الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

المساجد الفريدة في جزيرة جربة.. تاريخ يشهد على عراقة تونس

الجزيرة التونسية تضم مئات المساجد التي لعبت أدواراً عسكرية واجتماعية وساهمت في حماية أتباع المذهب الإباضي

كيوبوست

تقول الأسطورة اليونانية القديمة إن “أوليس” (صاحب فكرة حصان طروادة) عندما تاه في البحر هرباً من فتك الطرواديين تسعة أيام، استقر به المطاف في اليوم العاشر على شاطئ جزيرة جربة، لكنه خشي أن يواجه مصيراً سيئاً على يد الأهالي.

وحتى يتبين حقيقة الوضع قام بإرسال اثنين من رجاله لاكتشاف المكان، فوجدا نفسيهما في أرضٍ جميلة عامرة بالسكان المسالمين الذين رحبوا بهم، ودعوهم لأكل “اللوتس”. نسي رجال أوليس العودة إليه، وإخباره بما حدث معهم، ولم يعودوا يفكرون حتى في الرجوع لديارهم، مفضلين البقاء إلى جانب أكلة “اللوتس”. حينها لحقهم أوليس وأجبرهم على العودة للسفينة لإكمال الرحلة ومغادرة الجزيرة التي تجعل من يأكل من نبتها العجيبة “اللوتس” ينسى دياره وبلده، ويتذكر فقط أن هذه الجزيرة هي موطنه.

وإلى اليوم ما زالت جزيرة جربة التونسية، أو كما تسمى “جزيرة الأحلام”، تسحر زوارها من كل العالم الذين يتوافدون عليها لجمالها وهدوءها وموقعها المتميز وتراثها الغني والمتنوع، نظراً لكثرة الحضارات التي مرت عليها، والأهم الانسجام الديني والاجتماعي الفريد بين أبنائها.

فالجزيرة هي حاضنة العدد الأكبر من يهود تونس، وعلى أرضها أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم، وهذا معلوم، ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن بها عدداً كبيراً من المساجد يفوق الـ300 مسجد، بعضها تحت الأرض، وبمعمارٍ مختلف عما هو سائد في تونس.

اقرأ أيضاً: في ذكرى افتتاحه.. الجامع الأزهر أحد المعاقل التاريخية للعلم والدعوة

مساجد جربة

تقع جزيرة جربة بخليج قابس بالساحل الجنوبي لتونس، ويبلغ إجمالي مساحتها 514 كيلومتراً مربعاً، ويقدر طول شريطها الساحلي بـ 125 كيلومتراً، وفوق كل 2 كلم مربع من رقعة هذه الجزيرة شيدت مساجد، داخل الأحياء والغابات على طول الشريط الساحلي، وتحت الأرض.

وهذا التمركز المكاني للمساجد لم يكن اعتباطياً بل حكمته جملة من الأهداف، فالمساجد الواقعة على شواطئ الجزيرة على سبيل المثال، أقيمت لأغراضٍ دفاعية بالأساس، إذ كانت بمثابة أبراج مراقبة أو مراكز حراسة مهمتها إشعار المدينة بتحركات القادم من وراء البحر، وإشعار سكان المدينة بالخطر حتى يستعدوا لمواجهته، وأحجام هذه المعالم الدينية غالباً ما تكون محدودة.

مساجد بمعمار مختلف عن السائد في تونس (صورة خاصة)

أما المساجد الواقعة على السواحل، والظاهرة للعيان، فهي تتميز بمتانة البناء وتوفر تجهيزات دفاعية ضد الأعداء، وهي لا تختلف عن المواقع العسكرية.

أما المساجد داخل الأحياء فغالباً ما تكون محدودة المساحة، وموجهة بالأساس لتلبية الحاجيات المباشرة لسكان الحي، كما أن لها أدوارها التربوية التعليمية (ليست الوحيدة) واستقطبت طلبة من داخل الجزيرة، ومن خارجها، ولهذا تحتوي على أجنحة للإقامة والعديد من المتطلبات الحياتية، وتخرج منها عدة شيوخ.

أدوار مختلفة للمساجد في جربة تحدد حسب موقعها (صورة خاصة)

ويعد معمار المساجد في جزيرة جربة فريداً من نوعه خاصة على مستوى الزخارف المعتمدة في تزيين المساجد. إذ تمتاز بالبساطة والتواضع، وتكاد تخلو من الزخارف المعتادة في بقية المساجد التونسية، عدا بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأدعية. ويطغى على هذه المساجد اللونين الأبيض كلون أساسي، والأخضر لزينة الأبواب والنوافذ.

ورغم الأدوار المهمة التي حظيت بها المساجد في الجزيرة على مرِّ قرون طويلة من تتالي الحضارات المختلفة وفرادة معمارها وشكلها وموقعها أيضاً، فإن المساجد “التحت أرضية” تُعتبر الأكثر تميزاً واختلافاً خاصة على مستوى الأدوار التي لعبتها، وشكلها المعماري غير المألوف.

اقرأ أيضاً: جامع عقبة بن نافع.. روعة العمارة الإسلامية وإلهام فني

مساجد تحت الأرض

شيِّدت الجوامع “التحت أرضية” على عمق بضعة أمتار تحت الأرض في مساحةٍ مرتفعة تسمى باللهجة المحلية “الظهرة”، ومحاطة بأشجار النخيل حتى لا يبدو ظاهراً إلا من مسافات قريبة، وببابٍ وحيد وإضاءة جيدة. ويتميز بكثرة الأعمدة وبشكلٍ معماري يجعل كل المصلين يشاهدون محراب الإمام أينما جلسوا هذا فضلاً عن كونه دافئاً شتاء وبارداً صيفاً. وكانت عملية بناء المساجد في البداية تجري تحت الأرض تماماً، باستثناء قبابها الصغيرة وأبراجها.

مساجد تحت الأرض ببعض الأمتار (صورة خاصة)

ولعب هذا النوع من المساجد أدواراً عسكرية واجتماعية ودينية. إذ يوجد خارج هذا المعلم درج في ظاهره مكان المؤذن للأذان، ولكنه كان خلال قرونٍ خلت نقطة لمراقبة تحركات الأعداء من جهة البحر، خاصة في فترة الهجمات الإسبانية في القرنين 14 و15 أيام الحكم الحفصي لتونس. ويقوم المؤذن بإشعال النار في حالة وجود خطر لتحذير أهالي الجزيرة. كما يتم فيها إبرام عقود الزواج والبيع والشراء، والأهم أن هذه المساجد كانت ملاذ الإباضيين لنشر مذهبهم.

ولا يُعرف العدد الرسمي للمساجد المبنية تحت الأرض في جربة، ولكن الأرقام المتداولة بين سكان الجزيرة تفيد أنه قد بُني 20 مسجداً من هذا النوع، لكن ما بقي صامداً حتى اليوم عددهم خمسة، اثنان منهم في حالة جيدة.

المساجد الشاطئية أدوارها عسكرية بالأساس (صورة خاصة)

ويقول المؤرخ التونسي رياض المرابط صاحب الدراسات حول جزيرة جربة ومعمارها لـ”كيوبوست”: يعود تاريخ المساجد “التحت أرضية” إلى أواخر القرن العاشر ميلادياً، وتحديداً فترة حكم الموحدين، وكانت مكاناً سرياً لنشر المذهب الإباضي بين سكان الجزيرة، هذا فضلاً عن دورها الدفاعي من الأخطار الخارجية، إذ كانت الجزيرة تتعرض لهجماتٍ عسكرية خلال الحملة الصليبية، فترة ضعف الدولة الحفصية.

رياض المرابط

ويضيف: أبرز الجوامع المبنية تحت الأرض والمعروفة جامع “الوطا” بمنطقة سدويكش، والمكون من محرابين وهي حالة فريدة لدى مساجد المسلمين وجوامعهم التي تضم عادة محراباً واحداً، وجامع “البرداوي” بمنطقة مزران وهما قائمان حتى اليوم، وفي حالة جيدة. ثم جامع “مقماق” في منطقة بازيم وهو المكان الذي اختلى فيه سبعة من علماء الإباضية سنة 1013 ميلادياً لضبط المذهب الإباضي وتمخضت خلوتهم عن موسوعة فقهية ما زالت تنظم الحياة الاجتماعية بالجزيرة وخارجها حتى اليوم.

ورغم أهمية هذه المساجد التي تعد شاهداً عن مراحل تاريخية وثقافية وعسكرية في الجزيرة، ورغم الجهود المبذولة لإعادة ترميمها وحمايتها، فإنها ما تزال مهددة بالاندثار بسبب التوسع العمراني، وعدم إدراك المتساكنين لأهميتها، ومهددة بالتخريب في ظلِّ وجود بعض العصابات التي ترى الكثير من الكنوز تنام تحت هذه المساجد، ويرغبون في السطو عليها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة