الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

المرأة في جنوب الجزيرة العربية (2-3)

(الحلقة الثانية) عادات الزينة واللباس

كيوبوست- منير بن وبر

لا يتم الحديث عن عادات وتقاليد المراة في جنوب الجزيرة العربية من دون الحديث عن تقاليد لبسهن وزينتهن، بداية بثوب الزفاف الذي يجب أن يُعتنى به أشد العناية، ومروراً بملابس الحياة اليومية، وأخيراً بالملابس التي ترتديها المرأة خارج المنزل.

وبطبيعة الحال، فقد تغيرت الكثير من تلك العادات، فيما لا يزال بعضها باقياً إلى اليوم؛ فمثلاً، كان لبس الزفاف في مدينة المكلا، حضرموت، يتكون من عِصابة توضع كتاجٍ على الجبهة، وثوب حريري مطرز في الصدر بخيوط التلي مفتوحاً من الظهر والأمام.[1]

والتلي عبارة عن نسيج  يُصنع من خلال لفّ عددٍ من الخيوط المختلفة الفضية والذهبية والملونة، مع بعضها البعض، حتى تكون شريطاً طويلاً رفيعاً بتصميماتٍ جميلة ومطرزة. أما اليوم، فقد اُستبدل هذا الثوب التقليدي بثوب الزفاف الأبيض المعروف.

اقرأ أيضاً: عبدالرزاق قرنح.. التنزاني الذي انتزع نوبل بروححضرموت

وفي الماضي، خصوصاً في مناطق وادي حضرموت، كانتِ المرأة في المدينة تضيف الكثير من التحسينات على الثوب الحريري، حتى يبدو مرصعاً لامعاً ومزخرفاً بخيوط التلِّي والخيوط الذهبية، وغيرها من القطع التزينية بمختلف الألوان وبمستوياتٍ مختلفة من اللمعان. أما النساء البدويات في حضرموت فيلبسن فستاناً أسود أو أصفر يصل إلى أسفل الركبة من الأمام، بينما يتدلى حتى يلامس الأرض أحياناً من الخلف، وهذا الزي ترتديه المرأة البدوية حتى خارج البيت دون أن تلبس عليه أيَّ نوعٍ من أنواع العباءات المعروفة التي تلبسها نساء المدن.

امرأة من ريف حضرموت على ظهر حمار. Eric Lafforgue

وفي وصفِ لبس النساء في حضرموت، تقول فريا ستارك في كتابها «البوابات الجنوبية لجزيرة العرب»، عندما زارت حريم السلطان الكثيري في مدينة سيؤن: “وجدتهن (حريم السلطان) ودوداتٍ ومرحبات مرتدياتٍ ثياباً على الطراز الحضرمي، ولكن بلمسةِ فخامة هندية في ثيابهن الحريرية التي وضعت فيها ألوان من جميع الأنواع، والنجمة على الظهر، وخلاخيل ذهبية في أقدامهن. وكان البعض منهن يرتدين على طراز أهل جاوة، معطفا حريرياً مستقيماً” ثم تضيف “ولا شيء يشبه الثوب المتدلي”، في إشارة إلى لبس البدويات الذي يتدلى من الخلف كالذيل.[1]

اقرأ أيضاً: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

ويعود التأثر بالطراز الهندي والجاوي إلى كثرة هجرة الحضارمة إلى جنوب وجنوب شرق آسيا منذ القدم، وما خلقته هذه الهجرات من علاقاتٍ متينة، وتزاوج مع أهل تلك البلاد، وعن هذه الحقيقة يقول قنصل هولندا في جدة، والذي زار حضرموت سنة 1931م “سيؤن متأثرة بإندونيسيا بشكل كبير. ألا يتحدث حاشية السلطان دائما الملاوية؟ ألا يسمع المرء هذه اللغة من أفواه الأطفال في شوارع المدينة؟”.[2]

وفي عدن، كما تقول الدكتورة أسمهان العَلس في كتابها «الموروث الثقافي للمرأة العدنية»، كان يُخصص للعروس ثوب حريري بلون الأخضر القاني، مزين بتطريز خاص من الخيوط الذهبية، وكان يتم صناعة تلك الأثواب في الهند، ثم ما لبثت أن تخصصت أُسر عدنية في صناعته محلياً. وهو ما يدل على الأثر الكبير للتبادل الثقافي بين جنوب الجزيرة العربية والهند، وغيرها من دول جنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، كإندونيسيا. ويعود تأثر عدن بالهند بشكل أكبر بسبب العدد الكبير من الهنود الذين جلبهم الاستعمار البريطاني للعمل في المرافق الحكومية والجيش. وقد تجلى ذلك التأثير ليس في الملابس فقط بل حتى في الطعام والكلمات والعمارة.

اقرأ أيضاً: تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

أما فيما يتعلق بزينة المرأة قديماً فغالباً ما تستخدم المساحيق والصبغات الطبيعية لبشرتها وشعرها، مثل المساحيق المستخرجة من أوراق شجرة السدر ومن الكركم، وتستخدم الكحل للعيون. كما تستخدم النساء في مناطق مثل عدن ولحج زهور الفل (الياسمين) والريحان في تزيين الشعر أو تضعنه حول أعناقهن أو على رؤوسهن.

وبالرغم من أن استخدام المساحيق الطبيعية أصبح نادراً اليوم، فإن عقود وتيجان الفل ما تزال عادة باقية إلى اليوم، حتى أن بيع هذه الزينة زكية الرائحة في شوارع عدن، كالشيخ عثمان، بات أحد رموز المدينة الجميلة، كما أنه يٍستخدم في عدن لتزيين العريس والعروس معاً؛ حيث يُوضع عقد الفل حول عنق العريس، فيما تضعه العروس كالتاج على رأسها. كما اعتاد أهالي عدن شراء الفل في كل يوم خميس لاهدائه لمن يحبون.

فتاة من محافظة لحج تتزين بالفل. خالد الكنيعي، فلكر

كما تعمد النساء إلى تزيين أيديهن وأرجلهن بنقش الحناء، وهناك أنماط عديدة من النقوش؛ مثل الهندي والخليجي والمكلاوي، وهذا الأخير منسوب إلى مدينة المكلا في حضرموت، وقد كان قديماً يُنقش للعروس فقط. ولقد اشتهرت مناطق محددة أكثر من غيرها بزراعة بعض مواد الزينة، مثل شهرة غيل باوزير في حضرموت بزراعة الحناء وشهرة لحج بزراعة وإنتاج الفل.

وفيما يبدو نقش الحناء مقبولاً إلى اليوم، بل يزداد التفنن في زخارفه التي تأخذ ساعات، فإن هناك نوعاً من النقش لم يعد شائعاً، وهو نقش الوشم، حيث كانت النساء، خصوصاً البدويات، يتزين بالوشام، وهو عمل رسوم وخطوط على الجلد باستخدام النيلج بعد غرز الإبرة على الجلد، وهو ما يكوّن زخارف بسيطة خضراء أو زرقاء.

وغالباً ما تكون الوشوم على الوجه، وهي عادة ضاربة في عمق التاريخ لدى العديد من شعوب العالم، ويُعد أحد طرق تزيين المرأة، وفي ذلك يقول الشاعر ابن دانيال الموصلي، من شعراء العصر المملوكي:

مَن ذا رأى في مصرَ أو في الشآم

هذا اللمى من تحت هذا الوشام

مثل الأقاحي أو كنوزِ البشامْ

وبطبيعة الحال، كما تفرض التعاليم الإسلامية، وما توارثته الأجيال من تقاليد مبنية على هذه التعاليم، فإن زينة المرأة لا يراها سوى الزوج، ومن غير الشائع رؤية النساء في مناطق مثل حضرموت وعدن من دون الحجاب أو البرقع. وقد كانت المرأة إلى فترة قريبة ترتدي ما يُعرف بالشُقّة في حضرموت، وهي قطعة قماش مستطيلة تغطي المرأة بالكامل، وتستخدمها عند الخروج من المنزل. أما معظم نساء الريف والبدويات فمن الممكن أن تجدهن بملابسهن البدوية، ويعلو رؤوسهن قبعات الخوص المخروطية الشكل، والمصنوعات من سعف النخيل. وغالباً ما ترتدي هؤلاء النسوة القبعات أثناء الرعي أو العمل في الحقول الزراعية.

اقرأ أيضاً: دار المصطفى.. قصة منبر إسلامي معتدل من حضرموت

وبالرغم من أن تغطية الرأس والوجه هو الشائع عموماً، فإن بعض النساء البدويات، أو في مناطق أخرى، لم يكن يتبعن هذه العادة، كما كنّ أقل تحرجاً فيما يتعلق بالتواجد بين الرجال أو التعامل معهم، حيث نرى نساء محافظة المهرة، على سبيل المثال، يستقبلن أقارب او أصدقاء الزوج في المنزل إذا ما اقتضت الحاجة إلى ذلك، وهو أمر أقل شيوعاً، بل يكاد معدوماً في مناطق أخرى.

كما كانت البدويات، حتى بعض نساء المدن، يؤيدين الرقصات الشعبية مع الرجال في المناسبات والاحتفالات أو يتواجدن كاشفات بالقرب من أقاربهم من الرجال؛ وعن هذه العادة، تقول إيفا هوك في كتابها «سنوات في اليمن وحضرموت»: “وكان البدو يخيمون أمام البيت، ومعظمهم من ذوي الأجسام القوية، والتقاطيع الرائعة، وبعضهم في منتهى الأناقة والجمال. وكانت نساؤهم هناك أيضاً سافراتٍ بملابسهن التي ازرقت من النيلج، وبسلاسلهن من الفضة وأنطقتهن ذات الأجراس والخلاخل، وقد طليت وجوههن بالدهانات الصفراء، وامتدت خيوط حواجبهن في شكل دقيق رفيع”، وذلك في سياق حديثها عن رحلتها إلى “شعب هود” شرق تريم، حضرموت، حيث تقام إلى اليوم زيارة سنوية دينية.

إن ثقافة المرأة في الجزء الجنوبي من الجزيرة العربية غنية ومتنوعة، وهي لا تعطينا صورة عن الحيوية والتناغم والجمال فحسب، بل أيضاً تمنحنا صورة عن العلاقات الداخلية والخارجية، والتأثر والتأثير الثقافي الذي تم تبادله حتى مع أقاصي شرق العالم، والدور الديني والاجتماعي وحتى الاقتصادي في تشكيل هذه الثقافة وترسيخها أو استبدالها بثقافة أخرى.

المراجع:

[1]– «البوابات الجنوبية لجزيرة العرب»، فريا ستارك. ص 221.

[2]– «حضرموت، إزاحة النقاب عن بعض غموضها»، دانيال فان در ميولين والدكتور هـ. فون فيسمان. ص144.

[3]– «عادات المرأة الحضرمية وتقاليدها»، ليلى عوض غانم. ص 26.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات