم الدين في نموذج التنمية”، والذي جاء حينها في سياق دعواتٍ ملكية إلى ضرورة اعتماد نموذج تنموي جديد بالبلاد، كما ألقيت دروس أخرى من طرف علماء دين وأساتذة جامعيين، وحتى من شخصيات أكاديمية وطبية، مثل الدرس الذي ألقاه في ذلك العام طبيب يعمل رئيساً لقسم جراحة القلب بمشفى الرباط بعنوان “أسرار القلب بين الإشارات الدينية والمتغيرات العلمية”.

ويعود أول “درس حسني” إلى سنة 1963 عندما ترأس الراحل الحسن الثاني درساً حضرته وجوه وشخصيات إسلامية معروفة حينئذ، جمع فيها بين علماء السنة والشيعة أيضاً، وقيل وقتها إن الملك يريد من وراء إقامة تلك الدروس التي تبثها التلفزة الحكومية “الحد من مد اليسار والشيوعية في البلاد”، وإعادة الاعتبار لمكانة العلماء والفقهاء.

العاهل المغربي الراحل في درس حسني رمضاني

المجالس العلمية السلطانية

ولمقاربة موضوع “الدروس الحسنية” وسياقها التاريخي، اتصلت “كيوبوست” بالمؤرخ المغربي الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، الأستاذ في جامعة مكناس، الذي قال إن الدروس الحسنية تعتبر استمراراً للمجالس العلمية السلطانية في عهد الدولة العلوية، وامتداداً للحلقات العلمية التي كان يعقدها بعض أمراء وخلفاء الدول التي تداولت على حكم المغرب، وبالتالي يعتبر البحث عن جذورها التاريخية التي اقترنت زمنياً بشهر رمضان المبارك، بحثاً في السياق العام لتنظيم المجالس العلمية السلطانية عبر تاريخ المغرب.

إبراهيم القادري بوتشيش

وفي هذا الصدد، يوضح بوتشيش: ترجع أولى الإشارات التاريخية لعقد مثل هذه المجالس العلمية في شهر رمضان إلى عصر الموحدين في القرن 6 الهجري/ 12 ميلادي، حيث نجد شذراتٍ حول حرص بعض الخلفاء الموحدين على إحياء ليالي رمضان، بتنظيم مجالس علمية، كانوا يحضرونها بأنفسهم، وفي العصر المريني، قفل السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق ـ بعد الصلح الذي عقده مع الملك المسيحي سانشو في شمال الأندلس ـ راجعاً إلى الجزيرة الخضراء التي حلّ بها خلال شهر رمضان من سنة 684 هـ/ 1285م، فأقام بها طيلة هذا الشهر، وكان يعقد مجلساً علمياً كل يوم بعد انتهاء صلاة التراويح، ويستضيف في قصره العلماء، ليتداولوا في شؤون العلم ومناحي المعرفة طيلة شهر رمضان.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف باحتضان علماء إفريقيا

ويردف بوتشيش سياقات تاريخية أخرى لهذه الدروس، حيث إنه على غرار ملوك بني مرين، حرص ملوك دولة بني وطاس على عقد المجالس العلمية السلطانية، وقد كان ابن غازي العثماني المكناسي من أبرز العلماء الذين كانوا يستدعون لإسماع صحيح البخاري في المساجد حتى انتهاء شهر رمضان، كما تؤكد ذلك كتب الفهارس، وفي العصر السعدي، برز اسم الملك أحمد المنصور الذهبي كراعٍ للمجالس العلمية حسب شهادة المؤرخ الفشتالي الذي يخبر عن عاداته في جمع صفوة العلماء في شهر رمضان، وختم القرآن في ليلة 27 منه.

العصر العلوي

وشهدت المجالس العلمية السلطانية ذروة تنظيمها في العصر العلوي الذي تطورت خلاله المجالس العلمية السلطانية إلى أن أصبحت تعرف بالدروس الحسنية، حيث إنه حسب بوتشيش “يمكن اعتبار المولى إسماعيل المؤسس الفعلي للمجالس العلمية السلطانية العلوية، وتقعيدها على أسس مستقرة”، مبيناً أن “هذا العاهل المغربي كان إلى جانب حنكته السياسية والعسكرية، شغوفاً بالعلم والعلماء، فكان يحرص على عقد مجالس علمية متنوعة الأشكال، من قبيل مجالس أدبية، ومجالس الاستفتاء، ومجالس ثنائية وغيرها”.

اقرأ أيضاً: نموذج التدين المغربي يحارب التطرف بالتسامح و”إمارة المؤمنين”

وتبعاً للمؤرخ المغربي، كانت المجالس العلمية السلطانية الرسمية أكثرها أهمية، ومنها المجالس العلمية الحديثية لسرد صحيح البخاري، ومجالس ختم العلماء لأمهات المصنفات الدينية، والمجالس العلمية لكبار العلماء التي هي بمثابة ندوات علمية موازية للمجالس العلمية السلطانية، يتم فيها تدارس قضايا الساعة على الصعيد الوطني والإقليمي والعالم الإسلامي، وكانت حسب مرويات المؤرخ ابن زيدان تقام في قصره ضمن أجواء احتفالية، يكرم فيها العلماء، ويغدق عليهم بالجوائز والعطايا.

وتبعا للأكاديمي نفسه، في عهد العاهل المغربي سيدي محمد بن عبد الله، اتخذت المجالس العلمية السلطانية شكلا رسميا كما يقول المؤرخ الزياني الذي سمّاها بالمجالس المحمدية: “فأصبحت المجالس الحديثية من العوائد الرسمية والسنن المرعية للدولة، واستمر على ذلك الملوك من بعده”.

اقرأ أيضاً: “المرشدات الدينيات” في المغرب: هكذا تُحارب الأفكار المتطرفة

وسجل بوتشيش أن هذه المجالس العلمية كانت تنظم طيلة شهور رجب وشعبان ورمضان، ويُستدعى لها شيوخ العلم بالمغرب، فكانت بذلك تمثل مرحلة تمهيدية قبل أن تأخذ شكلها التقليدي الرسمي في عهد المولى سليمان، إذ يقول المؤرخ الزياني أن هذا السلطان العلوي “كان يجمع أعيان العلماء لسرد الحديث الشريف وتفهمه والمذاكرة فيه”، كما كان للمولى عبد الرحمن بصمة خاصة أيضاً في تطوير المجالس العلمية السلطانية، وإعطائها صبغتها النهائية، فأصبحت المجالس العلمية في عهده من التقاليد المغربية الثابتة المتبعة.

الدروس الحسنية

ويكمل الدكتور إبراهيم بوتشيش حديثه مع “كيوبوست” بالقول إنه على هدي هذا التوجه، سار السلطان العلوي الحسن الأول، فشجع تنظيم المجالس العلمية، وفي هذا السياق يذكر المؤرخ الناصري في سياق سرد تنقلاته في “الحَرْكات” أنه حلّ بمدينة الرباط في 29 رمضان من عام 1291هـ/1874 م، وعقد مجلساً ختم به شهر رمضان، وكان عالم ذلك المجلس الفقيه العلامة المهدي بن الطالب بن سودة الفاسي. وقد حضر هذا المجلس وفود المدن المغربية، وقضاة الرباط وسلا، وعلمائهما.

بطل الملاكمة العالمي الراحل محمد علي كلاي كان من ضيوف الدروس الرمضانية

أما في عهد محمد الخامس، شهدت المجالس العلمية السلطانية تغيرين، وفق بوتشيش، الأول هو أن المجالس العلمية السلطانية اقتصرت على شهر رمضان، من دون رجب وشعبان، كما كان معمولاً به في عهد الملوك العلويين من قبل، والتغير الثاني أن هذه المجالس أصبحت تُعقد بين صلاتي الظهر والعصر، بدل الصباح.

وفي عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تحولت المجالس العلمية السلطانية إلى ما بات يعرف سنة 1963 بالدروس الحسنية في شهر رمضان، وتغيرت حتى من الناحية النوعية، حيث أصبح يستدعى لها إلى جانب العلماء المغاربة، علماء من المشرق العربي، وعلماء مسلمون من كافة أنحاء العالم بغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية، لإلقاء دروسهم، وعرض نظرياتهم الاجتهادية، كما تغير وقتها من ما بعد صلاة التراويح في بداية عهده إلى فترة ما بين صلاتي العصر والمغرب.

وفي عهد الملك الحالي، يردف بوتشيش، تمّ تأنيث الدروس الحسنية وإدماج العنصر النسوي فيها، حيث شاركت بعض العالمات المغربيات في إلقاء تلك الدروس، قبل أن يخلص إلى أن “الدروس الحسنية هي امتداد لتقليد علمي مغربي قديم، برز في عصر الدولة الموحدية، وتطور في عصر العلويين بأسماء مختلفة، وبأشكال تغيرت حسب ظرفية المراحل التاريخية، مع بقاء جوهرها العلمي الديني”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة